العنوان الأمة.. إلى المجهول أم إلى المعلوم تسير؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 47
الجمعة 01-أكتوبر-2004
قد يتساءل البعض: هل تعرف أمتنا إلى أين تسير؟ وهل لها أمال أو أحلام كالأمم، وإذا كانت فما هي؟ وهل رسمت لها طريقًا تسير فيه، أو منهجًا تتبعها؟ وهل تعرف أصدقاءها من أعدائها؟ وهل تدري كيف تحافظ على أصدقائها وتستعد لدفع أعدائها؟ وهل تتطلع لمواكبة عصرها بالعلم والتطور والتقدم؟ وهل عرفت كيف تقدم لبنيها الأمن والرخاء والحرية والهناء؟ وهل استطاعت اكتشاف خاماتها وتنمية قدراتها واستثمار أموالها واستغلال عقول أبنائها؟ أم أنها تسير إلى المجهول بغير أهداف أو أحلام أو مناهج أو مواكبة لعصر، أو تقديم أي شيء لبنيها ومجتمعاتها؟
والحكم في الحقيقة ليس لي، ولا للمداحين ومطلقي البخور، وإنما الحكم للواقع الذي لا يكذب، والحوادث التي لا تحابي، والنكبات التي لا ترحم، والحال البادي للعيان، والأوضاع التي لا تسر عدوًا ولا حبيبًا، والحيرة البادية في العيون، واستغاثات الناس ودمائهم وأشلائهم المبعثرة في الطرقات والحسرة الموغلة في القلوب.
كل ذلك يقول الحقيقة وينطق بالحكم الصائب، والعدل الواضح، أن الأمة سهت حتى نامت، وخملت حتى ضاعت، واستكانت حتى فقدت العزة، وتسلطت عليها الشهوات حتى غابت عنها الأفهام، ورتع فيها الفساد حتى تقبحت، وعم الضلال حتى توارت العقول وضاعت منها الثروات، وضعفت حتى ذلت، ووهنت حتى وطئها الأعداء، وخططوا لإبادتها جهارًا نهارًا، واتخذوها غرضًا ورسموا لذلك وسببوا له حتى تكون عدوًا للغرب بعد الاتحاد السوفييتي والشيوعية، ويعجب الإنسان ويقول: كان اتخاذ الاتحاد السوفييتي عدوًا له ما يبرره، حيث كان يملك القوة والسطوة والأيديولوجية التي تخيف الغرب الذي كان ندًا قويًا، وكان له من النفوذ والسطوة على كثير من البلاد والأقطار الكثير، وكان له مريدون وأتباع في كل مكان، وكان هذا شيئًا يعمل له ألف حساب.
أما أن يُتخذ الإسلام عدوًا، وهو لا يملك في الوقت الحاضر شيئًا من ذلك، وليس عنده إلا شعوب ضعيفة قد يحتاج بعضها إلى لقمة العيش، فضلًا عن السلاح والعتاد، الذي يدافع به عن نفسه، وكثير من شعوبه مستضعف على وجه الأرض وخاضع للنفوذ الغربي، بل قل عميلة له وخاضعة لتوجيهاته، فهذا شيء غريب يدعو إلى التأمل والبحث المتأني حتى يظهر المراد وتنكشف الحقائق وتفضح الذرائع، التي تستغل لذلك التوجه من مثل «الإرهاب» ومساعدة الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة التدميرية التي يمتلكها هو ولا يحصل عليها سواه، أو التفرقة العنصرية واضطهاد الأقليات الدينية، أو التخلص من الدكتاتورية وظلم الحكام الذين جاؤوا بهم ويريدون أن يتخلصوا منهم ..... إلخ تلك الذرائع الواهية التي يغلفون بها أطماعهم وحججهم الواهية، التي لم يعد أحد يخفيها بعدما ظهرت البغضاء من أفواههم وبرزت الأفكار عند كتابهم والمخططات في لحائهم ومؤلفاتهم الكثيرة وصدق الله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 30)
من ذلك ما يقوله صموئيل هنتنجتون في كتابه الجديد «من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأمريكية» يتحدث عن دور الإسلام كدين وحضارة في تحديد معالم الهوية الأمريكية في الحاضر والمستقبل فيقول: «إن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية ودخول أمريكا في حرب مع دول وجماعات مسلمة في السنوات القادمة عوامل من شأنها، أن توحد صفوف الأمريكيين من جديد، وأن تجعلهم يعثرون على هويتهم المفقودة والمتمثلة في خصائص أربع هي: العرق الأبيض والإثنية الإنجليزية، والدين المسيحي البروتستانتي، والثقافة الإنجليزية البروتستانتية، وهذه الأفكار هي نفس أفكار «برنارد لويس» وهو الرجل المعروف بأنه جليس المحافظين الجدد الكبار وصفيهم ومرشدهم الفكري.
ففي دراسة قدمها هذا الرجل عام ١٩٩٧م، قال: «إن الإرهاب يكمن في صميم العقيدة الإسلامية التي يعشقها المسلمون، وأن الشعوب العربية والإسلامية قد اعتادت الاستعمار، ولا تستطيع الاستغناء عنه، فحين انحسر الاستعمار في القرن العشرين واجهت الأنظمة في العالم العربي والإسلامي مشكلة غياب القوى الاستعمارية التي كانت توجه شؤونها، ومصائرها، والنتيجة أن المنطقة العربية مازالت تستجدي وتطالب بتدخل القوى الأجنبية في كل قضية من قضاياها، ومن هنا يجب إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والاعتماد في ذلك على إسرائيل باعتبارها رهان المستقبل».
ومن نفس الأفكار تلك الخطة التي قدمها ريتشارد بيرل إلى بنيامين نتنياهو عام ١٩٩٦م، عندما كان الأخير رئيسًا لوزراء الكيان الصهيوني، وكان من أعمدة تلك الخطة، «إيجاد ذرائع قوية لشن حرب أمريكية على العراق» وكان عنوان الخطة «الانفصال عن الماضي... استراتيجية الضمان أمن إسرائيل» وبعد.. فما معنى هذا، وهل الحروب لعبة تتسلى بها الدول، أم أنها لتحقيق غايات واستراتيجيات ومصالح؟
ولهذا يصرح الكاتب الأمريكي «جورفيدال» فيقول: «إن هناك أربع مناطق في رهان أمريكا الحالي والمستقبلي، وذكر منها العراق وإيران وجمهوريات وسط آسيا، وهي جميعها ذات مخزون هائل من النفط، وهي أيضًا من أكثر المناطق عداء للأمريكيين، وذلك مما يستدعي الوجود فيها أو على أطرافها لحماية طاقة المستقبل، فكل حرب تخوضها أمريكا خارج حدودها تضمن لها دخلًا على الأقل خمسين عامًا، ودليلنا على ذلك حرب الباسفيك التي ضمنت لأمريكا ذلك، من عام ١٩٤٤ إلى عام ٢٠٠١م، والحقيقة التي لابد أن تعرف أن كل شيء في ؤ قد ظهر للعيان وصار معلومًا كالشمس، وليس مجهولًا أو متوهمًا، والذي يجب عمله أن تتوحد الجهود وتتراص الصفوف لإنهاض الأمة لدفع هذا الخطر وإفشال تلك المخططات وتغيير تلك المعادلة، قبل أن يندم الجميع ولات ساعة مندم، فالوحوش لا يردها الدجاج، ولكن تدفعها السباع، «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».