; الأمة تودع الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر | مجلة المجتمع

العنوان الأمة تودع الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996

مشاهدات 79

نشر في العدد 1193

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 26-مارس-1996

ودعت مصر والأمة الإسلامية علمًا آخر من أعلامها، ورجلًا من رجالاتها الكبار ولف الحزن جماهير الأمة، إثر الإعلان عن وفاة فضيلة الإمام الأكبر الشيخ «جاد الحق علي جاد الحق» -شيخ الجامع الأزهر-، الذي وافته المنية قبيل فجر الجمعة الموافق ٢٥ من شوال ١٤١٦هـ . 15/3/1996م، عن عمر يناهز التاسعة والسبعين وبعد رحلة عطاء حافلة قضى منها أربعة عشر عامًا شيخًا للجامع الأزهر، يحمل الرقم ٤٢ في سلسلة المشايخ، فأعاد للمنصب شموخه واستعلاءه، واعتزازه بدوره ورسالته في العالم الإسلامي، برغم الظروف الصعبة التي تعيشها الأمة، والتي يعيشها الأزهر الشريف كذلك.
وقد شُيعت جنازة الفقيد عقب صلاة الجمعة من الجامع الأزهر، حيث شارك الألوف من أبناء الشعب ومن كبار العلماء، والسياسيين، والقيادات المسيحية في تشييع الجنازة إلى أن سار موكبها إلى «قرية بطرة- مركز طلخا - محافظة الدقهلية» مسقط رأس الشيخ، حيث اصطف أبناء القرية والقرى المجاورة منذ الصباح انتظارًا لوصول الجثمان؛ ليدفن بالقرب من المجمع الإسلامي الذي أقامه على نفقته الخاصة.
ولد الفقيد في إبريل عام ١٩١٧م (١٣٣٥هـ) ودرس في معاهد الأزهر، وحصل على تخصص القضاء الشرعي وعمل بالقضاء فترة طويلة، ثم مستشارًا لدار الإفتاء المصرية، وعين عام ١٩٧٨ مفتيًا للديار المصرية، وفي عام ۱۹۸۲م اختير وزيرًا للأوقاف، وفي العام نفسه عين شيخًا للأزهر الشريف، فأعاد الثقة في الأزهر لدى جماهير الأمة بمواقفه الدعوية والسياسية والوطنية المخلصة والواعية، ونجح في أن يجهر بكلمة الحق في أصعب المواقف، خصوصا في صولاته وجولاته في قضايا تنظيم الأسرة وتحديد النسل، ثم في الوقوف بصلابة وشجاعة منتصرًا القضايا المسلمين في أفغانستان، والبوسنة والهرسك والشيشان وغيرها، ثم وقفته الصامدة في وجه فتوى الدكتور «طنطاوي» بإباحة ربا البنوك وتمسكه بموقف مجمع البحوث الإسلامية الشامخ، ولا ينسى أحد موقفه البطولي من المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة، وإصداره لبيان تاريخي يرفض فيه توجهات المؤتمر، ورؤيته لقضايا المسلمين في باب الأسرة والمرأة، بالرغم من كافة الضغوط التي مارسها الرسميون في مصر وغيرها؛ لتمييع موقف الأزهر، وقد ساهم الموقف التاريخي للأزهر في إفساد وإفشال المخطط الذي كان يروج له هذا المؤتمر أيضًا لا ينسى أحد البيان التاريخي للأزهر حول مؤتمر المرأة في بكين ورفضه لنفس التوجهات التي حاول الغرب فرضها في مؤتمر القاهرة، وقد لفتت هذه المواقف القوية أنظار المسلمين في بقاع العالم إلى الأزهر الشريف ودوره ورسالته وقدرته على حماية الفكر والعقيدة والشريعة من أي عدوان.
كان باحثًا دقيقا
لم يكن شيخ الأزهر خطيبًا مفوهًا، لكنه كان باحثًا دقيقًا ترك مئات الفتاوى الشرعية القيمة في مختلف المجالات، وكان معروفا بدقة ألفاظه وقلة عباراته، وبراعته في الخروج من المواقف الصعبة عن طريق التعميم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين الكبار، مما أدى إلى إكبار العامة له فضلًا عن الخاصة.. كان موقفه من العدو الصهيوني واضحًا لا مجال فيه للمجاملات، وكانت عبارات السخرية القاتلة التي يطلقها على أمريكا والمسؤولين فيها، ودورهم في إشاعة الظلم ومناصرة المعتدين تزيد من مكانته ومكانة الأزهر في نفوس أبناء الأمة.
وكانت آخر تصريحاته التي نشرتها «الأهرام» صبيحة وفاته عن مؤتمر «شرم الشيخ» قال فيها: «آمل أن يحقق المؤتمر السلام العادل وأن يزرع الأمل بالصلح بين المتخاصمين، لا أن يميل إلى أحد الطرفين، فيدعمه بالزيارات والمعدات، وتساءل: هل المطلوب أن يمد المعتدي بالسلاح أو بالتأمين المادي والمعنوي؟» وقال: «إن المأمول أن يكون صناع السلام قد صنعوا العدل أيضًا، واتخذوه حرفة وإلا فإن صناعتهم لن تكون إلا كصناعة الآخرين الذين تدخلوا بالصلح في البوسنة والهرسك، وغيرها من مشكلات العالم الحادة في هذا العصر؟».
وقد أفتى شيخ الأزهر الراحل بعدم جواز السفر للصلاة في القدس حتى تتحرر وتعود إلى أهلها العرب والمسلمين.
عاني الشيخ «جاد الحق» من إهمال الدولة للأزهر الشريف، وقلة الإمكانيات المادية المتاحة لكنه بذل جهدًا كبيرًا في نشر المعاهد الأزهرية في ربوع مصر، من خلال تبرعات أهل الخير الذين استجابوا بكل حماسة، ومن آخر ما عاني منه تقاعس «الحكومة» عن ترميم أكثر من ألف وخمسمائة معهد ديني أزهري ضربها الزلزال في أكتوبر ۱۹۹۲م، في الوقت الذي تستمر حركة بناء المدارس العادية بهمة ونشاط، ولم يقف الشيخ مكتوف الأيدي، بل أرسل رجال الأزهر ليلتقوا بكبار أهل القرى والمدن، حثًا لهم على استكمال وترميم هذه المعاهد وكانت النتائج مشرفة، وتمت في عهده أكبر حركة انتشار لهذه المعاهد منذ عهد الشيخ الإمام «عبد الحليم محمود» في السبعينيات.
كان الفقيد الراحل رجلًا متواضعًا بسيطًا، لكنه كان كالأسد عندما تنتهك حرمات الله فيغضب غضبًا شديدًا، حتى يرد الكيد إلى نحور الأعداء ومن والاهم، ولذلك سجل اسمه في صفحات التاريخ المضيء لهذه الأمة، ولعلماء الأزهر الشريف، الذين كانوا دائمًا – ولا يزالون – هم أمل كل نهضة ومبعث كل خير ولن تنطفئ شعلة الإيمان في قلوب المسلمين، ولن يخفت صوت الإسلام طالما وجد الأزهر الشريف وأمثال الفقيد الراحل الشيخ «جاد الحق على جاد الحق» ... رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار، وعوض الأمة في مصابها خيرا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :