; الأمة الإسلامية.. والتحديات المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان الأمة الإسلامية.. والتحديات المعاصرة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 02-مارس-2012

مشاهدات 81

نشر في العدد 1991

نشر في الصفحة 39

الجمعة 02-مارس-2012

هناك نوع من القضايا التي تشغل الفكر الحاضر، وتطفو على سطح الذهنية المعاصرة ويحاول أصحابها وبدلتها وضعها في سلم الأولويات للمهام التي يجب أن تلتفت إليها الأمة باعتقادهم أنها تشكل معلما بارزا من معالم النهضة التي يجب أن تقوم عليها الأمة وتتجه نحوها الجهود حتى تؤدي غرضها المطلوب في تلك النهضة التي لابد من قيامها ان أرادت الأمة بقاء أو سيادة أو حضارة.

 ولا شك أن هذا بحد ذاته بشكل تلاقحا للآراء وشحنا للفكر وايقاظا للقوى القادرة على الهضم والتمييز في الأمة حتى تناقش وتختار في جو من الوعي والبصر والتخصص والاخلاص والتجرد ما يصلح ويقيد ويوصل إلى تحقيق الآمال والغايات.

 وصدقوني أيها الإخوة لا بديل عن هذا الطريق فلا يؤدي كبت الآراء إلى جلاء الفكرة أو تمحيص العبرة أو اختيار الطريق الأوفق كما لا يؤدي إلى تكاتف الجهود واستثمار الطاقات والاستفادة من المواهب التي تزخر بها الأمم.

ورب معاند هذا اليوم أو معارض هذه اللحظة يكون هو بطل الفكرة غدا وحاملها في المستقبل وصدق رسول الله ﷺ، ( تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا (متفق عليه) تجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية قبل أن يقع فيه، وتجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه.

 كما أن كبت الآراء وحبس الأفكار يعزز العداوات، وينضح الانحرافات على نار هادئة ثم تظهر بعد ذلك في سورة عملاق أسود كالح يقضي على الأخضر واليابس ويعطل مسيرة الأمم وينحن الجهود الخيرة بالجراح والطعان .

ضوابط لابد منها 

غير انه يجب أن يكون هناك ضوابط للأفكار، وقانون للآراء حتى لا تنهمر الشهوات والأمراض الاجتماعية والعمالات فتبرز في صورة أفكار وأراء تعطل المسيرة وتشوه مجال البحث العلمي واعتقد أن أول ضابط يجب أن يصار إليه هو :.

1.التخصص وأن يكون المتخصص صاحب رأي وعنده القدرة على الهضم ومعرفة الدليل واستنباط الأوجه الصحيحة 

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (سورة النساء أية 83)  ﴿وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم ﴾ سورة ال عمراءن أية 7  وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ﴾ سورة البقرة أية 269) (  

 أي أن يكون المتخصص راسخا في العلم صاحب عقل ولب عنده القدرة على الاستنباط الصحيح. 

2- الالتزام بالطرق المنطقية السليمة في المناظرة والحوار التي تعتمد على الحجة والمنطق والدليل البين الصحيح، وذلك في أمرين: الأول، وهو تقديم الأدلة المثبتة أو المؤيدة لحجته ودعواه، والثاني إثبات صحة النقل وأمانته للأمور المنقولة أو المروية.

3- البعد عن الهوى والتشهي والتعصب لوجهة نظر لم يقم الدليل عليها بعد والاستعداد للإقناع إذا صح الدليل. 

4- أن تكون المحاورات بعيدة ما أمكن عن استثارة الجمهور، وحب الظهور واستثمار عواطف الناس لغرض معين

 5- البعد عن أجواء الإرهاب الفكري والجسدي مع تكافؤ الفرص، وعدم حجب الحقيقة إن ظهرت ولو على يد الخصم والاستعداد للأخذ بها

ومن قبيل الحقيقة وليس من قبيل التخيل أو الوهم تعرضت الأمة الإسلامية والعربية لكثير من التحديات الحزبية والفكرية تنوعت أساليبها وتعددت أشكالها، وقد أخذ الإسلام أكبر قدر من هذه التحديات، لأنه هو الرباط المتين للأمة الإسلامية والعربية، والحصن المنيع في مواجهة أعدائها والمغيرين عليها من كل حدب وصوب، ومن هذه التحديات ما كان مصدره القوى الخارجية، التي تهوى من قديم السيطرة على الأمة ومحو شخصيتها ومن هذه التحديات ما كان مصدره داخليا من المبهورين بالثقافة الغربية، ومن الجاهلين بالثقافة الإسلامية، ومن المخندقين مع القوى الخارجية.

 ومنه ما هو خارجي من أعداء الأمة الحاقدين والمتربصين والتيارات الفكرية المناهضة هلينية، وشعوبية وتترية و صليبية يقودها فرسان الحقد الصليبي إلى الجهة الاستعمارية الحديثة التي يبلغ عمرها نحو قرنين من الزمان، والتي كان أطول وأغرب وأعجب تحد جابه الإسلام والمسلمين.

 ويبدو أن طموح الغرب الاستعماري من وراء غزوته الحديثة التي بدأت بحملة بونابرت (١٢١٣هـ / ١٧٦٩ - ۱۸۲۱م) كان عظيما وخطيرا، فلم تكن الأهداف مجرد نهب استعماري، واقتناص للمواد الخام، وفتح أسواق جديدة واستجلاب للعمالة الرخيصة لمدة محدودة فقط، وإنما جاء لتأبيد هذا النهب وتمكينه، وفرض التبعية ومحو الشخصية وتحويل عالم الإسلام إلى هامش حضاري الحضارة الغرب. وأرسل الشرق بعثاته إلى أوروبا ولكنهم للأسف لم يأتوا إلا بالأفكار فقط والعلوم النظرية والاجتماعية، وأما العلوم التكنولوجية والصناعية والهندسية فلا وألف لا، وللآن لا وألف لا، وإنما كان ميدانهم الأول والأوحد تغيير الحياة إلى النمط الأوروبي النظري تحويل الفكر إلى التأنق والإعجاب والانبهار بالحياة الأوروبية وما فيها من أضواء وتأنق وحرية شخصية في الخروج على العادات والتقاليد الخلقية والأدبية وطعن التراث وكل ما هو يمت إلى الشخصية الإسلامية أو العربية بصلة، وانبرى فرسان الثقافة الداخلية في التجريح والنقد وإخوانهم في الغرب يمدونهم في الغي حتى لا يقصروا أو يعجزوا.

وانطلقت الأوهام والسهام الكثيرة في غيبة الفكر الإسلامي أو في نومة العملاق الجبار، أو في سكرة من حراس الحق انطلقت الأوهام ولها طنين كالذباب الملوث، وكالحشرات السامة تطوف المشرق تبشر بالخراب والضياع وتطعن في الإسلام وتعاليمه، وترفع الصوت بالتحدي بهذا الوهم وهو كثير حتى ضللوا بأوهامهم عقول بعض السذج، وصاروا على آثارهم يهرعون، ولكنه وبعد انبثاق بشائر الفكر الأصيل قد ظهر الحق وزهق الباطل وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

الرابط المختصر :