; الأمة الإسلامية کما يريدها القرآن | مجلة المجتمع

العنوان الأمة الإسلامية کما يريدها القرآن

الكاتب الشيخ أحمد البسيوني

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1973

مشاهدات 0

نشر في العدد 173

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 23-أكتوبر-1973

ملخص المحاضرة التي ألقيت بقاعة جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت مساء الأربعاء ١٣ رمضان سنة ١٣٩٣ هـ ٩ أكتوبر سنة ۱۹۷۳ م

 

الأمة الإسلامية کما يريدها القرآن

أحمد البسيوني

المراقب العام للوعظ بالأزهر

 

إذا كان لكل أمة خصائصها المميزة لها ، وصفاتها التي ينهض عليها کیانها ، ومنها تتكون معالمها وملامحها ، فإن الأمة الإسلامية كما صورها القرآن ، أمة ذات رسالة ضخمة في هذه الحياة ، ومكانها في قافلة البشرية مكان الصدارة والقيادة .. تهدي وتعلم بالكلمة والقدوة ، أمة صنعها الله على عينه ، وأخرجها على مسرح الحياة بقدرته لتكون مثالا يحتذى للعالم بأسره ، ولم يمنح الله هذه المنزلة لهذه الأمة المحمدية جزافا أو محاباة - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - ولكن لأنها أمة ذات منهج خلقي وصفات عليا هي التي مكنت لها في الأرض ورجحت بها في میزان الله ... وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن مصير هذه الامة مرتبط بتراثها من وحي السماء ، فإذا وصلت نفسها به ، عزت وسادت ، وإن تخلت عنه ، اهتز كيانها ، وهوت إلى مكان سحيق ..

وفي القرآن الكريم آيات بينات تصور عظمة هذه الأمة ، وتشير إلى قدرها العالي بين الأمم .. يقول تعالى : ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ (١٤٣ البقرة)

وفي الآية مؤشرات صادقة إلى مكانة هذه الأمة في أفقها الرفيع ، .. وكل كلمة من كلماتها النيرات تحمل معنى وتشير إلى معنى ، وتحدد هدفا وغاية .. تقول الآية الكريمة :

وكذلك جعلناكم : الجعل يفيد التحول والتغير والانتقال من حال إلى حال .. فالأمة الإسلامية أمة رباها الله ، وجعلها كما أراد لها ، فلم تتكون بطريقة سحرية ولكنه شريعة واقعية في ضوء الكتاب والسنة ، ولم تكتمل أخلاقها في يوم وليلة ، وإنما تكونت في أعوام من عمر الرسالة ، كانت أنوار الوحي تصافح قلوبهم فتفجر فيها أكرم الصفات وأنبلها ، وآيات القرآن يتنزل بها الروح الأمين ، على قلب الرسول الأمين حافلة بضروب التربية النفسية والخلقية والاجتماعية ، وتربية الله تعالى لهذه الأمة على هذا النحو لحكمة عليا ، هي أن تتمكن البشرية في مراحل حياتها من تناول الدواء كلما عاودها المرض ، ومن إعادة التجربة كلما وهنت صلتها بوحي السماء ..

أمة وسطا : وسطية هذه الأمة ، هي أعظم خصائصها ، فهي أمة وسط في كل شيء .. والوسط نقطة بين طرفين على مسافة متساوية بينهما .. هي أمة وسط في عقيدتها ، لا تلغي عقلها فتنفي وجود الله ، ولا تنحدر في تفكيرها فتعبد من دون الله حجرا أو شجرا أو شمسا أو قمرا أو حيوانا أو إنسانا ، ولكن شعارها في عقيدتها :﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾     ( سورة الإخلاص 4:1 ) هي أمة وسط في عبادتها ، فلا إفراط فيما شرع الله لعباده حتى يشق عليهم ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج ٧٨) .. ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ( البقرة ٢٨٦) وفي الحديث الشريف : « إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه » ( رواه البخاري ) ولا تفريط في شرع الله حتى يحتاج الناس إلى أن يكملوه بتشريع آخر ... ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ (الأنعام ٣٨) .

هي أمة وسط في نظرتها إلى الحياة ، لا تدعو إلى التجرد الروحي المعادي للدنيا ، ولا تدعو إلى الإغراق في المادة ، والإنغماس في مطالب البدن ، ولكنها توازن بين الروح والجسد ، بين الدنيا والآخرة ، فتقسم الحقوق بينهما بميزان تعادلت كفتاة فلا تميل إحداهما عن الأخرى ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ ( القصص ٧٧) هي أمة وسط في منهج الإصلاح ، لا تكتفي بالضمائر وحدها ، ولا تعتمد على الحدود والزواجر ، فالضمائر قد تغفو وتنحرف ، والعقوبات - وحدها - قد تورث العناد والتحدي .. فكان لا بد من ضمير يراقب الله ، ولا بد معه من تأديب لمن يعبثون بقيم الحياة ، ويخشون الناس ولا يخشون الله .

والأمة الإسلامية أمة وسط في تاريخ ميلادها ، فقد ظهرت على مسرح الحياة بين عهدين عهد الطفولة البشرية ، وهو عهد المعجزات الحسية وعهد النضوج الفكري والرشد العقلي ، عهد القرآن المعجز في نواحيه كلها لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .

هم شهداء على الناس ، يوجهونهم ويقودون مسيرتهم ، ويراجعون مناهجهم في الحياة فيقرون ما صلح منها ، ويقومون ما أعوج ويردونه إلى الصراط المستقيم .. والرسول شهيد على أمته وعلى الناس بالهدى والقدوة الراشدة ، والأسوة الحسنة .. فهو النبي المعلم ، الداعي إلى الحق بالحق والأمة الإسلامية أمة الخير ، تحبه ، وتتفاعل مع رسالته ، وتفسح المجال له ليأخذ مكانه في جنبات الحياة ، ويسيطر على أفاقها ، وإذا كانت غايات الناس في هذه الحياة مختلفة ، وسعيهم شتى ، فمنهم من يعيش لحظوظ نفسه وشهواته الدنيا ، ومنهم من يعيش ليكون مصدر شر للناس ، يبسط يده ولسانه بالسوء ، فإن الإسلام يجعل رسالة الأمة الإسلامية ، منحصرة في دائرة الخير ، متجهة في سعيها إليه ﴿  وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ  (البقرة ١٤٨) .

﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الحج ٧٧) .

وهي أمة قوية في جهادها ، توقن أن الله تعالى كتب عليها القتال ، فهي تخوض حربها مع أعدائها في بسالة وشجاعة وغلظة ، لا تبالي بالموت أوقعت عليه أم وقع الموت عليها ، إنهم أشداء على الكفار ، رحماء بينهم ، إذا جمعتهم مع أعدائهم ميادين القتال ، اقتحموا المخاطر ، وخاضوا الهول ، وعانقوا الموت .. هتافهم في حومة الوغى .

ولست أبالي حين أقتل مسلما

                 على أي جنب كان في الله مصرعي

والأمة الإسلامية يريدها القرآن أمة حارسة للفضائل ، حفيظة على المعاني الإنسانية التي جاء بها رسل الله .. وهذه الامة حين تتصدى لدعوه الإصلاح ، لا تزيف القول لتخدع الناس ، ولا تتاجر بشعاراتها ، ولكنها تنطلق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من قاعدة الإيمان بالله ، فهو سند المصلحين في دعوتهم ، وهو قوتهم التي تعينهم على مشقات هذا الواجب وتبعاته ، وإنها لكبيرة لا يصبر عليها إلا مؤمن يبتغي وجه الله ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ . (آل عمران ١١٠) . وقد دعا الله هذه الأمة بعد أن بين لها منزلتها بين الأمم إلى أن تحافظ على هذه المكانة بوحدة الصف ، وإتحاد الكلمة ، ربها واحد ، وكتابها واحد ، ونبيها واحد ، وقبلتها واحدة ، يفرض عليها دينها أن تعبد الله بكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الأنبياء ٩٢) .

وإن الفرقة أخت الكفر ، وهي تضعف الأمم القوية ، وتميت الأمم الضعيفة ، ومن هنا فرض الإسلام على المسلمين أن يخرجوا إلى لقاء عدوهم صفا مستقيما كصف الصلاة ، لا عوج فيه ولا خلل ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ (الصف ٤) .

والله من وراء القصد ، وهو ﴿ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ( الأنفال: 40) .

الرابط المختصر :