; صندوق النهب الدولي... يدمر العملات ويفقر الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان صندوق النهب الدولي... يدمر العملات ويفقر الشعوب

عنوان تمهيدي الأكذوبة الكبرى في التاريخ الاقتصادي

الكاتب عبدالكريم حمودي

تاريخ النشر السبت 17-مايو-2003

مشاهدات 15

نشر في العدد 1551

نشر في الصفحة 20

السبت 17-مايو-2003


     ·       أكبر عمليات النهب في التاريخ تم تنفيذها من خلال الديون وتخفيض أسعار العملات

    ·       التلاعب بأسعار العملات حلقة في سلسلة تقويض اقتصادات الدول النامية وتدمير قاعدتها الإنتاجية وإرغامها على بيع شركاتها الناجحة للأجانب

عبد الكريم حمودي ahamoudi@hotmail.com

  • 15% من سكان العالم يسيطرون على 80% من إجمالي الدخل العالمي، وناتج إفريقيا جنوب الصحراء أقل من نصف ناتج ولاية تكساس الأمريكية.
  • السيناريو يبدأ بالتشكيك في الأداء الاقتصادي من خلال مؤسسات الائتمان الدولية المعتمدة، ثم يسارع المضاربون وتجار العملات إلى التلاعب بسعر الصرف ليبدأ الانهيار.
  • قال مدير المخابرات الأمريكية: إن الاستثمارات المكسيكية تشكل أخطارًا سياسية، فهربت كل الاستثمارات وأصبحت المكسيك مفلسة.. إنها الحرب الدعائية على رأس المال الجبان.
  • تفقد الدولة الاحتياطي من النقد الأجنبي فتلجأ إلى طلب القروض المنقذة التي تكون مشروطة بتخفيض سعر العملة أو تعويم أسعار صرفها، ومع التخفيض أو التعويم يتسارع الانهيار... لا لقيمة العملة فحسب وإنما للاقتصاد كله.
  • الضربة الكبرى لاقتصادات النمور الآسيوية بدأت بتخفيض العملة التايلاندية.. وكان الهدف تدمير اقتصاد إندونيسيا وتمزيق أراضيها.
  • مايكل بيلنجتون: تحالف المضاربون في صناديق التغطية... وصندوق النقد الدولي قام بعملية احتيال بارعة انتزعت 188 مليار دولار من الاقتصاد الإندونيسي.
  • محاضير محمد: العملات لا تملك قرون استشعار للتفاعل مع الأداء الاقتصادي والمالي، لكن سماسرة الصندوق يقفون وراء الأزمات الاقتصادية في العديد من البلاد النامية.
  • الجنيه المصري آخر ضحايا دائرة النهب الدولي.. انهار بنسبة 60% خلال ثلاث سنوات.
  • تخفيض قيمة العملات المحلية تدمير مبرمج لاقتصادات الدول النامية.
  • خسائر روسيا الناتجة عما يسمى بسياسة التصحيح 600 مليار دولار.
  • البرازيل اقترضت 43 مليار دولار لتحافظ على قيمة عملتها.

منذ مطلع الثمانينيات وحتى الآن تتعرَّض أكثر الدول النامية إلى عمليات نهب وتدمير مبرمجة لاقتصاداتها، بعد أن أثقلها صندوق النقد الدولي بديون ضخمة ذات فوائد مرتفعة بلغت مع نهاية عام 2001 نحو ألفين و100 مليار دولار (أي 2.155 تريليون دولار) تشكل 39.2% من الناتج الإجمالي لهذه الدول، أما الفوائد التي استحقت عليها خلال عام 2001 فقط بلغت 330 مليار دولار، مشكلة 21.5% من قيمة صادراتها.

وقد بدأ المضاربون الدوليون (تجار العملة)- بإشراف صندوق النقد الدولي وأباطرة المال في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من عواصم المال والأعمال الغربية- عمليات تدمير واسعة النطاق لاقتصادات الدول النامية من خلال عمليات تخفيض أسعار عملاتها المحلية وصولًا إلى انهيارها، سواء بالمضاربة عليها في أسواق المال من قبل تجار العملة الذين تفوق تجارتهم للعملات 20 ضعفًا حجم التجارة العالمية في السلع والخدمات، أو من خلال إجبار هذه الدول على تخفيض قيمة عملاتها أو تعويم أسعار صرفها كشرط لازم لدعم صندوق النقد الدولي لبرامجها الإصلاحية، وهو ما نتج عنه تدمير اقتصادات دول بأكملها، وتكبيدها خسائر باهظة تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، وأدت هذه العمليات في كثير من الأحيان إلى زعزعة استقرار هذه الدول وسببت بؤسًا غير محدود لمئات الملايين من البشر، كما سببت اختلالًا مريعًا في معادلة توزيع الثروة في العالم.

وتورد مصادر مطلعة أن الدول الغنية التي يعيش فيها 15% من سكان العالم، تسيطر على ما يقرب من 80% من إجمالي الدخل العالمي، وأن 56% من سكان العالم يمثلون مجموعة البلدان المنخفضة الدخل (من بينها الصين والهند). ويبلغ ناتج كل إفريقيا جنوب الصحراء- والتي يبلغ عدد سكانها 600 مليون نسمة- ما يقرب من نصف إجمالي ناتج ولاية تكساس الأمريكية فقط.

حلقة في سلسلة النهب

لم تكن عملية تدمير عملات الدول النامية إلا حلقة في سلسلة الحلقات التي تم تنفيذها خلال العقدين الأخيرين، وكانت تهدف إلى تقويض اقتصادات الدول النامية وتدمير قاعدتها الإنتاجية وتفكيك إنتاجها المحلي لصالح موزع عالمي، مع إجبارها - وتحت شروط صندوق النقد الدولي الذي يستغل أي أزمة اقتصادية ليفرض شروطه القاسية - التي أهمها الضغط على هذه الدول لبيع شركاتها الناجحة إلى الشركات متعددة الجنسيات التي تسعى إلى إزاحة نسبة كبيرة من القاعدة الصناعية في البلدان الغنية إلى مواقع رخيصة في البلدان النامية.

سيناريو انهيار قيمة العملة

يبدأ السيناريو بالتشكيك في الأداء الاقتصادي للدولة التي ستجبر على تخفيض قيمة عملتها، تدعمها في ذلك تقارير صادرة عن مؤسسات الائتمان الدولية المعتمدة في واشنطن تشكك في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية وخاصة بالنسبة لخدمة الديون الخارجية، ثم يسارع المضاربون وتجار العملات إلى التلاعب بسعر صرف العملة من خلال عمليات بيع أو شراء مبالغ ضخمة من تلك العملة وإعادة بيعها على نحو متكرر بما يكفل انهيارها وبالسرعة التي يرغبون فيها.

وفي هذه الأجواء تتولد حالة من القلق في الأسواق تدفع أصحاب الأموال إلى القيام بعمليات بيع ضخمة لهذه العملة واستبدالها بعملات أخرى وغالبًا ما تكون الدولار، مما يدفع الحكومة إلى القيام بالدفاع عن عملتها عبر ضخ كميات كبيرة من العملات الأجنبية في الأسواق لتهدئة المخاوف، الأمر الذي يؤدي إلى خسارتها لاحتياطياتها من العملات الأجنبية المخصصة لتغطية مستورداتها الخارجية، وبالتالي فقدانها لأهم عامل استقرار مالي. ومع تفاعل القضية تلجأ الدولة إلى طلب قروض إنقاذية من المؤسسات المالية الدولية تكون تلبيتها مشروطة بشروط عديدة في مقدمتها تخفيض سعر العملة المحلية أو تعويم أسعار صرفها، ومع الموافقة على التعويم أو التخفيض تتسارع عملية الانهيار، ليس لقيمة العملة فقط وإنما لاقتصاد الدولة المستهدفة.

الآثار السلبية لانهيار قيمة العملة

أدت عمليات انهيار العملات الوطنية في الدول النامية خلال العشرين عامًا الماضية إلى تدمير اقتصادات هذه الدول، وإن اختلفت درجات التدمير من دولة إلى أخرى تبعًا لعوامل ذاتية تتعلق بالبنية الاقتصادية للدولة وتنوع قطاعاتها الإنتاجية، لكن النتائج الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن عمليات انهيار العملات كانت بكل المقاييس كارثية، وسنرصد فيما يلي أهم هذه الانعكاسات في النقاط التالية:

1.      تدمير المدخرات الوطنية الموجودة لدى الدولة والمواطنين بالنسبة التي انخفضت فيها قيمة العملة أو ربما أكثر مباشرة عقب الإعلان عن عملية التخفيض أو الانهيار.

2.      هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج بحثًا عن الأمان والاستقرار والاستثمار المريح.

3.      ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات وانخفاض قيمة الدخول والأجور، كما يؤثر سلبًا على أصحاب المعاشات والمقترضين بالعملة الصعبة لتمويل شراء منازل أو مشروعات تجارية. وهذا الارتفاع يكون من نتائجه المباشرة انتشار الفقر والبطالة ومن ثم المجاعة.

4.      على الرغم من أن انخفاض قيمة العملة قد يشجع الصادرات الوطنية، لكنه في الوقت نفسه يزيد كلفة الواردات ويرفع معدلات التضخم، ومع ارتفاع معدلات التضخم سيضطر البنك المركزي إلى رفع معدلات الفائدة، الأمر الذي سينعكس على النمو الاقتصادي في البلاد.

5.      استنزاف احتياطي الدولة من العملات الأجنبية في عملية الدفاع عن العملة من خلال ضخ المزيد من الأموال في السوق لتهدئة المخاوف الاقتصادية، وهو ما يسبب عجزًا كبيرًا في ميزان المدفوعات.

6.      هروب الاستثمارات الأجنبية وتراجع ثقة المستثمرين وخاصة من البورصات خوفًا من الخسائر التي قد تتكبدها بسبب انهيار قيم العملة.

7.      ارتفاع حجم المديونية الخارجية بسبب لجوء الدولة التي تعرضت عملتها للانهيار إلى عمليات اقتراض جديدة لكي تتمكن من تمويل عمليات الاستيراد من الخارج، وهو ما يؤدي إلى زيادة قيمة الفوائد المستحقة على الدين الخارجي، ويؤدي تسديد هذه الفوائد إلى مزيد من الاستدانة، أي الدوران في حلقة مفرغة تغذي نفسها بنفسها مؤدية بالبلد إلى الانهيار المالي.

8.      وقوع الدولة في أسر صندوق النقد الدولي وشروطه القاسية، بحيث تتحول الدول ومواطنوها مع مرور الوقت إلى أجير يعمل لدى الصندوق لتسديد خدمة قروضه، ويجبرها بعد ذلك على بيع شركاتها ومؤسساتها وخاصة الرابحة منها إلى الشركات المتعددة الجنسيات تحت لافتة الخصخصة.

9.      تدمير الشركات والمؤسسات الوطنية، وبالتالي الدفع بقطاعات كبيرة من السكان إلى سوق البطالة.

10.  انخفاض القيمة الفعلية للضرائب التي تجبيها الدولة، وهو ما يؤدي إلى تراجع عائدات الحكومة المالية.

11.  اهتزاز الاستقرار السياسي وفقدان السيادة الاقتصادية والسياسية وإيجاد حكومات موازية تمرر مشاريع ديمقراطية كاذبة، كما يؤدي إلى الجوع والفقر اللذين ظهرا في تحركات شعبية في العديد من دول العالم: كاراكاس 1989، تونس 1984، نيجيريا 1989، المغرب 1990، المكسيك 1993، الاتحاد الروسي 1993، البرازيل 1999، وأخيرًا الأرجنتين 2002.

12.  تدمير الاستقرار الاجتماعي؛ فعملية تدمير العملات تدمر مدخرات المواطنين وتخفض قيمة الأجور وترفع في المقابل أسعار السلع والخدمات، ومع عمليات الخصخصة الإجبارية التي يفرضها صندوق النقد الدولي والتي غالبًا ما تسفر عن تسريح مئات الآلاف من العمال، فإن الحصيلة العملية هي جيوش من الفقراء والعاطلين عن العمل.

أزمة المكسيك وتعميم التجربة

بدأت التجربة الأولى في المكسيك عام 1981 واَمتدت العدوى إلى دول النمور الآسيوية، ثم انتقلت إلى روسيا والبرازيل مرورًا بتركيا والأرجنتين وصولًا إلى مصر، ومنذ ذلك التاريخ تم تخفيض عملات العشرات من الدول عبر العالم، مخلفة انعكاسات كارثية على اقتصادات الدول النامية، ومحققة أرباحًا ضخمة لصالح سماسرة المال وأباطرة الشركات العابرة للقارات.

بدأ الهجوم على العملة المكسيكية (البيزو - Peso) في عام 1981، وكان هجومًا منظمًا ونقاءً، وقد بدأ الهجوم بمقابلة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» مع مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق - والذي أصبح مستشارًا تجاريًا للأعمال - وفي تلك المقابلة قال المستشار إنه يعتقد أن الاستثمارات المكسيكية تشكل مخاطر سياسية، وأنه يتوقع أن يشهد البيزو انخفاضًا في قيمته في المستقبل القريب، ومباشرة تم تعميم هذه الرؤية والتوقعات في الصحف الأمريكية الأخرى ثم في الصحف المكسيكية. وكانت نتيجة ذلك هجرة رأس المال من المكسيك؛ حيث بدأ رجال الأعمال بتحويل أموالهم من العملة المحلية إلى الدولار، وفي 19/2/1982، ومع استنزاف الاحتياطي بشكل كبير، انخفضت قيمة البيزو بنسبة 30% لتصبح الكثير من الشركات التي كانت تقترض بالدولار مفلسة. وفي 20/8/1982، قال وزير المالية المكسيكي في اجتماع له مع 100 مصرفي أمريكي بارز في مقر مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك: إن المكسيك أصبحت مفلسة وعاجزة عن سداد الدفعات المقبلة من القروض التي أخذتها، إذ لم يعد لديها أي مخزون من الاحتياطيات الأجنبية، وأن البنوك الخاصة قد هربت 76 مليار دولار إلى خارج البلاد، وإن هذا المبلغ يعادل كل القروض الأجنبية خلال العقد الماضي التي استغلت في التصنيع.

أزمة النمور وتدمير إندونيسيا

بدأت أزمة النمور من تايلاند من خلال تخفيض قيمة «الباهت» التايلاندي، وسرعان ما امتدت الأزمة إلى باقي دول النمور الآسيوية الأخرى، وكان الهدف الرئيس لتلك الأزمة تدمير الاقتصاد الإندونيسي - أكبر اقتصادات جنوب شرقي آسيا - ونهب أموالها وتمزيق وحدة أراضيها عبر عملية كبرى شاركت فيها العديد من الأطراف، وهو ما أكدته دورية «إكزيكيوتيف إنتلجنس ريفيو» (Executive Intelligence Review - EIR) في عددها الصادر في 23/11/2001؛ حيث جاء فيها: إن إندونيسيا قد دفعت بالفعل كامل دينها خلال السنوات الماضية.

وأورد كاتب المقال مايكل بيلينجتون أنه منذ هجوم المضاربات على عملات دول جنوب شرق آسيا عام 1997، قام التحالف المكون من المضاربين في صناديق التغطية وصندوق النقد الدولي بعملية احتيال بارعة أدت إلى انتزاع 188 مليار دولار من الاقتصاد الإندونيسي على هيئة خدمة الدين، مقابل تخفيض دينها الذي بلغ 54 مليار دولار فقط، أما الفارق بين هذين الرقمين- وهو 134 مليار دولار- فقد (تصادف) أنه يعادل تقريبًا الدين الخارجي القائم للحكومة الإندونيسية والقطاع الخاص مجتمعين.

وأضافت الدورية تقول: إن إحدى نتائج انهيار العملات الآسيوية تتمثل في أن الحكومات والبنوك الخاصة والصناعات قد واجهت زيادة مفاجئة في التزاماتهم المحسوبة بالدولار حين يتم تقييمها بعملاتها المحلية وبالكلفة الحقيقية للاقتصاد الإندونيسي؛ فإن إندونيسيا قد دفعت من الروبيات ما يعادل 188.7 مليار دولار، ولكن بسبب خفض قيمة العملة التي فرضها عليها الدائنون أنفسهم، فإن ما سجل لحسابها بلغ فقط 54.2 مليار دولار فقط، ولو لم تكن هناك مضاربة من الخارج لكان الفارق بين الرقمين كافيًا لسداد كامل الدين الإندونيسي، بما فيه أصل الدين وفوائده، ولم يكن بإمكان عَرابي المافيا أن يحيكوا عملية احتيال ونصب أكثر وأكبر من هذه العملية، ولا أن يتسببوا بضرر أكبر من ذلك.

روسيا الاتحادية.. الهدف الأسهل

كانت نتائج برنامج الإصلاحات الاقتصادية التي أشرف عليها صندوق النقد الدولي منذ مطلع التسعينيات وحتى عام 1998 قد هيأت الأجواء للانهيار المطلوب لإتمام عملية نهب ما تبقى من الاقتصاد الروسي. واستنادًا إلى مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، فقد ظل معدل نمو الناتج القومي سالبًا خلال فترة الإصلاحات الاقتصادية، وسجل على سبيل المثال في عام 1998 سالب 4.9%.

فيما تراجع الاحتياطي النقدي إلى أدنى مستوى له وتجاوزت الديون الخارجية لروسيا مبلغ 165 مليار دولار، فيما وصلت قيمة خدماتها نحو 35% من الموارد المالية للدولة، وبلغت الخسارة القومية 1.2 إلى 1.5 تريليون دولار، وانخفض الناتج القومي العام بنسبة 83%، كما انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 81% والإنتاج الزراعي بنسبة 63%، وخلفت عمليات الخصخصة 13 مليون روسي عاطل عن العمل، فيما ارتفعت الأسعار الاستهلاكية بنسبة 350% مع انخفاض القوة الشرائية للأجور بنسبة 78%.

وفي 13 آب (أغسطس) عام 1998 جاءت لحظة الحقيقة وأعلنت الحكومة عجزها عن دفع الديون الداخلية والخارجية وفوائدها.

وأمام رفض صندوق النقد الدولي إقراض حكومة (سيرجي كيريينكو) مبلغ 15 مليار دولار لمواجهة الاستحقاقات المالية المطلوبة، وافقت الحكومة الروسية في 17 أغسطس على شروط صندوق النقد الدولي الأربعة للإنقاذ، وكان في مقدمتها تعويم قيمة (الروبل) وتوسيع إطاره الذي حدده له البنك سابقًا بستة روبلات وعشرين كوبيك كحد أعلى في مواجهة الدولار، على أن تحاول الحكومة السيطرة على سعره حتى نهاية العام في حدود تسع روبلات ونصف بزيادة تبلغ نسبتها الفعلية 50%.

وفور قرار التعويم انهار سعر الروبل وانخفضت قيمته بنسبة 40% مباشرة، مما أدى إلى خسارة الروس لنصف دخلهم مباشرة، وتراجع رصيد البلاد من العملات الأجنبية إلى 13 مليار دولار، كما وجه قرار تعويم الروبل ضربة ساحقة للفئات المحدودة، ولم يتوقف انهيار الروبل عند حد معين؛ فقد تواصل بعد ذلك حتى بلغ معدل الانخفاض بعد ستة أشهر نحو 300% مقابل الدولار ليساوي 24.8 روبلًا.

وتقول مصادر روسية مطلعة إن خسائر روسيا الناتجة عما يسمى بسياسة التصحيح الاقتصادي بلغت 600 مليار دولار، في الوقت الذي لم تتلق فيه روسيا من صندوق النقد والمؤسسات الدولية المانحة الأخرى سوى 2.2 مليار دولار حتى نهاية عام 1997.

وكان من المفترض أن يرتفع هذا المبلغ إلى 98.5 مليار دولار وهو يشكل 25% فقط من الأموال الروسية التي تم تهريبها إلى الخارج، لكن روسيا لم تتلق من القرض الأخير البالغ 22.3 مليار دولار سوى القسط الأول البالغ 3.4 مليار دولار.

البرازيل.. (كعكة) أمريكا اللاتينية الكبرى

تُصنف البرازيل ضمن قائمة أكبر عشر اقتصادات في العالم، كما تحتل المركز العاشر كأكبر قوة صناعية، والمركز الثاني عشر في صناعة السيارات (تنتج 1.7 مليون سيارة سنويًا)، والمركز الرابع في صناعة الطائرات متوسطة الحجم. والبرازيل من الدول الرئيسة في صناعة المعلومات؛ حيث يوجد فيها نحو 700 شركة في صناعة الحاسوب و2500 شركة في صناعة البرمجيات؛ حيث تم إنفاق نحو 50 مليار دولار على هذا القطاع.

وتمتلك البرازيل ثروات طبيعية ضخمة قوامها المعادن والنفط والغاز، وتنتج البرازيل حاليًا نحو 560 مليون برميل من النفط سنويًا، فيما أُعلن مؤخرًا عن اكتشاف احتياطي ضخم من النفط يقدر بنحو 100 مليون برميل، وهو أكبر اكتشاف نفطي منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

كما تزخر البرازيل بثروات معدنية ومحاصيل زراعية مختلفة، إلى جانب امتلاكها لغابات الأمازون أضخم وأهم غابات في العالم، وقد تضاعف الناتج الإجمالي البرازيلي على مدى أقل من خمس سنوات ليصل عام 1997 إلى نحو 800 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن البرازيل تعتبر أكبر وأغنى دول أمريكا الجنوبية؛ حيث تبلغ مساحتها 8.5 مليون كيلومتر مربع وعدد سكانها 170 مليون نسمة، إلا أن حوالي 50 مليونًا يعيشون تحت الحد الأدنى للفقر المعترف به دوليًا، و22 مليونًا منهم يعيشون بدخل يومي يقل عن الدولار الواحد، فيما يمتلك 1% فقط من عدد السكان ما يقدر بحوالي 95% من الثروة الوطنية. معظم هؤلاء الملاك أجانب لهم حق الإقامة بحكم امتلاكهم لتلك الأراضي.

ومع وصول ديون البرازيل إلى 148 مليار دولار وعجز الحكومة عن خدمة ديونها، طلبت قروضًا عاجلة من صندوق النقد الدولي الذي سرعان ما استجاب لها بشروطه المعروفة والتي في مقدمتها تخفيض قيمة الريال. ومع انهيار قيمة الريال في كانون الثاني (يناير) 1999 وفقده لنحو 60% من قيمته إزاء الدولار في وقت زادت أسعاره بالداخل بنسبة 25%، بدأت مباشرة عملية خروج أموال ضخمة إلى خارج البلاد لغايات مختلفة منها الاستثمار، وبلغ معدل خروج الأموال أعلى مستوى له في كانون الثاني (يناير) عام 1999 وبلغ 6.7 مليارات دولار.

وأظهر مسح أجراه البنك المركزي البرازيلي في ذلك الوقت أن الشركات البرازيلية والأفراد استثمروا 43.6 مليار دولار في مشروعات خارج البلاد، وكان السلطات البرازيلية طلبت من الشركات والأفراد الكشف عن حجم استثماراتهم في نهاية عام 2001 إذا كانوا يملكون أصولًا تزيد قيمتها على 200 ألف ريال (أي ما يعادل 70920 دولارًا) خارج البرازيل وحصصًا تزيد على 10% من الأسهم التي لها حق التصويت أو 20% من إجمالي رأسمال شركات أجنبية، وقال البنك المركزي: إن إجمالي استثمارات البرازيل المباشرة خارج البلاد بلغ 50.75 مليار دولار.

وأشار البنك إلى أن هذا الإجمالي سيصل إلى 69.66 مليار دولار إذا أضيفت إليه القروض النقدية والاستثمارات في الأسهم ومشتقات الأدوات المالية وعمليات الإيجار المالي والتمويل والودائع في الخارج.

وهكذا تحولت البرازيل من بلد غني بموارده إلى بلد فقير جائع، فيما ارتفعت مديونيتها الخارجية إلى 260 مليار دولار؛ منها 43 مليارًا استدانتها خلال الأعوام الخمسة الأخيرة فقط لتحافظ على قيمة عملتها (الريال) بعد تدهوره أمام الدولار إلى أقل من النصف، لتحتل بذلك لقب الدولة الأكثر مديونية في العالم.

وتحت صيغة إعادة الهيكلة، عقدت الصفقات المشبوهة وقدمت القروض، وكانت الصفقة أشبه ببيع ممتلكات المدين، فزاد عبء خدمة الدين البرازيلي كثيرًا نتيجة لها. وكانت عملية خلع رئيس قد صرفت أنظار الرأي العام عن القضايا الاجتماعية الحقيقية، فأُفقرت الغالبية العظمى من السكان وانتشرت البطالة وتدهورت الأجور، وانهارت البرامج الاجتماعية، وانتعشت النخب الاقتصادية المتحالفة مع الدائنين الدوليين الذين دعمهم صندوق النقد الدولي، وأُضعفت الدولة المركزية ونُهبت الموارد البيئية والطبيعية، وعُزز اقتصاد التصدير القائم على العمل الرخيص، واستولى رأس المال الأجنبي من خلال عمليات الخصخصة على أكثر منشآت الدولة ربحًا.

الأرجنتين ليست آخر السلسلة

كان الاقتصاد الأرجنتيني حتى وقت قريب يحتل المركز الثالث في اقتصادات أمريكا اللاتينية، وبناتج محلي يقدر بنحو 275 مليار دولار بالسعر الجاري، وهذا يعني أن نصيب الفرد من هذا الناتج يبلغ (بالسعر الجاري) 7700 دولار، وأن نسبة الدين الخارجي فيها لا تتجاوز 48% من هذا الناتج (البعض يرد الدين إلى 172 مليار دولار وليس إلى 132 مليارًا مما يرفع النسبة إلى 62%). غير أن انعدام العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الدخل بين فئات المجتمع جعلا 15 مليونًا من أصل 35 مليون نسمة في مرتبة دون خط الفقر، مما يشير إلى تمركز الثروات لدى فئة قليلة من الناس.

ومع دخول الأرجنتين في دوامة صندوق النقد الدولي دخل الاقتصاد في دائرة الكساد، فيما أخذت ديونه الخارجية بالارتفاع حتى وصلت إلى 147 مليار دولار مع نهاية عام 2000، بما فيها ديون المقاطعات (21 مليار دولار) والقطاع الخاص (47 مليار دولار)، وأمام حاجة الحكومة لقرض جديد من صندوق النقد الدولي اضطرت لتخفيض قيمة عملتها «البيزو» بنسبة 30% تقريبًا عن قيمة الدولار الأمريكي بعد عشر سنوات من المساواة بين العملتين وكانت سببًا في خنق اقتصادها، وأدى هذا التخفيض إلى إلحاق خسائر فادحة باقتصادها تقدر بمليارات الدولارات، كما تمت عمليات تهريب واسعة النطاق لرؤوس الأموال الوطنية قدرت في الإجمال بـ 120 مليار دولار (منها 24 مليار دولار ما بين مارس وديسمبر عام 2001) أي ما يقارب مجموع الدين العام.

تركيا وذريعة خفض التضخم

بدأت الأزمة الاقتصادية في تركيا عام 1999 مع بدء تدخل صندوق النقد الدولي في الاقتصاد التركي تحت ذريعة مكافحة التضخم، ليسجل في نهاية عام 2001 أسوأ أداء له منذ نصف قرن، فيما بلغ إجمالي الدين العام 180 مليار دولار، وهو العام الذي شهد قرار تعويم الليرة التركية الذي جاء بضغوط خارجية وكنتيجة حتمية لبرنامج صندوق النقد الدولي الذي أثمرت ضغوطها؛ فقررت الحكومة التركية في 22 فبراير 2001 تعويم سعر الليرة من أجل إنهاء الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد والتخلي عن نظام سعر الصرف المتدرج لليرة التركية المعتمد منذ عام 1999، والذي هو محور برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وبعد قرار التعويم فقدت الليرة التركية أكثر من 30% من قيمتها مقابل الدولار، وأدت الأزمة إلى وقف برنامج الإصلاح لخفض التضخم بقيمة 11.5 مليار دولار.

وهكذا حول انهيار العملة التركية الأتراك بين ليلة وضحاها إلى فقراء وتبددت مدخراتهم بنسبة 45%، وتضاعفت أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات. وتؤكد البيانات الرسمية والدولية أن خسائر تركيا جراء الأزمة التي ضربت اقتصادها تجاوزت 27 مليار دولار، وهذا المبلغ يزيد بمقدار نصف مليار دولار عن مجمل القروض التي وافق صندوق النقد والبنك الدوليان على تقديمها لتركيا خلال العام 2001 والبالغة نحو 15.7 مليار دولار.

وأخيرًا.. جاء دور الجنيه المصري

كانت مصر آخر الدول التي دخلت ضمن دائرة النهب الدولي بعد أن أثقلتها ديون صندوق النقد وبرامجه المشؤومة، فيما أدت عمليات تهريب الأموال إلى الخارج إلى زيادة الأعباء الاقتصادية لتعبر عن نفسها بمجموعة من الأزمات المتلاحقة؛ منها أزمة نقص السيولة والعجز عن خدمة الديون الخارجية، الأمر الذي أجبر الحكومة على تعويم قيمة عملتها (الجنيه) وذلك في 29 يناير الماضي.

وكانت النتيجة المباشرة لهذا القرار تخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة 17%؛ حيث تراجع سعره من 464 قرشًا للدولار إلى 550 قرشًا، ثم واصل التراجع حتى اقترب سعر الدولار في السوق السوداء من سبعة جنيهات.

وتقول مصادر مصرية إن قيمة الجنيه انخفضت بنسبة 60% خلال ثلاث سنوات هي عمر حكومة الدكتور عاطف عبيد؛ حيث كانت قيمته تساوي 375 قرشًا في عام 1999، ومع مرور الوقت تواصل قيمته الهبوط، فيما التأثيرات السلبية تتوسع للدولار باستمرار.

كلمة أخيرة: إن العملات - كما يقول الدكتور محاضير محمد رئيس وزراء ماليزيا - لا تملك قرون استشعار أو أدوات تمكنها من الرصد والتفاعل مع الأداء الاقتصادي والمالي في أي دولة من الدول المعنية، غير أن تجار العملات وسماسرة صندوق النقد الدولي هم الذين وقفوا وراء الأزمات الاقتصادية التي تعرض لها العديد من الدول النامية منذ مطلع الثمانينيات وحتى الآن، بعد أن أوقعوها في مديونية هائلة بهدف نهب اقتصادات وثروات هذه الدول، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بما يؤمن لهم استمرار عملية السيطرة والابتزاز.

الرابط المختصر :