العنوان الأقصى.. بين ضعفنا وتحدّيهم
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1986
مشاهدات 81
نشر في العدد 751
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 21-يناير-1986
• الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة ليست جديدة ولن تكون الأخيرة
• أحلام اليهود ومخططاتهم لهدم الأقصى وتحويله إلى هيكل ظهرت منذ احتلالهم للقدس عام ١٩٦٧.
تواترت الأنباء في الآونة الأخيرة عن اقتحام اليهود للمسجد الأقصى وقبة الصخرة وتصدي أهلنا العزل في الأرض المحتلة لهؤلاء اليهود والاشتباك معهم وصدهم.
ولم تكن هذه الهجمات هي الأولى التي يقوم بها اليهود منذ احتلال القدس عام ١٩٦٧، كما لم يكن التصدي لها هو الأول من نوعه من قبل جماهيرنا المسلمة في فلسطين.
ولكن الملفت للنظر هذه المرة أن هذه الهجمات لم يقم بها أفراد «معتوهون» كما كان يقال ولا منظمات متطرفة كما كان الزعم وإنما هم أعضاء في الكنيست وأعضاء في الحكومة الإسرائيلية.
صحيح أننا لا نرى كبير فرق بين يهود في السلطة ويهود خارج السلطة فجميعهم في الحقد علينا وعلى ديننا ومقدساتنا سواء، ولكن أن يتقدم عشرة من أعضاء الكنيست مجموعة من الصهاينة تضم ٣٥ يهوديًّا ليدنسوا المسجد الأقصى وهم ينشدون أناشيد الحقد التي يمتلئ بها تلمودهم وتزخر بها بروتوكولاتهم المسماة «بروتوكولات حكماء صهيون»، وفي مسرى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين جهارًا نهارًا وعلى مسمع المصلين المسلمين وأمام أبصارهم فهذا شيء جديد
وأن يتقدم في اليوم التالي وزير الحرب السابق ووزير التجارة الحالي «بطل» مذبحة صبرا وشاتيلا أرييل شارون ليكرر المشهد وهو الذي طالما نادى بالخلاص من المسلمين العرب سواء بالطرد أو الإبادة لتكون فلسطين خالصة لليهود، فهذا يعني أن مخطط هدم المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى بهيكل سليمان مكانه قارب على التنفيذ.
وقد يتصور بعض البسطاء أو الضعفاء أو المغرمين بالنظريات الخيالية أن في «إسرائيل» صقورًا وحمائم، ولكن الحقيقة التي تعلمناها من رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- عن رب العالمين في كتابه المبين هي ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱليَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشرَكُواْ ﴾ (المائدة:۸۲) ولم يقل رب العزة «بعض اليهود» فكلهم في الكيد للمسلمين سواء.
يقول وزير خارجية العدو إسحق شامير المعدود من الصقور: «إن على الجميع عدم المضي في التوهم بأن علمًا آخر غير العلم الإسرائيلي قد يرفع فوق الحرم القدسي الشريف»!! ثم يستطرد شامير قائلًا: «أنه لا ضرورة بالنسبة للإسرائيليين للقيام بمظاهرات من أجل إثبات حقيقة كون القدس والحرم القدسي جزءًا لا يتجزأ من «إسرائيل»!!»
فهل يرى المتفيقهون فرقًا بين هذا القول لشامير بمناسبة العدوان الأخير على المسجد الأقصى وبين قول رئيس وزراء العدو شيمون بيريز المعدود من الحمائم «بأن سيادة دولة «إسرائيل» على كل أجزاء القدس ومن بينها الحرم واقع قائم لا رجعة فيه»، هل يرى المتفيقهون فرقًا بين قول شامير «المتطرف» وقول بيريز «المعتدل» حول موضوع واحد هو العدوان على الأماكن المقدسة في القدس وفي وقت واحد تقريبًا؟
ولنقرأ ما قاله مردخاي غور وزير الصحة الحالي وأحد القادة العسكريين سابقًا «إن هناك ضرورة لضمان حق كل يهودي في الدخول إلى ساحة حرم المسجد الأقصى» إنها نغمات مختلفة ضمن معزوفة واحدة.
وحتى تتضح الصورة ويتضح الهدف من وراء هذه الاعتداءات يقول جرشون سلومون رئيس أمناء هيئة «جبل البيت» وهو الاسم الذي يطلقه اليهود على المسجد الأقصى، يقول سلومون: «على المسلمين إعادة منطقة «جبل البيت» إلى أيدي «إسرائيل» لإقامة مركز يهودي فيها» وعبارة «مركز يهودي» عبارة مخففة فالهدف هو هدم المسجد الأقصى وبناء «الهيكل» مكانه.
إن هذه الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة ليست جديدة ولن تكون الأخيرة، إنها حلقة في مسلسل التآمر على المقدسات الإسلامية في فلسطين، والهدف من هذه الاعتداءات في هذه المرحلة هو «جس النبض» واستكشاف ردود الفعل المحتملة عربيًّا وإسلاميًّا على المستويين الشعبي والرسمي لتحديد معالم الخطوات التالية على طريق الهدم والتهويد.
• حكام المسلمين عربًا وغير عرب صامتون!!
• قادة منظمة التحرير الذين اجتمعوا في بغداد ناشدوا الدول العربية التي أوقفت دعمها المالي للمنظمة أن يعيدوا هذا الدعم ليتمكن الأهل في الأرض المحتلة من المقاومة والصمود.
• الشيخ عبد الحميد السايح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني «دعا إلى مؤتمر قمة إسلامي طارئ للنظر في تكرار العدوان الصهيوني على المسجد الأقصى واتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع مثل هذه الأعمال مستقبلًا»، ووجه الشيخ السايح برقية بهذا الخصوص للملك الحسن الثاني باعتباره «رئيس لجنة إنقاذ القدس» وقال إن منظمة التحرير والأردن ينسقان لإثارة الاعتداء على الأقصى في مجلس الأمن الدولي!!
هذا على المستوى الرسمي العربي أو شبه الرسمي، أما على المستوى الشعبي فخارج الأرض المحتلة لا نرى لرد الفعل أثرًا يذكر- ناهيك عن الفعل- اللهم إلا بعض تأوهات وزفرات وعبارات مكتومة يخرج بعضها الغضب الجامع في الصدور على شكل حولقة أو استرجاع أو ما شابه ذلك من عبارات الرفض السلبي لما يجري على ساحة المسجد الأقصى المبارك.
وأما على المستوى الشعبي داخل الأرض المحتلة فالحق يقال إن الناس- أقصد المسلمين- هناك لم يتركوا اليهود يعيثون فسادًا وتدنيسًا داخل الحرم القدسي وإنما تصدوا لهم بما يملكون من سلاح وحيد وهو سلاح الإيمان بدءًا بالحراس العاديين ومرورًا بالمصلين الذين يؤمون المسجد للصلاة وانتهاء بالمارة وأهل المدينة المقدسة والمدن والقرى والمخيمات المجاورة وحتى البعيدة.
لقد تنادى الناس وعلى رأسهم الشباب المسلم وتصدوا بأجسادهم لليهود المعتدين المحميين بقوات الجيش والشرطة واشتبكوا معهم بالأيدي والعصي وقضبان الحديد وما وقعت أيديهم عليه من أدوات المقاومة وركزوا ضرباتهم على أعضاء الكنيست فأصيب أحدهم إصابات خطيرة أما غيتولا كوهين عضوة الكنيست الحاقدة التي قادت الهجوم على المسجد فقد تعرضت لعدة لكمات من المدافعين المسلمين.
وكان مؤذن المسجد قد نادى «حي على الجهاد» فهتفت الجماهير «نفدي المسجد الأقصى بأرواحنا» فاشتبكت مجموعة منهم مع المهاجمين والتفت مجموعات أخرى حول المسجد من الخارج واشتبكت مع الجنود الصهاينة وتحدت جماهير المسلمين حصارًا فرضته قوات العدو على مدينتي الخليل والقدس وانتفضت الجماهير في مخيم الأمعري القريب من رام الله، وهاجم سكان القدس دوريات وجنود العدو وما يسمى بحرس الحدود بالحجارة والزجاجات الحارقة وأصيب العديد من الشبان والفتيات واعتقل المئات من الشباب المسلم.
إن أحلام اليهود ومخططاتهم لهدم المسجد الأقصى وتحويله إلى هيكل ظهرت منذ احتلالهم للقدس عام ١٩٦٧ حيث عقد مؤتمر لحاخامات اليهود في القدس تحدث فيه أورهارتك وزير الأديان الصهيوني حينئذ فقال: «إن جبل البيت هو لنا يحكم الشراء وبحكم احتلال الجيش.. بحكم الشراء لأن أبانا إبراهيم اشتراه «كذا !!» وبحكم الاحتلال لأن الجيش الإسرائيلي يحتل أورشليم الآن.. ثم قال: لا بد أن نعيد بناء الهيكل على جبل البيت».
• ولقد جرت محاولات سابقة لحرق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩.
• وجرى اقتحام المسجد الأقصى وقتل المصلين فيه عام ١٩٨٢.
• وجرت محاولات لنسفه عام ١٩٨٤ .
ولكن الله نجى مسجده من كيد الكائدين ﴿وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيرُ ٱلمَٰكِرِينَ﴾ (الأنفال:٣٠) ولقد أمعنوا في الحفر أسفل المسجد الأقصى بزعم التنقيب عن آثار الهيكل ولم يعثروا على شيء لا جنوبي الأقصى ولا غربيه، وقد تضاربت آراء علماء الآثار وحاخاماتهم حول مكان الهيكل فالبعض يزعم أن الأقصى المبارك هو الموقع الصحيح بسبب وجود الأحجار الضخمة في السور الجنوبي والغربي، والبعض الآخر يزعم أن مبنى الصخرة المشرفة هو الموقع الصحيح وأن صخرة المعراج كانت حجر الأساس للهيكل الأول، وهناك رأي ثالث تبناه «كوفمان» يقول أن موقع الهيكل شمال غربي الصخرة المشرفة، أما الرأي الرابع فيقول أن الهيكل في موقع خارج الحرم الشريف .
ويطلق اليهود على حائط البراق نسبة إلى البراق التي استعملها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، يطلق اليهود على هذا الحائط اسم «حائط المبكى» زاعمين أنه من بقايا الهيكل متجاهلين أن الهيكل الأول الذي بناه سليمان عليه السلام عام «١٠٠٥ ق. م» قد هدمه نبوخذ نصر في عهد الكلدانيين عام «۵۸۷ ق. م» ومتجاهلين أيضًا أن الهيكل الثاني الذي بناه هيرودس عام «۱۸ ق. م» قد هدمه تيطس الروماني عام «۷۰ م» وأزال آثاره بالكامل هدريان عام «١٣٥م».
ونحن لسنا بصدد تفنيد مزاعم اليهود في حقهم في مكان هيكل سليمان عليه السلام فنحن أحق به منهم ومن حيث أن الصراع بيننا وبينهم صراع عقيدة فالإسلام يجب ما قبله، وإذا كان أتباع سليمان عليه السلام في ذلك الوقت هم المسلمون فإن أتباع محمد- عليه الصلاة والسلام- ومنذ اصطفاه الله نبيًّا ورسولًا وحتى تقوم الساعة هم المسلمون، ومن أنكر نبوته وحاد عن منهجه فهو الكافر الذي يجب قتاله وتطهير الأرض الإسلامية من دنسه ورجسه.
ومصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَن تَرضَىٰ عَنكَ ٱليَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ (البقرة:120)، فقد ظهرت مؤخرًا دراسة أعدها العالمان الأمريكيان «مایکل لیدن» و«بربارا نیدل» ونشرتها مجلة «نيوريبابيك» الأسبوعية تقول الدراسة: أن مسيحيين متعصبين يرغبون في التسجيل في «عودة المسيح إلى الأرض» يقفون وراء الهيئات اليهودية المختلفة التي تريد أن تطرد المسلمين من الحرم القدسي الشريف وتريد العمل على هدم المسجد الأقصى المبارك من أجل بناء ما يسمى بالهيكل اليهودي الثالث في مكانه، والجماعة التي تقف وراء هذا الدعم هي الطائفة الإنجيلية الأمريكية والتي يصل عدد أعضائها حوالي 45 مليون عضو، واعتاد ممثلوهم أن يقابلوا رئيس وزراء العدو السابق مناحيم بيغن لهذا الغرض، ولهم هيئة تسمى «صندوق الهيكل في القدس» تأسست في لوس أنجلوس ويرأسها غاري أيزنهاور ورئيس الصندوق يسمى داعلاس كريفر من تكساس والدكتور همتون ساتون والخوري دنوتش من هيوستون والخوري تشاك سميث في كاليفورنيا، وينسق هؤلاء عملهم مع موردخاي الياهو الحاخام الأكبر في «إسرائيل» والحاخام روف ليثور من مستوطنة كربات أربع، وعلى حين يعتقد هؤلاء المسيحيون أن بناء الهيكل الثالث سيؤدي إلى ظهور المسيخ للمرة الأخرى فإن اليهود يعتقدون بأن بناء الهيكل سيؤدي إلى ظهور المسيح للمرة الأولى !!
فما هو رأي المسلمين في هذه المعتقدات وهذه المخططات؟ وماذا هم فاعلون لتثبيت الحق الإسلامي في فلسطين ودحض الباطل اليهودي والمسيحي معًا؟
إن اسم القدس ارتبط في لسان العرب بالطهر والتنزيه عن العيوب والنقائص واليهود يدنسونها اليوم، والقدس جزء لا يتجزأ من عقيدة هذه الأمة ﴿سُبحَٰنَ ٱلَّذِي أَسرَىٰ بِعَبدِهِۦ لَيلا مِّنَ ٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ إِلَى ٱلمَسجِدِ ٱلأَقصَا ٱلَّذِي بَٰرَكنَا حَولَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِن ءَايَٰتِنَا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ﴾(الإسراء:١).
يقول- صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم إلا ما أصابهم من لأوته حتى يأتيهم الله وهم كذلك.. قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال: بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس»، ثم يستطرد- عليه الصلاة والسلام- في حديثه الطويل قائلًا: يا معاذ إنه سيفتح عليكم الشام من بعدي، من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم وهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن احتل ساحلًا من سواحل الشام وبيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة».. إلى أن يقول- صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالشام فإنها صفوة الله تعالى في أرضه يسوق إليها صفوته من خلقه..»
وهذا يعني أن بلاد الشام ومنها القدس هي أرض الرباط الأول «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» «الصلاة في المسجد الأقصى تعادل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد، ما عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي».
فتحها أبو عبيدة بن الجراح، وتسلم عمر مفاتيحها من صفرونيوس عام ٦٣٦م وأعطاهم وثيقة الأمان «العهدة العمرية» وبنى مسجدًا في مكان صخرة المعراج، ثم حررها صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين عام ١١٨٧م وبني في الأقصى منبره الذي أحرقه اليهود عام ١٩٦٩، ويوم احتل اليهود القدس عام ١٩٦٧ قال موشي ديان وهو على أبواب المسجد الأقصى: «هذا يوم بیوم خيبر»، وقال حاخامات اليهود «دين محمد ولي وراح».
هذه هي القدس أيها المسلمون، وهذا هو المسجد الأقصى الذي يدنسه اليهود اليوم ويسعون لهدمه وإقامة هيكلهم مكانه، وهؤلاء هم أهلنا في أرضنا المحتلة يقارعون اليهود ويقارعون مخططاتهم الإجرامية بما ملكت أيديهم المتوضئة وأنتم أيها المسلمون.. ماذا أنتم فاعلون؟!!