; الأطماع الإسرائيلية في دول أسيا الوسطى المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان الأطماع الإسرائيلية في دول أسيا الوسطى المسلمة

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 1027

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

يطلق الاستراتيجيون على القرن الواحد والعشرين قرن الاقتصاد، وأن كل العوامل الأخرى المحركة للنشاط الإنساني فوق هذا الكوكب ينبغي أن توظف لإشباع نهم الغول الاقتصادي القادم، سواءً كانت تلك العوامل دينية أم عرقية أم طائفية، ويؤكدون أن من يملك مفتاح اللعبة الاقتصادية بشكل أمثل هو ذلك الذي يتفهم حقائق العالم الجديد، وإسرائيل لاعب مؤهل للاستفادة من الأوضاع في دول آسيا الوسطى المسلمة لإدراكها التام لركائز النظام العالمي الجديد، مدفوعة إلى تلك المناطق بنظرات استراتيجية مفادها أن تلك الدول بما تملكه من إمكانيات اقتصادية وبشرية هائلة يمكن أن توفر بُعدًا استراتيجيًا وأمنيًا لمنطقة الشرق الأوسط له خطره في الاختيارات السياسية على موازين القوى الإقليمية والدولية، وهو عامل إذا ما قدر له أن يبعث من جديد يصبح من الصعب على القوى العالمية ترويضه وإدخاله في تركيبة النظام الجديد، لذا ارتأت إسرائيل أن تدخل إلى تلك المناطق الإسلامية من باب الاقتصاد.. مدخلها إلى ذلك عدة محاور لها أثرها في توجيه القرارات السياسية في جمهوريات أسيا الوسطى أولها.

المحور الروسي-الإسرائيلي

مازالت موسكو تمثل مركز التوجيه الاقتصادي والعسكري والسياسي والثقافي لباقي الجمهوريات، ويمسك بخيوط مراكز التوجيه هذه يهود يشغلون مناصب رسمية حساسة في المجالات العسكرية والسياسية، بل إن مستشاري الرئيس الروسي بوريس يلتسين من اليهود، وكان لهؤلاء أثرهم في إبرام اتفاقية للتعاون النووي بين روسيا وإسرائيل في الأشهر المنصرمة من هذا العام، حصلت إسرائيل من وراء هذه الاتفاقية على مفاعلات نووية، كما استطاعت التعاقد مع علماء ذرة لهم خبرتهم في تشغيل هذه المفاعلات، ويلاحظ أن وراء هذا التعاون حرصًا روسيًّا على إبقاء إسرائيل القوة النووية الوحيدة وسط العالم الإسلامي من خلال هذا الدعم النووي، ومن خلال وقوف روسيا ضد المبادرات العربية والدولية الهادفة لنزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، يبقى بعد ذلك التعاون (الروسي-الإسرائيلي) المشترك في السيطرة على الأسلحة النووية الموجودة في بعض الجمهوريات الإسلامية فحوالي 6.5% من الأسلحة النووية للاتحاد السوفيتي سابقًا موجودة في كازاخستان وفيها 12.5% من إجمالي الصواريخ عابرة القارات ذات الرؤوس النووية، وهناك حوالي 2500 صاروخ تكتيكي نووي موزعة على الجمهوريات الإسلامية الست، وإزاء هذه الترسانة التي يمكن أن تقع في يد المسلمين احتفظت روسيا بالسيطرة عليها عن طريق القيادة العسكرية الموحدة في موسكو واتخذت الإجراءات الكفيلة التي تكفل هذه السيطرة، ولكن الأمر الذي تخشى إسرائيل حدوثه في الجمهوريات الإسلامية هو تسرب المواد والتكنولوجيا النووية إلى بلدان الشرق الأوسط وتسرب علماء الذرة من هذه المناطق تحت الضائقة الاقتصادية والبطالة إلى دول العالم الإسلامي الغنية، ولم تشأ أن تترك الأمر للمراقبة الروسية بل وإجهاض أي محاولة للاختراق في هذا المجال من قبل الدول الإسلامية.

المحور التركي-الإسرائيلي

بين تركيا وإسرائيل روابط قوية، ويتنافس كلا الطرفان في تقوية تلك الصلات التي يدفعها:

1.  خوف كل من إسرائيل وتركيا من تزايد الصحوة الإسلامية التي بدأت بالفعل تظهر تباشيرها من خلال نمو الأحزاب الإسلامية القوية كحزب النهضة وغيره.

2.  العمل المشترك بينهما لتقوية التيار العلماني في الجمهوريات الإسلامية خاصة وأن الأنظمة الرسمية هناك مازالت تبحث لها عن شكل سياسي مقبول عالميًا، وهي قوى خارجة لتوها من معسكرات الإلحاد الشيوعي، فلديها استعداد أيديولوجي لتقبل العلمانية كإطار إلحادي آخر يوفر لها ذلك القبول العالمي.

3.  الخوف من النفوذ الإيراني في الجمهوريات الإسلامية، وأكثر ما يخيف إسرائيل أن تستحوذ إيران على شيء من الأسلحة أو الخبرة النووية، لهذا تحرص إسرائيل أن تدفع بتركيا في مواجهة إيران وإثارة النعرات العرقية والمذهبية لإضعاف النفوذ الإيراني، يلاحظ المراقبون تلك الدعوات التي تصدر أحيانا من أذربيجان وتركيا لتوحيد شطي أذربيجان الشمالي والجنوبي في إيران وهي دعوة تشنها أجهزة إعلام صهيونية يمكن أن تعرض وحدة إيران للخطر وتدخل المناطق الإسلامية في معارك عرقية واسعة.

وبالإضافة إلى الصلات السابقة يمني الغرب تركيا بآمال عراض إذا ما نجحت في إبعاد الأصولية عن تلك الجمهوريات، ودفعها إلى تبني نموذجها العلماني، تلك الآمال العراض تتمثل في إدخال تركيا كعضو في السوق الأوروبية المشتركة وإعطائها دور الأخ الأكبر في رعاية إمبراطورية طوران الكبرى، كما أن ميزة تحييد إيران وإبعادها عن المنطقة تعد أملاً كبيًرا لتركيا، لكن تركيا تؤكد أن استغلال روابط اللغة والعرق والمذهب مع تلك الجمهوريات الجائعة لا يكفي بل لابد من إقامة مشاريع اقتصادية يمولها الغرب وأمريكا وإسرائيل، لذا بدأت الخطوات الأولى لهذا التعاون التركي-الإسرائيلي عندما أنشأت شركة النافي التركية وشركة «ميوكراف» الصهيونية مشاريع استثمارية في قضاء سليمان في أذربيجان وخطط أخرى قائمة لمد خطوط الغاز والنفط هناك.

المحور الأمريكي-الإسرائيلي

وهو المحور الأعم، خاصة بعد أن هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على معظم المؤسسات العالمية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات العالمية الأخرى، وأصبحت الأسرة الدولية وعلى رأسها خصمها السابق روسيا، أصبح الكل يسعى لخطب ود الولايات المتحدة التي ترعى النظام العالمي الجديد وإسرائيل، أدخلت في روع العالم أن بوابة الولايات المتحدة ومساعداتها وقروضها لا يصل إليها أحد إلا عن طريق إسرائيل، ومادامت زعامات الكرملين تتهافت على رضا الولايات المتحدة وإسرائيل فلا حرج على زعامات الجمهوريات الست في أن تحذو حذوها.

بدأ محور التعاون الأمريكي-الإسرائيلي في هذه المناطق بتشكيل لجان ومجالس استشارية لدراسة أوضاع جمهوريات آسيا الوسطى وعلاقاتها الخارجية وطريقة التعامل معها، وأخذ هذا التعاون يبرز في تقديم المساعدات المشتركة وإرسال وفود من كلا البلدين على مستوى عال لدراسة الأوضاع عن كثب، ولوح هذا الوفد لزعماء تلك الجمهوريات بأنهم يمكن أن يوجهوا المؤسسات المالية الدولية لتأمين بلايين الدولارات كما فعلوا مع باقي «دول الأسرة المستقلة» عندما أمنوا لها مبلغ 24 بليون دولار مقابل فتح أبواب تلك الدول وأسواقها للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، والحصول على المواد الخام والمعادن بأسعار زهيدة، وتبني النظام العلماني الديمقراطي والابتعاد عن «الأصولية»، يقول المراقبون: يمكن للولايات المتحدة أن تعمل بمعزل عن إسرائيل في تلك المناطق ودون مشاركتها، فلماذا اشتركت إسرائيل معها للعمل في تلك الجمهوريات الإسلامية؟ يقول الباحث السياسي رغيد الصلح: إن الولايات المتحدة تريد أن تعزز دور إسرائيل في المنطقة وتؤكد لزعمائها أن طريقهم إلى الولايات المتحدة يمر عبر إسرائيل، كما أن شراكة باكستان المسلحة تضر بمصالح أمريكا وإسرائيل والاعتماد على تركيا قد يحول أحلامها في تشكيل «طوران الكبرى» إلى حقيقة يصعب معها السيطرة عليها مستقبلًا. إذًا فلا بديل عن الشريك الإسرائيلي.

رصد التحرك الإسرائيلي في الجمهوريات الإسلامية

والمتتبع للتحرك الصهيوني والذي يعكسه عملها على تلك المحاور يلحظ الآتي:

1.  مسارعة إسرائيل للاعتراف بتلك الجمهوريات وتبادل التمثيل الدبلوماسي وعقد اتفاقيات اقتصادية وثقافية معها، كما أوصت على أن يكون إرسال وفودها من الأفراد الذين يعرفون المناطق جيدا ويجيدون لغتها ومن اليهود الذين سبق لهم الهجرة من هذه الدول إلى إسرائيل.

2.  قيام اليهود بشراء البيوت السكنية في بخارى وسمرقند بمبالغ خيالية مما أثار تساؤلات المسلمين فعقدوا مؤتمرًا في أذربيجان لبحث هذه الظاهرة، بيد أن الأمر لا يحتاج إلى بحث في أسباب الظاهرة فمدينتا بخارى وسمرقند معروفتان بأنهما مركزان هامان للإسلام والمنطقة هناك تشهد صحوة إسلامية، لذا فالمطلوب مواجهة النشاط الإسرائيلي بعد وضوح الأهداف اليهودية هناك ليس إلا.

3.  يحرص الإسرائيليون على تنفيذ مشاريع كبيرة في المناطق الإسلامية التي تنشط فيها الحركة الإسلامية، كالمشروع الزراعي الذي يتم تنفيذه في ولاية فرغانة في أوزبكستان والمشروع الذي تقيمه شركة بيتا شيتا لتطوير نظام الري في إقليم أنديجان في شرق أوزبكستان، وستقيم الشركة مشروعًا آخر في مدينة دوشابنيه في طاجيكستان وبالأخص في هذه الدولة والمشروع في الأصل مركز تجسسي ومراقبة لرصد الثورة الإسلامية التي تتحرك هناك، والبحث حول السبل لإجهاضها بالتعاون مع الحليف الروسي الجديد، وتتفاوض الشركات الإسرائيلية حاليًا على البدء في تنفيذ مشروعات للري والزراعة بالقرب من مدينة كيفا في شمال تركمستان، كما تقوم مؤسسة إسرائيلية أخرى وهي نيتاليم، بنشاطات واسعة في تلك الجمهوريات.

4.  تقدم إسرائيل خبراتها لتلك الدول ووساطاتها داخل القطاع المصرفي العالمي وتوظيف خبراتها في إدارة شؤون القطاع المصرفي الناشئ هناك، عازمة من هذا الطريق على توجيه الحركة الاقتصادية التي تمسك بناصية القرار السياسي في كل بلد، ومن واقع إدراك إسرائيل بأن تلك الجمهوريات تقف عاجزة لضيق ذات اليد فقد بدأت في القيام بدور الوسيط لبيع المواد الخام من تلك الجمهوريات لطرف ثالث يدفع لها المال للقيام بالمشاريع المشتركة.

5.  وبالتعاون مع روسيا تراقب إسرائيل بدقة مصير ترسانات الأسلحة الضخمة خاصة النووية في أوزبكستان، وتتفاوض حاليًا معها من خلال وساطة روسية لشراء صواريخ عابرة للقارات، ومن جهة أخرى تبدى إسرائيل اهتماما خاصًا بالأنشطة الفضائية وهي شريك فعال في مشروع «حرب النجوم» والذي خف الحديث عنه لاعتبارات أمنية، غير أن التحركات المشتركة للطرفين الأمريكي والإسرائيلي في هذا المسعى تجري دون ضجيج إعلامي خاصة في جمهورية كازاخستان والتي تمتلك لوحدها حوالي 2500 صاروخ نووي وبها أكبر قاعدة فضائية، وأضخم منطقة للتجارب النووية، لهذا جاء مستثمرون يهود أمريكيون لهذه المنطقة يعملون لصالح إسرائيل واشتروا مساحات واسعة في تلك القاعدة بحجة إنقاذ برنامج الفضاء السوفيتي من الإفلاس.

6.  تحاول إسرائيل الاستفادة من الخبراء من أهل تلك الجمهوريات ممن يتقنون صناعة الأسلحة بكافة أنواعها والتعاقد معهم بأرخص الأجور.

7.  استثمار الخبرة اليهودية في أذربيجان خاصة في مجال النفط ومع تركمستان في مجال الغاز، وبهذا يمكن أن تؤمن لنفسها مصدرًا هائلاً للطاقة يمكنها من الصمود في وجه أي حصار نفطي عربي محتمل.

8.  تسعى الأجهزة الصهيونية للمشاركة فعليًا في إعداد الكوادر الأمنية خاصة أجهزة الاستخبارات لتلك الدول الناشئة واختيار عناصرها من كوادر الحزب الشيوعي السابق، وهؤلاء يمكن أن يلعبوا دورًا بل أدوارًا لصالح إسرائيل والقوى المعادية لأي تقارب إسلامي بين دول المنطقة.

9.  لم تنس إسرائيل أن تثير الأحقاد من خلال أجهزتها الإعلامية العالمية كالتشهير بموقف العرب في قضية النزاع الأرمني – الأذربيجاني المنحاز لأرمينيا وغالبًا ما حملت تلك الأجهزة الإعلامية تصريحات عن زعماء المسلمين هناك، مما تصفه بالمواقف السلبية للعرب إزاء المذابح التي يرتكبها الأرمن ضد السكان والمسلمين وإثارة النعرات العرقية كدعوة الإيرانيين الأذربيجانيين للوحدة مع أذربيجان ودعوة طاجيكستان للطاجيك وغيرها.

10.   ومن المراكز الثقافية والاقتصادية الإسرائيلية التي بدأت تنتشر في الجمهوريات الإسلامية كنقاط تجسس ورصد للصحوة الإسلامية، تنطلق التقارير والحملات الإعلامية التي تتناقلها وكالات الأنباء متحدثة عن خطر الصحوة الإسلامية وتهديد الأصوليين لحضارة العالم الحديث والمتمثلة حسب تلك الأجهزة في العالمين المسيحي واليهودي، أما العالم الإسلامي فهو المرشح عندهم ليقوم بدور الشيطان البديل، بعد زوال الاتحاد السوفيتي أو إزالته بيد اليهود آتت حملات الكراهية هذه أكلها عالميًا في المجازر التي ترتكب في البوسنة والهرسك لإبادة الإسلام وأهله وإقليميًا وفي الإجراءات القمعية التي تمارس ضد الصحوة الإسلامية في أوطان المسلمين ومواقف العداء والتوجس من الدول التي تحاول تطبيق المنهج الإسلامي، وربما تبدو تلك المواقف العدائية للغرب والصهيونية نذر حرب ضروس تشن على الإسلام والمسلمين تحت دعاوى وجوب الخضوع للنظام العالمي الجديد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

350

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

134

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7