; الأطر العامة والمرتكزات الأساسية في بناء الحضارة (4) | مجلة المجتمع

العنوان الأطر العامة والمرتكزات الأساسية في بناء الحضارة (4)

الكاتب عصام أحمد البشير

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 62

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 66

السبت 22-فبراير-2003

منهج النظر في الوراثة الحضارية

إن منهج النظر الصحيح في قضية استعادة الريادة الحضارية له شقان: 

أولهما: يتمثل في معرفة ذاتنا والعمل على تفعيل خصائصنا الحضارية.. فواقعنا ينطوي على كثير من الثغرات والعثرات التي يجب ألا تُتجاهل أو يُقفز فوقها وإلا كان ذلك إمعانًا في الوهم أو إسرافًا في التمني، لا يتغير بهما حال ولا تقوم بهما نهضة (1).

وثانيهما: يتمثل في معرفتنا بالآخر وبإنجازه الحضاري وإشكالياته وإصاباته كشريك حضاري يمتلك أدوات السبق والغلبة والحضور في كل المواقع (2).

أولًا: تفعيل خصائصنا الحضارية:

إن الخصائص الحضارية للأمة الإسلامية والتي تؤهلها للريادة الحضارية، تظل أطروحات نظرية لا نصيب لها في أرض الواقع إن لم تُفعَّل، فالنص الخالد والهدي النبوي ليسا إلا خطابًا موجهًا للمسلمين، وحال الأمة لا يصلح بالوجود المجرد لهذا الخطاب بل يصلح بقدر ما تستجيب الأمة لهذا الخطاب استلهامًا وفهمًا وعملًا وتطبيقًا، فمشكلة الحضارة الإسلامية ليست في غياب النصوص الهادية والخصائص المبلغة بقدر ما هي في تجسيد هذه النصوص في أمة تحملها وتنفذها، وتنزيل هذه الخصائص في مجتمع يتمثلها ويطبقها.

إن أهم ما يجب أن يركز عليه في تفعيل هذه الخصائص الحضارية يتمثل فيما يلي:

 1- معالجة اختلال سوء الفهم للإسلام بإحياء منهج الوسطية والاعتدال بعيدًا عن طرفي الغلو والتقصير وتنقيته من الشوائب التي كدرت صفاءه ليجمع بين محكمات الشرع ويرعى متغيرات العصر. 

2- إطلاق طاقة التعمير المادي في الفكر الإسلامي: إذ لا يتحقق الإيمان الحق إلا بالنهوض بواجب تعمير الأرض التي استعمرنا الله فيها «أي طلب أن نعمرها»، وقد حقق سلفنا هذا الفهم الإيماني فأنشأوا عمرانًا ماديًا متعدد الجوانب ثري النتائج، وتجلت هذه الطاقة التعميرية عندهم في صفحة الكون المنظور عناية بالوجود المادي، خلافًا لما شاع قبل الإسلام من تحقير للوجود المادي واعتبار الانشغال به منقصة يجب التنزه عنها: إذ جعل الإسلام الوجود المادي دليلًا على وجود الله، ومعينًا على طاعته ومذكرًا بفضله ونعمته ومزرعة لغرس الآخرة.

3- تجليات الأنفس والآفاق: وذلك بالتدبر والتفكر في آيات الله والسعي لاكتشاف قوانين المادة وتركيبها ونحو ذلك وصولًا إلى منفعتين أولاهما ترسيخ العلم الغيبي «وجود الله»، وثانيهما تحقيق العلم المادي.

4 - التسخير الكوني: فالعلم بالقوانين الكونية المادية فضلًا عن أنه يوصل إلى الله فهو وسيلة للاستنفاع والإفادة من الكون واستثمار ذلك في تنمية الحياة وترقيتها مأكلًا وملبسًا ومسكنًا وزينة، بما يعود على الإنسان بالسعادة وفق الضوابط الشرعية التي تحول بين أن يصبح الاستنفاع المادي هو الغاية في الحياة، وترتفع به أن يكون منقصًا للسمو الروحي، وتنأى به أن يكون معول هدم.

5- تقييم الجهد البدني: فالعقيدة الإسلامية تثمن عمل القلب وكسب الجارحة وترتب الأجر على الإخلاص والصواب في كليهما، بل وتجعل عمل الجوارح من شعب الإيمان، إذ إن الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق - على قلة ما فيها من جهد بدني - من شعب الإيمان فما الظن بما هو أكبر جهدًا وأكثر نفعًا؟

6 - ترقية الإنسان: فالإنسان في العقيدة الإسلامية مخلوق مكرم وليس صاحب خطيئة أصلية كما ترى النصرانية المحرفة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)، هذا التكريم مطلق لكل بني آدم على اختلاف ألوانهم وقومياتهم وعقائدهم، وبناءً على هذا التكريم، فإن العقيدة الإسلامية تحدث في نفوس المؤمنين بها الدافع الإرادي لتزكية النفس والسعي نحو الكمال البشري المتاح وتنمي فيهم حب القيم والتمسك بها، الأمر الذي يثمر رابطة اجتماعية قوية، إذ إن القيم الإنسانية ذات طابع جماعي، الأمر الذي يؤدي إلى ترابط المجتمع وتكاتفه.

7- الدعوة إلى طلب العلم: أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى «اقرأ»، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في طلب العلم أكثر من أن تستقصى، وفي هذا دعوة للأمة أن تسعى لتخطي الأمية التي تغلب على مجتمعات المسلمين، وأن تعمل على ترقية المستوى الثقافي.

8- الدعوة إلى تحقيق الإتقان: فالإسلام يدعو إلى إحسان العمل وإتقانه: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (3)، والمسلمون من هذا المنطلق يثمنون قيمة العمل، ويسيرون به في خط صاعد.. فلا يقل حجمه ولا يتراجع مستواه ولا تغلب عليه النمطية والتقليد ولا يفتقر إلى الإبداع والتجديد.

9 - الدعوة إلى التزام الشورى: فالشورى في الإسلام شأن من شؤون الأمة الإسلامية وليس الدولة فحسب، كما غلب الفهم في أيامنا هذه، وآية الشورى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38) نزلت قبل أن يكون للمسلمين دولة، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقامت الشورى قبل الدولة، فلا يجدر بالمسلمين الذين لم يُعرف أحد أكثر مشورة لأصحابه من نبيهم أن تغيب عنهم الشورى ويضيق أفقها ويُهجر مضمونها، وتنتهك فيهم الحريات والحقوق التي أقرها دينهم. 

ثانيًا: المعرفة بالحضارة الغربية: 

ومن أهم ما يجب معرفته عن الحضارة الغربية أنها:

1- ناقدة لذاتها مصوبة لمسارها: فالحضارة الغربية تحس بأمراضها بل وتفزع منها وتعمل على علاجها لدرجة أن بعض الباحثين قال: «إن معرفتنا بالأمراض الحضارية اليوم، التي نكتب ونخطب فيها ليست من كشفنا وبحثنا وتحليلاتنا، وإنما هي قراءة في إحصائيات وكتابات ودراسات أصحاب الحضارة نفسها، فأهل الحضارة هم الذين يكتشفون أمراضها بأنفسهم، ونحن قد نتمثل في ذلك برجع الصدى، إضافة إلى أن الحضارة المتسلطة اليوم ليست مصابة بعمى الألوان والصلف المردي، وإنما تسعى لاكتشاف أمراضها ومداواة نفسها بنفسها (4).

2 - حريصة على ألا تصل إلى مرحلة الشيخوخة الحضارية، وألا تنطبق عليها نظرية الدورية الحضارية الخلدونية المعروفة لأنها تحاول استدعاء الشباب الحضاري واحتواء العالم للتقوي به على شفاء نفسها وضمان استمرارها.

3- حققت سبقًا حضاريًا في المجال المادي يصعب إدراكه، دعك من التفوق عليه، وأخذت تصبغ ثقافتها والعالم من حولها بهذا السبق الحضاري، فتهاوت أمامها الثقافات الهشة، وتأثرت بها كل الثقافات بلا استثناء وإن تفاوتت درجة التأثر.

الهوامش

(1) الإعداد للدور الحضاري للأمة الإسلامية، د. أحمد كمال أبو المجد.

 (2) الوراثة الحضارية، شروط ومقومات، عمر عبيد حسنة، ص5.

(3) أخرجه البيهقي عن عائشة، وحسنه الألباني. 

(4) الوراثة الحضارية، مرجع سابق، ص 23.

الرابط المختصر :