العنوان الأطر العامة والمرتكزات الأساسية في بناء الحضارات (3)
الكاتب عصام أحمد البشير
تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003
مشاهدات 95
نشر في العدد 1538
نشر في الصفحة 66
السبت 08-فبراير-2003
السنن الفاعلة في نهوض الحضارات وموتها
اقتضى عدل الله سبحانه وتعالى أن من علم سنن الله في نهوض الأمم وسقوطها وعمل بمقتضى هذا العلم وفق وسدد، وأن من ضيع هذه السنن وأهمل هذه القواعد زال واندثر، ومن أهم السنن التي تسهم إسهامًا كبيرًا في هذا الصدد، ما يلي:
1 - العدل في مقابلة الاستبداد:
فالحضارة إنما تُبنى بالعدل، لذلك حفلت آيات القرآن الكريم بالحث على العدل، الذي هو الغاية الأساسية من إرسال الرسل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ﴾ (الحديد: ٢٥)، فقد أمر الله الناس به أمرًا عامًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (النحل: ٩٠) ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة:۸)، وأثنى على فئة صالحة من الناس ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف:159)، وذكر في كتابه الكريم ما يدل على أنه ينبغي أن يتخلل كل شيء:
في القول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (الأنعام: ١٥٢).
وفي الإصلاح: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْل﴾ (الحجرات: ٩)
وفي الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء :٥٨).
وفي القوامة: ﴿وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ﴾ (النساء: ۱۲۷).
وحذر من كل ما يمكن أن يُخل بالموقف العادل: ﴿فلا تَتبعُوا الهَوى أَن تَعْدِلُوا﴾ (النساء:١٣٥). ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ﴾ (المائدة:۸). ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء: ١٣٥). ومن جميل ما قيل «إن الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وإن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة».
أما الظلم فهو معول هدم الحضارات. يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته، تحت عنوان: الظلم مؤذن بخراب العمران: «أعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كثيرًا عامًا في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها، وإن كان الاعتداء يسيرًا كان الانقباض عن الكسب على نسبته.
والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين، فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وانذعر الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر وخلت دياره وخرجت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة». «مقدمة ابن خلدون، ص٣١٦ –۳۱۷».
٢ - التوحد حول فكرة في مقابل الفرقة: يشهد التاريخ أنه ما من حضارة سادت إلا وكان خلفها تجمع حول إيمان بفكرة سماوية كانت أو أرضية، هذه الفكرة أوقدت جذوة السعي الجاد لتحقيق ما تدعو إليه في أرض الواقع وتحمل مشاق هذا السعي صعودًا في درج الرقي والسيادة والتاريخ يشهد – كذلك- أنه ما من حضارة بادت إلا بعد أن أعملت معاول الفرقة فيها عملها من غياب للشورى وطغيان للفرد، واستخفاف بالشعوب وإذلال لها، وخضوع وخنوع من قبل الشعوب ورضا بالواقع واستسلام له، وبعد عن أصل الفكرة التي ألهمت الجيل الأول الطاقة الروحية للبناء، فتفرقت الكلمة، وتعددت الزعامات واختلفت الدعوات فحقت عليها سنة الله.
3- المسؤولية في مقابلة الفوضى:
يقتضي بناء الحضارات أن يعرف المجتمع دوره وينهض به على أكمل وجه، عبر مؤسسات فاعلة تتنوع في تخصصاتها وتتقاطع في مجالاتها لكنها تتحد في أهدافها الكلية وغاياتها النهائية تماماً كاللوحة الجميلة تختلف ألوانها، وتتقاطع خطوطها لكنها تتكامل فيما بينها لتعطي الشكل النهائي المرجو.
إن تحمل المسؤولية هو الذي يردم الهوة بين الواقع الموجود والمثال المنشود، فالمثال المنشود يظل صورة نظرية في أذهان الناس حتى تجد المجتمع الذي يتحمل مسؤولية تطبيقها في أرض الواقع، كما أن الفوضى «غياب المسؤولية» هي التي تهوي بالمثال الموجود - الذي بذل في بنائه الأجداد العرق والدم - أسفل سافلين.
4- الإصلاح في مقابلة الفساد:
بين القرآن زوال كثير من الأمم لأسباب تجمع الفساد في شتى مناحي الحياة: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مثل:
- اقتراف الفواحش واتباع الشهوات
- استغلال المنكر وعدم التناهي عنه، كما فعل بنو إسرائيل ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهُونَ عَن مُنكَرِ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة:۷۹).
- الكفر بأنعم الله وعدم القيام بشكرها بل استخدامها في معاصي الله ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: ١١٢).
- الترف والبطر ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ﴾ (القصص:8)، ومن ذلك ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (غافر: ۲۹).
وكل واحدة من هذه الجرائم حرية أن تعجل بعقاب الله وبأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فكيف إذا اجتمع عدد منها في أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات والناظر في الـحـضــارة التي تسود عالمنا اليـوم يجدها قد أخذت بنصيب يكثر أو يقل من حضارات الهالكين وانحرافاتهم العقدية والفكرية والسلوكية فلا غرو أن يخشى عليها أن ينزل بأهلها ما نزل بهم:
﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم:45-46).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل