العنوان الأطر العامة والمرتكزات الأساسية في بناء الحضارات(2) عوامل النهوض الحضاري
الكاتب د.عصام البشير
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003
مشاهدات 78
نشر في العدد 1537
نشر في الصفحة 66
السبت 01-فبراير-2003
نبه القرآن الكريم في الكثير من آياته على أن الأمم تقوم أو تسقط بناء على سنن ثابتة لا تتغير أو تتبدل ووفق عوامل لا تخرق أو تختزل، ومن أهم هذه العوامل ما يلي:
- الفكرة:
إن أشد عوامل النهوض أهمية الفكرة التي تشكل تصور الأمم لحقيقة الوجود والكون والإنسان والحياة، فهذه الفكرة في طبيعتها الفلسفية عامة، وفي طبيعتها الدينية خاصة هي المحدد الأكبر لمصير الأمم والشعوب من حيث التخلف والتقدم، والبداوة والتحضر، وذلك بحسب ما تكون عليه من تحديد في مجال تصور الوجود والكون والإنسان والحياة (۱) ومصداق ذلك يبدو في أن كل التحولات الحضارية الكبرى التي حدثت في تاريخ الإنسان كانت ناتجة عن تحولات كبرى في تصور حقيقة الوجود والحياة، سواء كانت حضارات دينية أو غير دينية.
إن تصور حقيقة الوجود والحياة ليس كافيًا وحده ليحدث التغيير الحضاري، بل لا بد له من كيفية إيمانية تحول هذا التصور من نظرة نظرية باهتة تزاحمها تصورات أخرى إلى فكرة تبلغ درجة الإيمان، تملأ القلب والجوانح، وتطلق الأعضاء والجوارح وتأخذ بمجامع الألباب، فتقوى إرادة العمل وتنمو طاقة الفعل، ويتواصل الجهد وتتضافر الطاقات لتثمر عطاء ثقافيًّا وتغييرًا حضاريًّا.
- الإنسان:
الإنسان هو هدف الحضارة ووسيلتها، وهو محل الثقافة وحاملها، لذلك لا يتخيل وجود حضارة لا تركز على الإنسان اهتمامًا بواقعه، وتحسينًا لأحواله الصحية التعليمية والمعيشية، وحلًّا لمشكلاته، واحترامًا لحقوقه الأساسية حتى ينشط للحركة ويتطلع للريادة ويعمل للتغيير.
إن المعيار الذي يمكن أن تقاس به الحضارات هو موقع الإنسان فيها، وتصورها عنه، وطبيعة القيم التي يلتزم بها ومدى احترامها لإنسانيته ومقوماتها.
إن الذين يسعون لاستيراد تصوراتهم عن الإنسان وحقوقه من الحضارة الغربية يقعون في خطأ كبير، ذلك أن الحضارة الغربية رغم ما أعطت الإنسان من تطور مادي ورفه معيشي، فقد أخطأت في فهم الإنسان وطبيعته ومعرفة خصائصه لأنها أسقطت الجانب الروحي فيه، وأبعدت الدين عنه نتيجة لصراعها مع الكنيسة، كذلك تمادت الحضارة الغربية في خطئها بعدم بحثها عن العلة الحقيقية في قلق إنسانها وإمعانها في إيجاد حلول مادية لملء الفراغ الروحي الحادث في مجتمعاتها.
أما العقيدة الإسلامية فقد جعلت الإنسان مدار الحركة التغيرية ومحورها، وأوكلت إليه مهمة التغيير والبناء، وكلفته بتحقيق الخلافة على هذه الأرض، ولفتت نظره إلى كيفيات التعامل مع الكون والحياة واستغلال ما على ظهر الأرض واستخراج ما في باطنها مستفيدًا من عنصري الزمن لإنتاج الحضارة واستعمار الأرض حملًا لأمانة الاستخلاف وتحقيقًا للعبودية التي خلق لأجلها (۲).
إن الرؤية الحضارية الإسلامية للإنسان تتمثل في إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، إذ إنها تنظر إلى الناس بمقياس واحد لا تفسده القومية أو الجنس أو اللون.
- العلم:
لا يمكن للمسلمين أن يستعيدوا ريادتهم الحضارية إلا بالعلم، وأهم ما يجب أن يتسلح به المسلم لبناء دور حضاري رائد -من العلم- هو ما يلي:
- العلم بواقعنا المعاصر: إذ إن واقعنا تسيطر عليه حضارات تمتلك رصيدًا ماديًّا ضخمًا لكنها تعاني فراغًا روحيًّا كبيرًا، يتطلب من المسلمين معرفة المدخل الحضاري المناسب لتقديم الحاجة المفقودة لاستعادة إنسانية الإنسان «والتحول من الاهتمام بأشياء الإنسان -وهي مهمة بلا شك- إلى التوجه لترقية خصائص الإنسان وتحقيق سعادته، لأنه معيار الحضارة الحقيقي (۳)، ومن الأمور المهمة التي ينبغي علينا أن ندركها أن الوراثة الحضارية باتت لا تعني التعاقب أو التداول والنفي والإقصاء بعد ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا، بمقدار ما تعني القدرة على التحرك من داخل الحضارة لتغيير وجهتها، إذ لم تعد الحضارة حكرًا على أحد وإنما هي مشترك إنساني وإرث عام وتراكم معرفي، والأصلح هو الأقدر على تحديد وجهتها.
- التخصص في شعب المعرفة: إن استعادة الريادة الحضارية لا يمكن أن تتصور في غياب إشاعة التخصص الدقيق في شتى مناحي المعرفة، لأن التخصص قد غدا من فروض الكفاية وهو متعين فيمن تهيأ له، ويؤدي إلى تقسيم العمل وتجويده وإحسانه وبلوغ الثمرة المرجوة منه.
- العلم بالسنن: فمعرفة سنن الله في النفس والمجتمعات عامل رئيس في الوصول إلى الشهود الحضاري، ذلك أن الله وضع للبشر سننًا من حفظها حفظته ومن ضيعها ضيعته، غير أن كثيرًا من المسلمين حولوا أنظارهم من اتباع السنن إلى خرقها، ومن التفاعل مع السنن الجارية إلى إضاعة الوقت والجهد في سبيل تخطيها، مثل سنن التغيير، والتداول الحضاري والتدرج، والتدافع، وسنن السقوط والبناء.
- الاجتهاد الفكري: من الشروط الواجب توافرها لتحقيق الريادة الحضارية، إطلاق النظر الاجتهادي من قيود الجمود والتقليد، وتوسيع دائرة الحراك الفكري على أوسع مدى، واحترام التخصص والخبرة وتقديم أهل الخبرة والرسوخ.
ذلك أن الاجتهاد وتحريك العقول وتوسيع دائرة الرأي والتشاور والتفاكر والتحاور مع الذات والحوار مع الآخر هو الذي يحرك رواكد الأمة ويطلق طاقاتها المعطلة ويثير فاعليتها ويشحذ همتها، ويذهب بغثائها ويثبت صوابها، وينقلها من موقع التلقي والأخذ إلى موقع المساهمة والعطاء الحضاري.
- الوقت: الحضارة تبنى بالاستغلال الأمثل للوقت وبحسن إدارته، ذلك أن إدارة الوقت من الحكمة التي عرفها ابن القيم بقوله: «هي فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي».
ويكون الاستغلال الأمثل للوقت بـ: التخطيط، التنظيم، التوجيه، الرقابة، اتخاذ القرارات.
الهوامش
(1) الطاقة الحضارية في عقيدة الأمة- د. عبد المجيد النجار، ص1
(2) الإنسان معيار الحضارة، د. شافي بن سفر الهاجري، ص ۱۸
(3) الوراثة الحضارية، شروط ومقومات، عمر عبيد حسنة، ص٢٦