العنوان الأصول العشرة لفكر الإحياء والتجديد
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 72
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 66
السبت 27-مايو-2006
حداثة ... ام تجديد؟ (6)
ذكرنا في العدد الماضي أربعة من الأصول العشرة لفكر الإحياء والتجديد .. ونكمل في هذا العدد…
٥- العقلانية المؤمنة تلك التي جمعت وتجمع بين العقل والنقل.. بين الحكمة والشريعة... ذلك أن العقل هو جوهر إنسانية الإنسان، وهو أفضل القوى الإنسانية على الحقيقة، وهو ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته، والتصديق بالرسالة.. أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة والعبادات (۱) والقرآن -وهو المعجز الخارق- دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم، فهو معجزة عرضت على العقل، وعرفته القاضي فيها، وأطلقت له حق النظر في أنحائها، ونشر ما انطوى في أثنائها، فتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس، على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل.. والمرء لا يكون مؤمنًا إلا إذا عقل دينه، وعرفه بنفسه حتى اقتنع به..(۲)
ومع هذا التألق لمقام العقل.. فإن هناك أمورًا لا يستقل العقل بإدراكها، أو إدراك الحكمة من ورائها، ومن هنا كانت ضرورة استعانته بالوحي ، فالعقل البشري وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة.. وإذا قدرنا العقل البشري قدرة، وجدنا غاية ما ينتهي إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني.. أما الوصول إلى كنه حقيقة فمما لا تبلغه قوته.. لهذا كان العقل محتاجًا إلى معين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة (۳).
٦- الوعي بسنن الله الكونية، تلك التي تحكم سائر عوالم المخلوقات، والتي تمثل قواعد علم الاجتماع الديني، في التقدم والتخلف.. وفي التدافع بين الأمم والدعوات والحضارات.. وإن «إرشاد الله إيانا أن له في خلقه سننًا» ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران:١٣٧)، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة، لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه.. والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.. إن لله في الأمم والأكوان سننًا لا تتبدل، وهي التي تسمى شرائع، أو نواميس، أو قوانين.. ونظام المجتمعات البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل، وعلى من يطلب السعادة في المجتمع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله، ويبني عليها سيرته..(٤).
٧- أن الدولة في الإسلام مدنية إسلامية، لا كهنوتية ولا علمانية: الإسلام بالمبادئ والمرجعية.. أما النظم والمؤسسات والآليات فجميعها بشرية مدنية متطورة، وهي إسلامية بقدر ما تحقق أو تقترب من تحقيق المثال الإسلامي والمرجعية الإسلامية.. وليس في الإسلام سلطة سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر, وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم، ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الفرنج «ثيوكراتيك» أي سلطان إلهي.. فأصل من أصول الإسلام قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها..(5).
٨- الشورى: أي مشاركة الأمة في صنع قرارات دولتها ومجتمعها، فلا بد من إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى، وذلك بإجراء انتخاب نواب عن الأمة تسن القوانين، والقوة النيابية لأية أمة كانت لا يمكنها أن تحوز المعنى الحقيقي إلا إذا كانت من الأمة نفسها..(٦).
٩- العدالة الاجتماعية التي تحقق التكافل الاجتماعي بين الأمة كلها، «فالإخاء الذي عقده المصطفى ﷺ بين المهاجرين والأنصار، كان أشرف عمل تجلى به قبول اشتراكية الإسلام الوسطية التي أشار إليها القرآن بأدلة كثيرة، والمغايرة لاشتراكية الغرب القائمة على التطرف وروح الانتقام من جور الحاكم والأحكام»(۷).
والله سبحانه وتعالى عندما أضاف مصطلح المال، في القرآن الكريم إلى ضمير الفرد، في سبع آيات وإلى ضمير الجمع، في سبع وأربعين آية، أراد أن ينبه بذلك على «تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها, فكأنه يقول: إن مال كل واحد فيكم هو مال أمتكم»(۸).
10- إنصاف المرأة ، فالأمة تتكون من البيوت العائلات، فصلاحها صلاحها، ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة.. والرجل والمرأة يتماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما يتماثلان في الذات والشعور والعقل، والآية القرآنية ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة:۲۲۸) هي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق، إلا أمر واحد عبر عنه بقوله ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة:۲۲۸) (۹).
تلك بعض معالم المشروع النهضوي، التي أثمرتها إبداعات الإحياء والتجديد.
الهوامش
(١) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج۵، ص۱۲۸، ج۲، ص۲۹٨، ۳۲۵.
(۲) المصدر السابق، ج ۳، ص ٣٥٦, ١٥١,٣٥٧، ٢٧٩ –۲۸۱، ج۱، ص٤١٤.
(٣) المصدر السابق، ج ۳، ص ٤٣٦,٤١٢, ٣٩٧,٣٧٩.
(٤) المصدر السابق، ج 5 ص ٩٤, ٩٥، ج ۳، ص ٢٨٤.
(٥) المصدر السابق، ج ۳، ص ۲۲۳, ۲۸۸، ۲۸٦، ۲۸۵, ۲۸۷، ٢٢۵، ٢٢٦ ، ج 1 ص ٤١٢ .
(٦و ٧) الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني (ص) (٤١٤-٤١٧) ص ٤٧٣, ٤٧٧, ٤٧٩.
(٨ و ٩) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج4 - ص ٦٠٦ – ٦٦١، ج۵، ص ١٩٤.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل