العنوان الأسماء المستعارة في شعر المحنة..
الكاتب أحمد الجدع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1978
مشاهدات 77
نشر في العدد 420
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-نوفمبر-1978
على مدى ربع قرن أحيطت الدعوة الإسلامية المعاصرة من جميع جوانبها بسياج من الحقد والعداء، وأسدل على كل نشاطاتها ستار كثيف من البغضاء، مما حدا بالدعاة إلى بذل محاولات متعددة ومستمرة للخروج من هذا الكلام الدامس الذي أحيطوا به ليتصلوا بالناس ولينقلوا إليهم حقيقة الموقف، ولينبهوهم إلى هول ما هم فيه من خطر مدلهم ومصير أليم، يقودهم إليه ساسة أدعياء وكتاب أجراء.
ومن المحاولات التي سجلت في هذه الفترة الحالكة، وكانت بارزة بروزًا ظاهرًا، لجوء شعراء الدعوة إلى الأسماء المستعارة يستخفون تحتها لتأدية رسالتهم، وإيصال أفكارهم دون أن تنالهم يد العدو المتربص بهم في كل مكان.
فرأينا كثيرًا من القصائد تحمل أسماء وألقابًا تدل في مضمونها على اتجاه الشاعر ولونه الأدبي من أمثال: شاعر مسلم، فتى الدعوة، ذو النون من رابطة الوعي الإسلامي، شاعرة مسلمة... كما رأينا توقيعات تشير إلى انتماء أصحابها إلى بلدان تضطهد الدعاة وتترصدهم من أمثال: ابن الكنانة، شاعر مصري، فتى النيل... وكانت هناك توقيعات لها مدلولات خاصة لدى أصحابها مثل: محمد بهار الذي كتب ديوانًا كاملًا بعنوان: في غيابة الجب، بهذا التوقيع المستعار، بالإضافة إلى قصائد ومقطوعات رائعة أهمل فيها الإشارة إلى قائلها البتة.
وقد استطعنا في بحثنا الدائب عن أصحاب هذه التوقيعات المستعارة أن نهتدي إلى عدد صالح منهم، وكان مما سرنا أننا استطعنا أيضًا أن نهتدي إلى أسماء بعض الشعراء الذين نشروا شعرًا دون توقيع، وإن كنا نبدي أسفنا البالغ لأننا لم نهتد بعد إلى أسماء شعراء اطلعنا على روائع من أشعارهم في المجلات والصحف الإسلامية.
ومن بين القصائد الرائعة التي استطعنا أن نزيل الستار عن اسم قائلها الحقيقي الملحمة الإخوانية الكبرى التي قيلت بين جدران السجون الناصرية وصورت ببراعة ودقة المآسي التي كان يصطلي بنارها الدعاة في ظلام السجون، وهي الملحمة النونية التي وقعها مؤلفها بتوقيع: ذو النون، ومطلعها:
ثار القريض بخاطري فدعوني *** أفضي لكم بفجائعي وشجوني
وهي من تأليف فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي العالم الداعية، وقليل ممن قرأ له في مؤلفاته في الدعوة والفقه يعلمون أنه شاعر مجيد له قصائد وأناشيد تعتبر من عيون الشعر الإسلامي المعاصر في مجال الدعوة الإسلامية والشعر الإنساني.
ولعل من المناسب أن نختار من هذه الملحمة التي أربت على ثلاثمائة بيت بعضًا من أبياتها المعبرة، فالشاعر شاهد عيان للمأساة، اكتوى ببعض نيرانها، فهو خير من يخبرنا عن أساليب التعذيب التي تفنن في تأليفها وإخراجها عباقرة التعذيب الناصري، ففي مقارنة ساخرة بين التقدم في التصنيع والتعذيب يقول:
قل للعواذل إن رميتم مصرنا *** بتخلف التصنيع والتعدين
مصر الحديثة قد علت وتقدمت *** في صنعة التعذيب والتقرين
وتفننت كي لا يمل معذب *** في العرض والإخراج والتلوين
أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه *** حتى يرى في هيئة البالون
أسمعت بالإنسان يضغط رأسه *** بالطوق حتى ينتهي لجنون
إن كنت لم تسمع فسل عما جرى *** مثلي... ولا ينبيك مثل سجين
ويخاطب قائد السجن الذي يبدي شجاعة نادرة في مواجهة المعتقلين المكبلين، داعيًا إياه لأن يبدي هذه الشجاعة أمام العدو الصهيوني المتربص بالبلاد، الطامع في خيراتها... ولكن هيهات لأمثال هذا القائد أن يكون كبشًا أمام العدو الحقيقي.
يا فارس الوادي وقائد سجنه *** أ بنو الكنانة أم بنو صهيون؟
هلا ذهبت إلى الحدود حميتها *** وأريتنا أفكار نابليون؟
اذهب لغزة يا همام وأنسنا *** بجهادك الدامي صلاح الدين
أ فعندنا كبش النطاح.. ونعجة *** في الحرب جماء بغير قرون؟
ثم يتوجه بالخطاب للرئيس الكبير الذي غدر بكل من أحسن إليه، وجعل من مصر كلها سجنًا رهيبًا، فيؤكد له أن أيامه معدودة، وأن حكمه إلى زوال، وشواهد التاريخ ماثلة في الظالمين قبله؛ ذهبوا وذهب ظلمهم وظلامهم، وبقيت الدعوة شامخة خالدة.
قل للذي جعل الكنانة كلها سجنًا *** وبات الشعب شر سجين
يا أيها المغرور في سلطانه *** أمن النضار خلقت أم من طين
يا من أسأت لكل من قد أحسنوا *** لك دائنين، فكنت شر مدين
يا ذئب غدر نصبوه راعيًا *** والذئب لم يكُ ساعة بأمين
سيزول حكمك يا ظلوم كما انقضت دول أولات عساكر وحصون
ومن بين القصائد التي اشتهرت في فترة المد الاشتراكي الشيوعي في مصر القصيدة الساخرة التي نشرتها عدة صحف أذكر منها: المسلمون، والميثاق الإسلامي، وهي بتوقيع: شاعر مصري، وعنوانها: كم ابتدعوا لنا بدعًا، ومطلعها:
أداروها شيوعية وسموها اشتراكية
وقد عرفنا قائلها وهو الشاعر محمد مصطفى حمام الذي توفاه الله في الكويت مؤخرًا. ومنها:
كم ابتدعوا لنا بدعًا *** من الأسماء سحرية
وكم وعدوا بني مصر *** مساواة حقيقية
وعندي أنهم صدقوا *** وصحت منهم النية
فكل الناس قد صاروا *** سواء في العبودية
ومنها:
عهدنا مصر بالإسلا *** م هادية ومهدية
متى تنجاب غمتها *** ويترك شيخها غيه
وأين لها عصا موسى *** لتلقف هذه الحية
ومن بين المقطوعات التي كان الناس يتناقلونها دون أن يعرفوا قائلها مقطوعات للشاعر الشهيد هاشم الرفاعي، الذي زوروا حياته في دراسة ظالمة متجنية أصدرتها في سلسلة اقرأ دار المعارف التي يشرف عليها نصارى مصر، وزوروا شعره في الديوان الذي أصدرته وزارة التربية في مصر الناصرية مدعية أنها تكرمه وتنصفه، وهي تعلم أنها تظلمه وتبخسه.
ومن هذه المقطوعات مقطوعة بعنوان: مجلس الأمة، وهي تتحدث عن مهزلة مجالس الأمة في العهد الناصري بحيث كانت الانتخابات تزور علنًا لتخرج للحكومة مجموعات من المهرجين بدلًا من المخلصين.
ها هم كما تهوى فحركهم دمي *** لا يفتحون بغير ما تهوى فما
إنا لنعلم أنهم قد جمعوا *** ليصفقوا إن شئت أن تتكلما
من قبل كان الظلم فوضى مهملًا *** واليوم صار على يديك منظما
ومقطوعة أخرى بعنوان «محكمة الشعب»، وكم عانى الشعب من محاكم الشعب، أليست مهزلة كبرى، ومأساة مبكية مضحكة أن المحاكم التي أذلت الشعب تسمى بمحاكم الشعب؟
ما بين محكمة تقام وأختها *** مني الضمير بغفوة النعسان
الشعب يلعنها وتقرن باسمه *** أرأيت كيف تبجح البهتان؟!
فيها القضاة هم الخصوم وإنها *** لعدالة مختلة الميزان
ومن بين الروائع التي لم نستطع أن نهتدي لقائلها قصيدة نشرتها مجلة «المسلمون» في عددها الأول عام 1386هـ موقعة باسم «ابن الكنانة»، وقد أشارت المجلة إلى أن قائلها طالب يدرس الدكتوراه في الفلسفة في ألمانيا الغربية، ولم نعرف عنه أكثر من ذلك، وقد تناول الشاعر بأسلوب جميل وبانفعال صادق قضايا حيوية عديدة تهم الدعوة والدعاة، وقد لخص القضية بين الدعاة وأعدائهم، وأشار إلى الهدف الأكبر من وراء الحملة على الدعاة فقال:
يود لو يصنع من آلامنا دماه
يود لو يحصي علينا همسة الشفاه
يود لو ينزع من صدورنا «الله»!
وفي سبيل هذه الغاية حاول الأعداء أن يطلعوا على الناس بكتاب يصرفهم عن كتاب الله العزيز، فابتدعوا ما دعي يومئذ «بالميثاق»، فكان سخرية الناس ومجال تندرهم، ولم يفت الشاعر أن يشير إلى أن كل هذه الحركات من إيحاءات أعداء الإسلام التقليديين المتسترين وراء الأعداء المحليين:
«ميثاقكم» يسخر منه كل من قراه *** يا صبية في الفكر لا يدرون ما عناه
والماكرون يعلمون ما الذي وراه *** لذا تراهم يلعبون لعبة الحواه
ويتقنون فنهم، أن لهم هداه *** ويوغلون كيدهم، هداتهم عتاه!
ويتابع الحواة طريقهم في صرف الناس عن دينهم، فيصوبون نحو المرأة، فيغرونها بكل المغريات للخروج عن هدي الإسلام، فيفحلون مع بعض، ويفشلون مع بعض، فتقف المؤمنات القانتات العابدات في وجه إغراءاتهم كالطود الأشم، فيدعو الشاعر الأخوات المؤمنات إلى الصبر، ويستبشر بأن الناس قد تنبهوا للعبة وبدؤوا يعافونها:
وأنت يا أخت اصبري واحتسبي لله
قد ملَّ شعبي معطف الفراء والمرآة
فَأَرِه المرأة إنسانًا له مرماه
ويشير الشاعر مفتخرًا بأن الدعاة صمدوا، فلم يضرهم ما أصابهم من عذاب ما داموا على الحق، وما دام ما أصابهم ويصيبهم في سبيل الله:
ماذا على الوجه الكريم إن يكن أدماه
ماذا على الحر إذا ما قيدت رجلاه
ما أكرم العذاب ما دام لذات الله
والشاعر ذو أمل عريض بأن تتمخض هذه المأساة عن بعث إسلامي كبير:
وفجرنا أطل، إني مبصر سناه *** فهذه خولته، وتلكم خنساه
ألمح عمارًا هنا وأمه وأباه *** يا صحوة للنسر لم تحلم بها ذراه
لن يبعث الإسلام إلا هذه المأساة!
ولعل القارئ الكريم يشاطرني الأسف لعدم معرفة قائل هذه القصيدة التي اخترنا أجزاء متفرقة منها، ويشاطرني أسفًا آخر لعدم معرفة قائل هذه الأبيات الخالدة التالية المنشورة في جريدة الشهاب السورية العدد «30» لعام 1375هـ:
يا شهيدًا رفع الله به *** جبهة الحق على طول المدى
سوف تبقى في الحنايا علمًا *** هاديًا للركب رمزًا للفدا
ما نسينا، أنت قد علمتنا *** بسمة المؤمن في وجه الردى
وأسفنا في عدم معرفة القائل نابع من يقيننا بأن معرفته تزيد النص قيمة وتعطيه معنى، وتضفي عليه من ظلال الحقيقة ما يجعله أكثر فهمًا وأدق تحديدًا، وأكثر قربًا من القلب...
والأمنية التي أود تسجيلها في ختام هذا العرض، وهي في نفس الوقت دعوة حارة إلى هؤلاء الشعراء المجهولين، أن يبادروا إلى جمع شعرهم ونشره، وأن يصرحوا بأسمائهم، فإن في ذلك نفعًا للدعوة ودفعًا للأدب الإسلامي إلى مدارج الرقي، وسعادة لمحبي الأدب الإسلامي الرفيع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل