; الأسلوب المغربي وسياسة المخالفة للحالة الجزائرية | مجلة المجتمع

العنوان الأسلوب المغربي وسياسة المخالفة للحالة الجزائرية

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1495

نشر في الصفحة 34

السبت 06-أبريل-2002

  • في التعامل مع التيار الأمازيغي والإسلاميين يجتهد المغرب في مخالفة موقف الجزائر تجاه القضيتين

  • اعتراف الجزائر باللغة الأمازيغية يمثل ضغطًا على المغرب.

  • بعد إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية هل ينجح المغرب في إنهاء المشكلة البربرية؟

  • دعاوى تاريخية تزعم أن جذور البربر أوروبية وأن الفرنسية هي لغتهم الأم.. وتيار أمازيغي يحذر من استخدام اللغة العربية لأنها تؤدي بهم إلى الإسلام.

مرت قضية الأمازيغية في المغرب بتحولين بارزين في مسارها، الأول كان بعد مرحلة الاستقلال عن فرنسا حينما بدأت الدولة المغربية تنهج أسلوب الإدماج بالدفع نحو خلق أحزاب سياسية تقود القبائل الأمازيغية، أما التحول الثاني فهو الذي ظهر في الثمانينيات والتسعينيات حين بدأت بعض الجمعيات الأمازيغية في الظهور على مسرح الأحداث بتأثير عوامل داخلية وخارجية عديدة ليس هنا مجال التفصيل فيها، فظهر خطاب جديد لدى الحركة الأمازيغية يريد الابتعاد عن هيمنة الدولة والأحزاب ذات التوجه الأمازيغي معًا، وطرح نفسها طرفًا مستقلًا يتبنى مطالب جديدة ويتخذ أسلوبًا سياسيًا وثقافيًا يتسم بالتراشق الأيديولوجي والصراع السياسي، وبين هذين التحولين البارزين وبالتوازي معهما أيضًا كانت هناك أنشطة أكاديمية في الجامعات تسعى إلى تأسيس قاعدة لغوية ولسانية للأمازيغية والبحث عن جذور اللغة والثقافة الأمازيغيتين في تاريخ المغرب. وكان اعتراف الجزائر مؤخرًا باللغة الأمازيغية كلغة رسمية قد ألقى بظلاله بلا شك على القضية الأمازيغية في المغرب، مشكلًا ضغطًا لصالح تلك القضية.

وقد شكلت بداية التسعينيات منعطفًا بارزًا في مسار دعاة الأمازيغية في المغرب بتوقيع عدد من الجماعات الأمازيغية عام ۱۹۹۱ على ما يسمى «ميثاق أغادير» الذي تضمن للمرة الأولى مجموع مطالب هذا التيار وأهدافه الثقافية واللغوية والسياسية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت المواجهات الصامتة بين الدولة وهذه الحركة، لكن الموقف المغربي الرسمي ظل يتسم بطابع الحذر تجاه مطالب الاتجاه الأمازيغي وأنشطته، وتراوح بين المنع والسماح المقيد لشتى تعبيراته في الساحة الثقافية والسياسية دون أن يصل الأمر إلى حد المواجهة التي تبشر بالقطيعة وتؤثر على ما يسميه المراقبون والمسؤولون «الأسلوب المغربي» في التعاطي مع القضايا الساخنة.

وقد ظل النموذج الجزائري في التعامل مع الحركة الأمازيغية يلقي بآثاره على صناع القرار في المغرب، ويفرض على الدوائر الرسمية التقاط الإشارات وفهم الدروس لتجاوز الحالة الجزائرية، سواء فيما يخص العلاقة مع الإسلاميين أو مع التيار الأمازيغي، لتجنب السقوط في «المستنقع الجزائري»، وهو ما تفهمه الدوائر المغربية على أنه هدف للعسكريين الجزائريين لضرب وحدة المغرب البشرية بما ينعكس سلبًا على قضية الصحراء، عنوان المواجهة الأبرز بين الجارتين. لذلك ظل المغرب يرى في تعاطي الجزائر مع الملفات الشبيهة نموذجًا ينبغي عدم تكراره، ولعل الإطار التاريخي للمغرب يمثل أحد العوامل التي ساعدت على نجاح الأسلوب المغربي في التعامل مع تلك الملفات بسبب تجذر الملكية والصلاحيات التي يمنحها الدستور للملك، هذه العوامل كانت تمنع الصراعات السياسية الداخلية من اتخاذ النظام هدفًا للرهانات السياسية، بخلاف الجزائر، حيث كانت الصراعات تقوم على أساس التشكيك في شرعية النظام وطابع الحكم.

من التكريس إلى التسييس

ساعدت العوامل الإقليمية والعالمية في نهاية التسعينيات على نمو الحركات الأمازيغية وخطابها السياسي والأيديولوجي والثقافي، مع اتساع مفهوم عولمة حقوق الإنسان وحقوق الأقليات والإثنيات، ووجوب إيجاد مراكز للانطلاق منها لضرب قوة الحركات الإسلامية والحد من نموها ونفوذها، وقد كان مؤتمر حقوق الإنسان في فيينا عام ۱۹۹۳م أول منبر دولي لطرح القضية الأمازيغية على مستوى عالمي وترويج أطروحاتها السياسية والثقافية باعتبارها تعبيرًا عن أقليات مقموعة ومهضومة الحقوق!! وطرحت في ذلك المؤتمر مسألة إيجاد تنظيم عالمي يضم جميع التيارات الأمازيغية في بلدان المغرب العربي وإفريقيا الساحل وشمال إفريقيا. وهو الذي تأسس عام ۱۹۹۸م تحت اسم «الكونجرس الأمازيغي العالمي».

ورغم الخلافات الحادة داخل هذا الكونجرس العالمي التي عرقلت سيره وأدخلته في نفق مسدود، فإن الإعلان عنه في حد ذاته كان قوة جديدة دافعة لهذه التيارات لتصعيد مواقفها ورفع الصوت بمطالبها.

وبعد إنشاء هذا الكونجرس العالمي بسنتين اتخذت الأطروحة الأمازيغية بعدًا أكبر بتقديم وثيقة خاصة عرفت بـ«البيان الأمازيغي»، قادها محمد شفيق أحد الوجوه البارزة في البحوث الأكاديمية حول اللغة الأمازيغية، وصاحب أول معجم أمازيغي عربي، وسميت الوثيقة التي تتألف من سبع وعشرين صفحة بـ«بيان من أجل ضرورة الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب»، ونشطت حركة جمع التوقيعات للناشطين الأمازيغيين المؤيدين لمضمون البيان وبنوده، فوقع عليه أكثر من أربعمائة شخص من الجمعيات الأمازيغية والناشطين الأمازيغيين المستقلين.

وقد استعرض البيان برؤية تاريخية ثمانية وثمانين سنة من تاريخ المغرب وأوضاع البربر خلال هذه الحقبة، كاشفًا عما أسماه بالتهميش الذي كانوا ضحيته، ودعا إلى رفع «الحصار» عن المناطق البربرية وتنميتها اقتصاديًا واجتماعيًا، مع الحفاظ على خصوصياتها وجذورها، وتضمن البيان بعد جرد تاريخي طويل تسعة مطالب لحل مشكلة الأمازيغية في المغرب، تتمحور حول فتح حوار وطني في الموضوع، وإدماج الأمازيغية في الدستور كلغة رسمية إلى جانب العربية وإعطاء الأسبقية في التنمية الاقتصادية للمناطق التي يسكنها «أمازيغون»، وفرض تعليم الأمازيغية، والكف عن تعريب الأسماء الأمازيغية للأماكن والشوارع وجعل الإعلام في خدمة الأمازيغية.

وكان دافع محمد شفيق إلى وضع هذا البيان هو البحث عن حل وسط بين الحل السياسي والحل الثقافي اللغوي للقضية الأمازيغية، مستأنسًا في نفسه القدرة على التأثير بالنظر إلى وزنه التاريخي والفكري والسياسي، وصرح بأنه يريد إيجاد إطار للعمل يشتغل بصيغة وسطى بين الاتجاهين.

غير أن البيان تحول عن وجهته الأصلية وتعرض لنوع من الاستغلال من قبل جهات الحركة الأمازيغية المتنافرة التي تجمع بين اليمين واليسار والوسط المعتدل والمتطرف، وظهرت أطروحة مغايرة تريد تحقيق كسب سياسي، مستغلة في ذلك الثقل الرمزي والمعنوي للبيان، وسعت إلى تأسيس حزب سياسي يجعل لها موقعًا في القرار السياسي خارج القوي الحزبية الموجودة التي يتهمونها بالعروبة أو التأسلم أو النزعة المشرقية. وشهد الملف الأمازيغي تصعيدًا جديدًا، الأمر الذي دفع محمد شفيق إلى التواري عن الأنظار والركون إلى الصمت حتى تم الإعلان عن إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بقرار من الملك محمد السادس في شهر أكتوبر المنصرم.

المعهد الملكي: سياقه وأهدافه

ومن الواضح أن الإعلان عن إنشاء «المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية»، يرمي إلى وضع حد للنقاشات الدائرة حول ملف الأمازيغية، كما يرمي لأن يكون صيغة رسمية لحل وسط، ونوعًا من الاعتراف بمشروعية الثقافة الأمازيغية والجماعات المشتغلة في هذا الموضوع بشكل خاص، لكن سياقه السياسي يتمثل في كونه يأتي عقب أحداث البربر في منطقة القبائل الجزائرية قبل أشهر، وما أسالته تلك الأحداث من حبر داخل المغرب، وما تركته من انعكاسات سياسية، تمثلت على الخصوص في إسراع جزء من النخبة الأمازيغية المغربية إلى التضامن مع رديفتها في الجارة الجزائر، وتنظيم وقفة احتجاجية وتصعيد المطالبة بالترخيص للحزب السياسي الأمازيغي، والإعلان المسبق عن تنظيم مسيرة كبرى لم يتم تحديد موعدها بعد، وتهديد البعض بتحويل المسيرة في حالة المنع إلى مواجهات دموية على غرار ما حدث في الجزائر وبدا أن الأمر يتجه نحو الكارثة والتأزم وتوريط النظام.

وقد أراد الملك أن يقدم بإنشاء المعهد إشارة قوية، حين أعلن عن ذلك في منطقة «أجدير» في الجنوب المغربي ذي القاعدة السكانية البربرية والتاريخ المشهود في المقاومة البربرية المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي (1912 – 1956م) كما أن الملك حرص على أن يكون الإعلان في حضور شخصيات دينية وسياسية وحزبية وثقافية وأمازيغية، الأمر الذي أعطى لإنشاء المعهد طابعًا رمزيًا قويًا يشير إلى حصول الإجماع حوله.

وتتحدد أهداف المعهد في إدراج الأمازيغية ضمن مناهج التعليم وتسهيل تدريسها وتعلمها وانتشارها، والحفاظ على الثقافة الأمازيغية في كافة المجالات، وتدوين كتابتها، ويعمل المعهد على النهوض بهذه الأهداف بالتشارك والتعاون مع الجهات الحكومية. 

يدير المعهد مجلس إدارة وعميد يعين من طرف الملك، ويتمتع بالاستقلال الإداري والمالي.

وهو يجتمع مرتين في السنة في دورة عادية، كما يمكنه عقد دورات استثنائية إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويرفع المعهد تقريرًا سنويًا مفصلًا إلى الملك عن أنشطته المنجزة وبرامجه المستقبلية، وتم تعيين محمد شفيق عميدًا له.

بين القبول والرفض والانتظار

أثار الإعلان عن إنشاء المعهد الملكي ردود فعل متعددة اختلفت من جهة لأخرى، بحسب المنطلقات والمواقع الأيديولوجية والسياسية لأصحابها، وإن كانت أغلب الردود والمواقف اتجهت إلى اعتبار المعهد لبنة كبرى غير مسبوقة في سياق الاعتراف الرسمي بالأمازيغية. هكذا اعتبرت صحيفة «أكراو أمازيغ» أن قرار الملك «رفع رؤوس الأمازيغ من الوحل وزرع في قلوبهم الأمل». وقالت إنه «عمل جريء، ولا يسع التاريخ إلا أن ينحته على أعلى وأصلب صخرة في جبال تامزغا»، بينما اعتبره آخرون خطوة مهمة في طريق رفع الحظر عن اللغة الأمازيغية في الوقت الذي رحبت فيه جميع الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني والشخصيات الفكرية والثقافية بالمعهد ورأت فيه بلورة للتعددية الثقافية واللغوية التي لم تكن أبدًا محل مزايدات سياسية أو أيديولوجية.

غير أن هناك من اعتبر المعهد محاولة من القصر لاحتواء التيار الأمازيغي وتدجينه وتشتيت مكوناته الثقافية والسياسية المتنوعة التي ستجد نفسها بعد تنصيب المعهد وانطلاق أشغاله وإنجاز تصوراته النهائية منقسمة بين المؤيدين والمعارضين لمخططاته وطرائق عمله وكيفية تعاطيه مع المشكلة الأمازيغية، وبذلك سينتقل الصراع إلى داخل البيت الأمازيغي بعد أن كان صراعًا بين هذا الأخير والنظام ويرى هؤلاء أن صياغة الظهير المؤسس للمعهد جاءت لتخدم الأهداف الرسمية، حيث إن قرار التأسيس يشير إلى ضرورة رفع تقرير سنوي عن أنشطة المعهد وبرامجه إلى الملك، مما يعني أن الملك يحتفظ بحقه في توجيه المعهد الوجهة التي يريدها. ويلحق القرار ميزانية المعهد بالميزانية العامة للقصر الملكي، وهو ما سيقود في نظر الرافضين والمتشككين إلى افتقار المعهد لأية استقلالية في أعماله، وقال البعض إن المعهد ليس هو ذلك الوارد في ميثاق أغادير الذي وقعته مجموعة من الجمعيات الأمازيغية في 1991م، وضمنته مطالبها المختلفة ومن جملتها تأسيس معهد مستقل عن السلطة والحكومة في اختصاصاته وبرامجه، وشكل الميثاق المذكور منذ ذلك الوقت إطارًا للتحرك بالنسبة للأمازيغيين الذين تكاثرت جمعياتهم منذ ذلك التاريخ إلى الآن.

ومن الواضح أن المعهد لم يرض الكثيرين ممن كانوا يريدون الدفع بالمسألة الأمازيغية إلى مدى أبعد، خصوصًا لجهة المطالبة بالاعتراف باللغة الأمازيغية في نص الدستور المغربي بشكل صريح جنبًا إلى جنب مع اللغة العربية التي تعد اللغة الرسمية للبلاد. ويتخوف هؤلاء من أن يكون المعهد إيذانًا بإغلاق هذا الملف نهائيًا، وسد الطريق على الراغبين في تسييس القضية أكثر من اللازم وإدخال البلاد في أتون المجابهات القاتلة التي تغذيها العصبيات القومية واللغوية، كما أن هناك تيارًا آخر يسعى إلى نزع الاعتراف من الدولة بإنشاء حزب سياسي أمازيغي يجمع الأمازيغيين في إطار سياسي واحد. ويدعي أنصار هذا التيار الراديكالي أن الأحزاب المغربية القائمة في الساحة السياسية وفي الحكومة والبرلمان لا تمثل الأمازيغ، وترتبط بثقافات «شرق أوسطية» أو «أندلسية» كما قال أحدهم، رغم أن هناك حزبين يعتبران نفسيهما أمازيغيين هما الحركة الوطنية الشعبية التي يتزعمها «المحجوبي أحرضان» منذ تأسيسها في الخمسينيات، والحركة الوطنية الشعبية التي يقودها «أمحند» العنصر المنشق عن الحركة الأولى في الثمانينيات وهما معًا أمازيغيان.

لكن هذا الاختيار يعتبر في نظر النظام تحديًا قويًا لا يمكن السماح به، لأن من شأنه أن يشجع الإسلاميين أكثر على الضغط لتأسيس أحزاب سياسية على أساس إسلامي، وهو ما يتفادى النظام المغربي السماح به.

ورغم أن المعهد لم ينتقل إلى طور العمل وما زال بدون مقر رسمي، فإن هناك فئة من الأمازيغيين تفضل الانتظار والتريث في الحكم دون أن يمنعها ذلك من طرح التساؤلات بشأن احتمالات النجاح والفشل في مهماته خاصة وأن فتح ملف الأمازيغية ومباشرة مشكلاته ليس بالأمر السهل إذا تم الانتقال من مرحلة التنظير والشعار إلى مرحلة التنفيذ والممارسة.

مشكلات معقدة وطروحات متباينة

لقد استبق محمد شفيق- الذي عينه الملك محمد السادس قبل ثلاثة أسابيع عميدًا للمعهد- هذه التخوفات ليعلن أن المعهد لن يقدم حلولًا نهائية للقضية الأمازيغية، وربما كانت التخوفات من الإخفاق في مهمة المعهد هي ما دفع شفيق إلى أن يطلب من الملك حسب مصادر وثيقة أن يكون عميدًا مؤقتًا للمعهد لمدة عامين فقط، بدلًا من أربع سنوات، وألا يتقاضى أجرًا على مسؤوليته تلك، حتى يظهر أنه يعمل بشكل تطوعي ولا يسعى إلى جني مكاسب مادية أو سياسية وأن يحافظ على صورته الأولى كرجل الحلول الوسط وصفته كباحث أكاديمي يخدم القضية الأمازيغية من بعيد دون أن يغوص في صراعاتها وتياراتها المتباينة.

ومنذ تعيين الملك لجنة خماسية قبل أيام للبت في تشكيلة المجلس الإداري (35 عضوًا) لاحت أولى مشكلات المعهد، فهذه اللجنة تتكون من خمس شخصيات بعضهم من غير ذوي الأصول الأمازيغية، الأمر الذي جعل الأمازيغيين يقولون إن المجلس الإداري للمعهد لن يكون أمازيغيًا خالصًا، وأن عددًا من أعضائه سيكون ممن يسمونه «العروبية الرسمية» أي أن المعهد في نظر هؤلاء سيكون عبارة عن خليط من الأمازيغيين والعروبيين الذين سيمثلون عائقًا أمام سيره، ولن يكون منتدى للأمازيغيين بل واجهة أخرى للتعريب.

المشكلة الثانية التي ما زالت تعترض تأسيس المعهد هي المعايير التي سوف يتم اعتمادها في اختيار أعضاء مجلس الإدارة، ذلك أن هناك ثلاثة معايير مختلفة: معيار الانتماء السياسي ومعيار الاشتغال الأكاديمي، ثم معيار الأصول الجهوية. ويتجه الاختيار فيما يبدو حتى الآن إلى اعتماد المعيار الأخير على أساس أن اللهجات الأمازيغية الأربع توجد في أربع مناطق من المغرب واعتماد هذه اللهجات جميعًا داخل المعهد يدفع إلى اختيار المنتمين إليها على التساوي، وهذه المناطق هي سوس والأطلس ومنطقة الريف في الشمال والصحراء والتي بها اللهجات الأربع: تاريفيت، وتاشلحيت وتامازيغت والحسانية. وقد ظهرت بعد الإعلان عن المعهد عدة لوائح لجمعيات أمازيغية مختلفة تضم أسماء ترشحها هذه الجمعيات لعضوية مجلس الإدارة وصلت إلى حد التضارب والمزايدات الشخصية والسياسية.

غير أن أخطر المشكلات التي ستجابه المشرفين على المعهد وبالخصوص عميده المعين محمد شفيق تتمثل في قضيتين جوهريتين تشكلان معًا آلية اختبار لقدرة المعهد على تصفية مشكلة الأمازيغية في المغرب.

القضية الأولى تهم الخط الذي سيتم اعتماده في كتابة اللهجات الأمازيغية الأربع والثانية تخص موضوع تدريس الأمازيغية في التعليم وهما قضيتان شائكتان ليس الحسم فيهما بالأمر الهين.

خط الكتابة

تعتبر قضية الخط في كتابة الحروف الأمازيغية وتدوين ثقافتها قضية حاسمة بالنسبة للتيار الأمازيغي في المغرب، فهذا التيار يرى أن الخط ليس مسألة شكلية بل تعبير عن الهوية التي يريدها لنفسه، وهو ينطلق في البحث في هذا الموضوع من ضرورة قيام قطيعة مع اللغة العربية وحروفها، التي يعدها لغة الغازي المحتل خصوصًا وأن اللغة العربية في أعين دعاة الأمازيغية تحيل إلى الدين الإسلامي، وهو هوية دينية مخالفة للهوية الأمازيغية التاريخية حسب اعتقادهم.

من هنا فإن مهمة المعهد ستكون صعبة وسيؤدي اختياره لخط معين إلى إثارة خلافات ربما قد تؤدي به إلى الفشل منذ البداية. فهناك ثلاثة اختيارات: الخط العربي والخط اللاتيني، وخط تيفيناغ الذي يعتبره الأمازيغيون الخط الرسمي الأول الذي كتبت به اللهجات الأمازيغية في القرون السابقة لظهور الإسلام.

ونظرًا لكون الدولة في المغرب دولة عربية مسلمة حسب الدستور، وكون اللغة العربية اللغة الرسمية للبلاد، فإن اختيار المعهد سيقع بدون أدنى شك على الخط العربي، لأن اختيار أي خط آخر سوف يعني تخلي الدولة عن سياسة التعريب التي تنهجها منذ الاستقلال، وسيوقعها في تناقض مع المبادئ الدستورية المحددة لهوية الدولة، وبالتالي مع موقفها الرافض لدسترة الأمازيغية، إذ ما دامت الدولة مستعدة للتخلي عن مبدأ التعريب وبالنسبة لجزء من المغاربة، فإن رفض الاعتراف بالأمازيغية إلى جانب العربية في الدستور سوف يصبح بدون أساس معقول، وسيمنح ذلك مشروعية أكبر للمطالبين بالدسترة وبذلك تكون الدولة نصبت لنفسها فخًا. وعلاوة على هذا فإن اختيار غير الخط العربي، وليكن اللاتيني أو تيفيناغ، سيعني اعترافًا رسميًا بوجود هويتين لغويتين، وتشجيعًا لأي نزاعات انفصالية في المستقبل وتهديدًا لوحدة المغرب.

والمشكلة القائمة اليوم هي صعوبة إقناع التيار الغالب في الحركة الأمازيغية باستعمال الخط العربي، إذ يرفض هذا التيار توظيف الخط المذكور لما يعنيه ذلك من تكريس لسياسة التعريب التي يرفضها من الأصل، ولا يتردد البعض عن نعت اللغة العربية بأنها لغة الغزاة والمحتلين.

ومقابل رفض الخط العربي، ينقسم هذا التيار إلى اتجاهين، اتجاه يدعو إلى تبني الخط اللاتيني، واتجاه يدعو إلى بعث خط تيفيناغ ولكل واحد أسبابه. فالاتجاه الأول يرى أن الخط اللاتيني المتمثل في اللغة الفرنسية يعطي الأمازيغيين بعدًا دوليًا ويوفر لهم حليفًا قويًا هو فرنسا، والقسم الأكبر من أصحاب هذا الاتجاه معروف بولائه للأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية، وبثقافته الفرنسية قراءة وكتابة، وقد ظهر هذا الاتجاه مع الاحتلال الفرنسي للمغرب والسياسة البربرية الشهيرة في الثلاثينيات من القرن الماضي، إذ برزت دعاوي تاريخية تقول بأن جذور البربر تعود إلى القارة الأوروبية، وأن الحضن الطبيعي لهم هو فرنسا، والفرنسية هي لغتهم الأم، وقامت المؤسسات الأكاديمية الفرنسية التي يعمل بها أمازيغيون مغاربة وجزائريون بإجراء دراسات وتجارب لغوية لتوحيد اللهجات الأمازيغية وفق الخط الفرنسي لكن دون نجاح.

أما خط تيفيناغ الذي تقول النخبة الأمازيغية إنه أول خط رسمت به الحروف الصوتية الأمازيغية قبل الإسلام، فهو يطرح عدة مشاكل وصعوبات، أبرزها أن القلة من الأمازيغيين هي التي تعرفه اليوم، وأن عدد حروفه لا يتجاوز ٢٤ حرفًا، وقد حاول البعض تطويره، فأوصله إلى ۳۲ حرفًا وأوصله آخرون إلى ٤٠ حرفًا، لكن الخلافات السياسية والحزازات الشخصية حالت دون اكتمال مشروع التطوير هذا.

تدريس الأمازيغية

المشكل الآخر الذي يعرقل مهمة المعهد ويعتبر جزءًا من المشكلة الأمازيغية عامة سواء في المغرب أو في الجزائر، يخص طبيعة التعدد الذي تتميز به اللهجات الأمازيغية، مما يصعب معه إيجاد لغة موحدة ذات قواعد مضبوطة يمكن تدريسها والتدريس بها. ذلك أن ما يسمى باللغة الأمازيغية لدى التيار الأمازيغي هو في الواقع أدوات لغوية متعددة ومختلفة وغير متجانسة، وتختلف من منطقة لأخرى، ويصعب جمعها في لغة واحدة. فهناك خياران اثنان: إما السعي إلى التوحيد اللغوي، وإما تدريس جميع اللهجات في وقت واحد. في حالة الخيار الأول، فإنه إضافة إلى أنه غير ممكن بحسب الباحثين اللغويين واللسانيين الذين درسوا هذه القضية فإن المشكلة هي كيفية نشر هذه اللغة الواحدة بعد خروجها من المختبرات اللغوية بين ملايين الأمازيغيين أما الأخذ بالخيار الثاني، أي تدريس جميع اللهجات فإن ذلك سوف يؤدي إلى «بلقنة» المغرب وتهديد الوحدة الوطنية، لأنه سيخلق التنافس في خدمة التجزئة حسب أحد الباحثين، ولا يمكن بعدها العودة إلى الأمازيغية الأم، كما يستحيل حاليًا رجوع اللغات الأوروبية إلى اللاتينية الأم، كما أن ذلك سيؤثر على التواصل بين جميع الجهات. ولكن الأخطر من ذلك هو أن هذا الأمر سيفتح المجال أمام الناطقين بالدارجة المغربية للمطالبة بالاعتراف الدستوري بها، وسيصبح آنذاك لزامًا على الدولة المغربية الاعتراف بأكثر من خمس لغات في الدستور، وهو أمر لا يوجد في أي دستور في العالم.

خلاصة الأمر أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سيكون أمام تحديات ضخمة قد تعصف به في منتصف الطريق، وقد يعيد تجربة المفوضية العليا للأمازيغية الجزائرية التي فشلت في مهمتها قبل ست سنوات، ودلت على ذلك أحداث منطقة القبائل الأخيرة، والسؤال هو: هل يفلح المغرب فيما أخفقت فيه الجزائر؟ أم أن حاضر الجزائر هو مستقبل المغرب؟ سؤال كبير وجارح، ولكن الوقائع على الأرض تفرضه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل