; الأسس النفسية للتأثير الدعوي (6).. الصمود النفسي | مجلة المجتمع

العنوان الأسس النفسية للتأثير الدعوي (6).. الصمود النفسي

الكاتب رمضان أبو علي

تاريخ النشر الجمعة 01-مارس-2024

مشاهدات 72

نشر في العدد 2189

نشر في الصفحة 50

الجمعة 01-مارس-2024


  • ·       المسلم إذا استجاب لربه واستند إلى ركنه الشديد أيقن أن الباطل ضعيف زائل والحق قوي فاعل.
  • ·       الصمود يبعث في النفس القدرة على مواجهة التحديات وتجاوز العقبات ونصرة المبادئ وتحقيق الغايات.

يحتاج التأثير الدعوي إلى بصيرة تسهم في إدراك الواقع وفهم الواجب تجاهه، من أجل الوصول إلى الهدف وتحقيق الغاية، وإن الدعوة الإسلامية تتطلع إلى تكوين هذه البصيرة في الدعاة، حتى يدركوا ما تنطوي عليه نفوس الناس، وما يجب لهم من مهارات وأدوات تستطيع أن تقودهم إلى الصراط المستقيم.

وتأتي هذه السلسلة من المقالات الدعوية تحت عنوان «الأسس النفسية للتأثير الدعوي» من أجل الوقوف على الركائز النفسية التي يستند إليها الداعية ليحقق النجاح في مهمته السامية، ويأتي الأساس السادس بعنوان «الصمود النفسي».

نقصد بالصمود النفسي الثبات والاتزان والقدرة على المواجهة الإيجابية للضغوط المتنوعة، أما صمود الداعية فإنه يعني ثباته أمام تحديات الدعوة وقدرته على تجاوز صعوباتها.

التأصيل الشرعي:

لقد دعا الإسلام إلى الصمود النفسي من خلال الأمر بالصبر والثبات والتحمل والمجاهدة، قال تعالى: (اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُوا) (الأعراف: ۱۲۸)، وقال أيضاً: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ الله) (يونس : (۱۰۹)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: ٦٩)، ففي الآيات دعوة إلى الصبر والتحمل والمجاهدة من أجل تحقيق الصمود النفسي والثبات أمام الصعوبات التي لا تقتصر على المصائب والابتلاءات، بل تشمل العطايا والهبات فيجب الصمود تجاهها وعدم الاغترار بها قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً (الأنبياء: ٣٥)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».

التوظيف النفسي:

يسهم الصمود في تقوية النفس ودعمها، ويصل بها إلى التأثير في الآخرين، ويسهم في القدرة على التوافق والتأثير الفعال والتماسك والثبات أمام التحديات مع الشعور بحالة من الاستبشار والتفاؤل والاطمئنان (۲)، فإذا حدث ذلك فإن الشخص الصامد يتحرك بإيجابية، ويندفع في اتجاه الظاهرة الإبداعية التي تتجاوز الصعوبات الحالية، وتترقب الإشراقات المستقبلية.

التوظيف الدعوي

إذا أدرك الداعية أن الصمود أساس للتأثير النفسي فإنه يسعى إلى اكتسابه والتحلي به، ثم توظيفه في عمله الدعوي وذلك من خلال أمور منها:

أولاً: الاستجابة لله ورسوله؛ فهي تغذي قلب المؤمن بالثبات، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تثبيتاً) (النساء : ٦٦).

ثانيا: التزود الدائم من القرآن الكريم فهو أعظم وسائل الثبات والصمود، قال عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتِّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان: ۳۲)، وقال سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: ۱۲۰).

ثالثاً: اليقين بأن الباطل ضعيف ومهزوم وأن الحق قوي ومنصور؛ فإن هذا مما يُهون شأن الباطل، ويفتح باب الأمل أمام الداعية الصامد، قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) (الأنبياء: 18).

رابعاً : دوام الدعاء والاستعانة بالله تعالى حيث قال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لكُمْ) (الأنفال: ۹)، وعندما استعانت امرأة العزيز بالنسوة على سيدنا يوسف استعان عليهم بالله سبحانه فاستجاب له: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) (يوسف: 33).

فإذا استجاب المسلم لربه وداوم على دعائه وتزود من كتابه واستند إلى ركنه الشديد وأيقن أن الباطل ضعيف زائل والحق قوي فاعل، فإنه يمتلئ صموداً نفسياً وعزماً قوياً وسعياً دعوياً وتأثيراً جماهيرياً؛ ذلك أن الإسلام يربي أتباعه على الصمود في كافة جوانب الحياة، فيدعو إلى التفكير والاقتناع من أجل صلابة العقيدة، وإلى الخشوع والخضوع من أجل صلابة العبادة، وإلى السلام والالتزام من أجل صلابة الأخلاق كما يدعو إلى الصمود أمام النفس وهواها فلا اغترار بالطاعة ولا قنوط بالمعصية.

إنها الدعوة إلى الصمود والثبات ومجاهدة الشهوات ومواجهة الشبهات وترك المنكرات وفعل الخيرات.

الدليل على التأثير الناجح

تعددت الأمثلة التي تدل على أن الصمود النفسي يسهم في التأثير الدعوي، ومنها: ما كان من أمر سحرة فرعون الذين حشدوا ما لديهم من طاقة، وألقوا ما بأيديهم من سحر وحماقة، حتى خاف الناس من الخيالات العملاقة وهربوا خشية القتل أو الإعاقة حتى جاءتهم الإفاقة، حيث أمر الله تعالى موسى بإلقاء العصا في الساحة العملاقة وقال له: (لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَالْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . فَأَلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) (طه: 68-69)، فقد كشفت الآيات عن مدى الخوف الذي أصاب سيدنا موسى عليه السلام حين فعل السحرة ما فعلوا لكن الله تعالى عالج خوفه حين ذكره بعلو قدره وشرف رسالته، ثم زاده ثباتًا بقوله: (لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه: ٤٦). فلما تذكر سيدنا موسى أنه الأعلى بسبب إيمانه واستناده إلى ربه واستشعار معيته زاد يستمد الداعية من إيمانه ما يعالج خوفه ويدعم صموده، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: ۱۳۹).

والقارئ لقصة غلام أصحاب الأخدود (٢) يجد أن ثبات الغلام على موقفه الديني وصموده في مواجهة الظالمين وأعوانهم قد أدى إلى إيمان القوم به، وعدم خشيتهم من إعلان ذلك، حتى صاحوا قائلين: آمنا برب الغلام.

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب المثل في الصمود النفسي بما يدعم التأثير الدعوي، فعندما ذهب المشركون إلى عمه أبي طالب، وطلبوا منه أن يمنع الرسول من الدعوة إلى الله تعالى، وقف الرسول صلى الله عليه وسلم صامداً معتزاً بدعوته، يقول: يَا عَمّ، وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشمس في يميني والقمر في يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظهره الله، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ، ثُمَّ قَامَ: فَلَمَّا وَلَّى ناداه أبو طالب، فقال: يا ابن أخي: اذهب فقل ما أحببت، فَوَاللَّهِ لَا أسلمك لشيء أبداً» (1).

وعندما كادت الهزيمة أن تقع بالمسلمين في غزوة حنين، وهرب عدد من أفراد الجيش تقدم النبي صلى الله عليه وسلم معلنًا ثباته وصموده، قائلًا: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، فما أن سمع الصحابة النداء، ورأوا الموقف الوضاء حتى أقبلوا بعد فرار، وانتصروا بعد هزيمة.

والخلاصة: أن الصمود يبعث في النفس القدرة علي مواجهة التحديات وتجاوز العقبات ونصرة المبادئ وتحقيق الغايات.

الهوامش

(1)           أخرجه مسلم في صحيحه (4/2295 رقم 2999).

(2)           الصمود النفسي من زجهة نظر علم النفس الإيجابي، د. ريم سليمون، ص 95.

(3)           صحيح مسلم (4/2295 رقم 3005).

(4)           السيرة النبوية: لابن هشام، (1/240).

(5)           صحيح البخاري، (3/1052 رقم 2709).

 

الرابط المختصر :