الثلاثاء 27-أغسطس-1974
همسة في أذنك
إعداد: الأخت فاطمة زكريا
بني الحبيب..
أكتب إليك هذه الكلمات عسى أن تستفيد منها، وهي من واقع الحياة، وقد سمعتها كثيرًا من الأمهات.
جاءتني إحدى صديقاتي، وتجاذبنا أطراف الحديث، وجرنا ذلك إلى الأولاد، وأخذت تشتكي من ولدها الشاب الصغير، قالت إنه متدين جدًّا، فاستغربت، وتساءلت وهل تفضلين غير ذلك، أن يكون غير صالح مثلا! فأجابتني لا ولكن أريده أن يكون معتدلا؛ لأن الاعتدال في كل شيء واجب لدى كل إنسان، ونحن والحمد لله مسلمون وقد ربيناه على حب الدين ولكنه الآن لا يعتبرنا مسلمين، إنه دائما ينتقدنا في كل تصرفاتنا، وهو يعتبر ملبسنا تافها، وحديثنا تافها، حتى أنه لا يجلس معنا ولا مع إخوته الصغار إلا ويكدر علينا بكثرة ما يقول لا تفعلوا هذا ولا تلبسوا ذلك وإذا لم ننفذ ما يطلب سارع وانطوى على نفسه.
وفوق ذلك أنه يحتقر كل من في البيت، وخاصة أنا والدته، أهذا هو الدين؟ لا إن الدين يأمرنا بالمحبة، والتسامح، والترابط، واحترام الوالدين، وخاصة الأم. وبعد هذا كله هل تعتبرون هذا تدينًا، ابتسمت في وجهها لأخفف من ثورتها وقلت لها: إنني أقدر ما تقاسينه ولكن لا تنسي أنه لا يزال في سن الرابعة عشرة من عمره وفي هذه السن يعيش الشباب فترة عصيبة وأريدك أن تتخيلي أن أمامه طريقين، طريق الدين، وطريق الانحراف، فماذا تفضلين وفي أيهما؟؟ أجابت وهي نصف مقتنعة أريده للدين طبعا ولكن ليس باندفاع أريده أن يسير بخطى العقل والحكمة ليضمن له الوصول سالمًا، أنت تعرفين أنه أول ثمرة لي، وكمْ ضحيت من أجله، وإنني لأرى فيه شعلة تنير الطريق لإخوته ولكن للأسف انطفأت تلك الشعلة لأتخبط بالظلام مع من يصغره من إخوته.
وقد هداني الله إلى تخفيف آلامها فقلت لها: إنني أم وقلب الأم كبير فخلي ثقتك بالله وبابنك كبيرة، واطمئني إنه سوف يهدأ، متى ما لحق بالركب الذي سبقه في هذا الطريق. وهنا لاحظت علامات الارتياح في عينها قبل أن تحرك شفتيها لتقول: شكرا لله ولك لقد أرحتيني، وإن شاء الله سوف أدفعه وأساعده على السير ليصل إلى ما يريد حتى أطمئن على سلامته.
بني الحبيب..
رفقا بوالدتك، رفقا بمن هي أقرب الناس إليك، رفقا بمن هي أحق بصداقتك، احترم آراءها أقنعها بالحجة، بالعمل، وتذكر دائما أنها ليس من السهل عليها وهي الوالدة والمربية أن تأتيها لتفرض رأيك عليها وتأمرها وتنهاها.
وفيما كنت أكتب هذه الكلمات تذكرت موقف شاب متدين مع أمه، وسوف أسرد عليك ما حدث في العدد القادم إن شاء الله.
أم أسعد
ابنتي الحبيبة..
لقد ربيتك على الصدق والصراحة والأمانة، فكوني كما يريد الله لك أن تكوني، ها أنت تقبلين على حياة جديدة غير حياتك التي تعودت عليها، كنت بين والديك تأخذين الكثير وتعطين القليل، أما اليوم يجب عليك أن تعطي أكثر مما تأخذين، كنت غير مسؤولة عن أي شيء فأصبحت مسؤولة عن كل شيء، عن بيتك، زوجك، أطفالك، الأمة التي سوف تساهمين في وضع بذور لها؛ فحاولي أن تكون بذرتك صالحة لتنبت شجرة مورقة يستظل بها من هو بحاجة إلى الظل، حاسبي نفسك عن تصرفات زوجك قبل أن تحاسبيه عليها لأنك أنت المسؤولة الأولى عن تلك التصرفات، وعند ذلك ستدركين ما يجب أن تفعلي حتى تحفظيه وتحافظي عليه. افرضي احترامك على من حولك، وفي نفس الوقت أثبتي وجودك، بحكمتك، وعقلك، وتضحيتك حافظي على كرامة زوجك في حضوره وغيابه.
ابنتي الحبيبة..
إن الأمة تضع في عنقك أمانة كبرى فكوني جديرة بحملها، كوني الزوجة الصالحة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: إنها بعد تقوى الله، وكوني الأم التي كرمها الله عز وجل: وجعل طاعتها بعد طاعته.
أمك
لولوة العمران
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل