العنوان رسالة إلى المجاهدين في بلاد الروس
الكاتب زينب الغزالي الجبيلي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 102
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
استمرت
الشيوعية الملحدة جاثمة على صدور المسلمين في بلاد الاتحاد السوفيتي (سابقًا) أكثر
من سبعين عامًا، واستطاعت بإغرائها الشيطاني وبكابوسها المظلم أن تفتن بعض
المسلمين عن دينهم، بالتعذيب والسجون والإرهاب تارة، وبالإغراء المادي تارة أخرى.
وظل المسلمون يكافحون هذه الشيوعية المظلمة. كان الجد الكبير يكافح بالكلمة
والسلوك والدعاء ويعلِّم أبناءه وأحفاده. وكانت الجدة المسنة التي ضعفت قواها
بالضغط المادي والمعنوي مالكة لزمام إيمانها بالله، وثقتها التي لا تتزعزع بأنه
سبحانه وتعالى المعز المذل القوي القادر. صَغُرَ في قلبها وضميرها ما يفعله الكفر
الشيوعي من جلد وسجن وتجويع وتشريد، ترى ذلك واقعًا حيًّا يعيش فيه أبناؤها
وأحفادها وزوجها، لكنها لا تضعف ولا تيأس. تقوم في جوف الليل تقضي ما فاتها من
صلاة، بعيدًا عن العيون الكافرة. هكذا كانت المرأة المسلمة في بلاد الروس، وهكذا
كان الرجل المسلم المتمسك بتعاليم دينه. وهكذا عاش المسلمون لأكثر من سبعين عامًا،
يكتمون إيمانهم وعقيدتهم ويسترونه كأنه وليد عزيز تتربص اللصوص لاختطافه، ويسعى
بعضهم لقتله واغتياله. وشعور الأب والأم هو الخوف والقلق، بعد أن نجح الإرهاب
الشيوعي في فتنة بعض المسلمين عن دينهم، ليكشفوا عورات إخوانهم.
هكذا
كانت الشيوعية الملحدة، التي ادعت أنها جاءت لتحرر الإنسان من ظلم أخيه الإنسان،
ولكن كان هذا هو نسيج اليهود أرادوا به أن يقيموا دولتهم. نعم، كانت هناك ردة بين
المسلمين، ولكن أيضًا كان هناك إصرار من أصحاب القلوب الحية والضمائر اليقظة من
الآباء والأمهات، وكثرة من الأبناء والأحفاد، إصرار على التمسك بعقيدة التوحيد
وتوريث الإيمان للأجيال القادمة لعل الله يخرج من أصلابهم نورًا يعم البشرية من
جديد. فظلوا أهل توحيد وأصحاب لواء لا إله إلا الله محمد رسول الله.
نعم...
جاعت المرأة المسلمة في بلاد روسيا وشبعت ومرضت وصحت وغفلت وانتبهت، وبين يمينها
وفي سويداء قلبها لا إله إلا الله محمد رسول الله، عليها نحيا وعليها نموت وعليها
نلقى الله، فكان هذا أساس النور الذي يرتفع الآن في بلاد طاجيكستان وأوزبكستان
وتركمانستان وكازاخستان وتتارستان وأوكرانيا وأذربيجان وأرض الشيشان وقيرغيزيا،
وغيرها من المناطق التي يعيش فيها المسلمون في أرض الاتحاد السوفيتي سابقًا.
ومع
آلام شديدة وفرحة شديدة كذلك، نشهد الآن قوى إسلامية صابرة مصابرة مرابطة لإعلاء
كلمة التوحيد ورفع راية الإسلام من جديد، بعد أن انهار ظلام الشيوعية، وخفت صوت
الإلحاد وانهزم البطش والتنكيل والإرهاب والتعذيب. فكل ذلك لا يجبر صاحب عقيدة على
التخلي عنها، بل قد يدفعه إلى مزيد من التمسك بها، والدفاع عنها والموت في سبيل
رفعتها ومجدها.
إن
الشيوعية جاءت لترسخ قانون الطغاة الذي ذكره فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا
أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29)، ولكنها غفلت عن
حقيقة كونية وإنسانية وهي أن قلب المؤمن لا سلطان لأحد عليه إلا خالقه وحده، وأن
المنطق الاستبدادي ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (طه: 71) لا يصمد
أمام المنطق. وإنه فقط في ظل البطش والتعذيب والتنكيل والسجون يتصور أهل الباطل
أنهم ملكوا القلوب وانتزعوا الإيمان من النفوس، ولكنه ظن الحمقى والمغفلين. فها هو
ذا حكم التاريخ ومسيرة الأمم التي تؤكد أن الطغيان لا يمكن أن يقنع أحدًا أو يطمس رأيًا
أو يملك قلبًا، فإذا ما انهزم الطغيان وشاع جو الأمان والحرية، عاد كل شيء إلى
طبيعته، وظهر كل شيء على حقيقته.
وأقول
للمجاهدين والمجاهدات على أرض الإسلام الصابرة الصامدة في بلاد الروس... لقد كنتم
الأمل الذي ننتظره تحت حكم الإرهاب الشيوعي، فاستقيموا على درب الإيمان، وواصلوا
المسيرة نحو نشر نور التوحيد، وأمان العبودية لله وحده في كل أرجاء بلادكم، فهي
أملنا وهي غدنا الوضاء نحو عزتنا وريادتنا من جديد. أنتم الذين عشقتم النور في
الظلام، والأمل في اليأس، والتوحيد في الضلال، فحقق الله لكم أملكم، وأتم عليكم
نعمة الإسلام. قولوا للعالم أجمع هذه الحقيقة. قولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول
الله، عليها نحيا وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله.
وإني
أدعو الله عز وجل أن يبارك في إيمانكم وفي جهادكم وفي صبركم وفي ثباتكم، وأن يعز
بكم الإسلام والمسلمين وأن يتقبل منكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا
وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:
200).
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل