العنوان الإحساس
الكاتب بدرية إبراهيم العمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992
مشاهدات 56
نشر في العدد 1021
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 20-أكتوبر-1992
في عالم يموج
بالصراعات الفكرية والنفسية والقيمية، يرى المتأمل مدى ما وصل إليه المسار العربي
من اعوجاج وانحراف، ومدى ما وصلت إليه المسيرة العربية من هزائم ونكبات وضعف ووهن
في عالم الأفكار وعالم الأشخاص، وذلك بفقدانها قيم تنموية حضارية أصيلة تنبع من
المنابع الأصيلة للأمة كقيم النهوض، وقيم البناء وقيم النماء، وقيم الامتداد، وقيم
الاستمرار، وقيم الاستواء، وقيم الارتقاء السوي، ومن بين تلك القيم التي تساهم في
بعث الوعي والفعالية للمسيرة هي: «قيمة الإحساس».
فالإحساس هو شعور
الكائن الإنساني بوجود أشياء أو أشخاص أو أفكار أو أحداث، وهو كذلك قابلية الكائن
الحي للتهيج والتنبه، وبالتالي فعندما نحس بوجود شيء فإننا ندرك وجود الشيء..
وهناك أدوات من خلالها نستطيع أن نحس بوجود الأشياء.. هذه الأدوات تسمى أيضًا
بأدوات الإدراك حيث إن هناك نوعين من الأدوات التي سيتحقق من خلالها الإحساس:
1.
الأدوات الحسية:
وهي الحواس الخمس الظاهرة.
2.
الأدوات
المعنوية: وهي الحواس الباطنة مثل التمثيل والحافظة.
ومن ينظر ويتأمل
في واقع الإنسان العربي فإنه يكاد يسلم بأنه كاد يفقد الإحساس إن لم يفقده أصلًا
لما يحدث لذاته أو للآخرين.
إننا في وطننا
العربي الإسلامي في حاجة إلى استنفار الإنسان كي يبذل مجهودًا في تكوين أو تبني
الإحساس السوي إلى مجموعة من الأنواع نذكر منها:
الإحساس بالذنب
وهو أن يدرك
الفرد الذنوب بأنها أدوات هدم الأمم وأن يشعر بخطورتها على كيانه الفردي
والاجتماعي فيلجأ إلى سلوك تصحيحي، يتمثل في الندم على الذنب- والإقلاع عنه
والإصرار على عدم الرجوع إليه.
ولقد بات مجتمعنا
العربي وقد فقد هذا الجانب، فتراه يموج في عالم الذنوب والخطايا ولا يشعر أنه أذنب
أو أن ذنوبه لا تتعدى الصغائر مما يؤدي إلى الاستمرار فيها، فكل ذنب يلد ذنبًا
أكبر منه حتى يران على قلبه فيفقد القدرة على التمييز.
الإحساس بالملاءمة
وهو إحساس الفرد
بما يجلب له السرور والفرح والبهجة ومجموعة المشاعر التي تبعث السعادة في النفس
وهذا الإحساس معاكس للإحساس بالتنافر- مجموعة الشاعر التي تبعث النفور والحزن
والضيق.
الإحساس بالذات
وهذا هو الجانب
التقويمي في الفرد، يقوّم ذاته ومدى مطابقتها للسلوك السوي على أسس من الهدي
القرآني والارتقاء بالذات على سلالم الروح والفكر والنفس والقيم ذات الأبعاد
السوية التقية.
الإحساس بالآخرين
وهذا جانب مهم في
تركيبة الكيان الإنساني وما نراه اليوم في واقع الإنسان العربي مناقض لهذا النوع..
فإن إحساس الإنسان العربي بما حوله يكاد يجمع أجزاءً من الفقدان والخطأ، فإحساسه
بما حوله يكاد يكون مفقودًا وإدراكه الفردي المشكلات بيئته وتحدياتها بجانب الصواب
في بعض الجوانب فهو متمركز حول ذاته لا يفكر فيما عداها، ولا يكاد يرى غيرها، فإن
تساءلت مع أحدهم عن الأوضاع الراهنة أجابك بلا اهتمام وبلا اكتراث قائلًا: «نحن
مالنا وذلك.. نحن والحمد لله في أمن وسلام ولا ينقصنا شيء».. تلك عينة تخلت عن مسؤولياتها
فذهبت تضع لنفسها الأعذار التي لا تقنع بها حتى نفسها، وأن ترى تلك العينة قد
استيقظت من غفوتها وأدركت ما حولها فإنها- أي العينة- تستيقظ على آلام وحسرات لا
تتعدى الإحساس بهزيمة سلبت منه القدرة الفعلية على العطاء.
الإحساس بضرورة تبني القيم
ولكي يصحح
الإنسان العربي ما هو فيه من ترد وضياع عليه أن يحس بضرورة تبني القيم ولا يعيش
على هامش الحياة دون أن يكون له الدور الإيجابي الفعال في الجانب الإصلاحي والجانب
التغييري للواقع العربي، فالإنسان العربي أضيعت منه القيم التي ترتقي به بإرادته
أو بدون إرادته وخدعوه بغيرها فتعلق بها- أي أنهم خدعوه بالإحساس بالقيم المنتهية
كالقيم المادية في مواجهة الإحساس بالقيم الباقية- وظن أنه ناج بها، ولكنه كتعلق
الغريق بقشة فغرق في متاهات الحياة حتى تناقضت عنده القيم بل تلاشت أحيانًا.
الإحساس بالنعم
كل ما حولنا نعمة
وما نحن عليه نعمة تستحق أن يشكر موجدها، وبالتالي ستكون طريقة تعاملنا مع ما أنعم
الله علينا من نعم مادية ومعنوية تتمثل في توجيه النعم الى مسارها الصحيح، وها نحن
نرى الإنسان العربي طاقاته مهدورة في أمور لن يجني من ورائها في أغلب الأحيان شيء،
فالطاقة المادية غير مرشدة بطريقة سوية والطاقات الشبابية مضيعة، كالرياضة غير
الواعية وغير الهادفة والتي أعطيت وقتًا وزمنًا مبالغًا فيه، أو العنف أو الجنس،
والطاقات الفكرية شغلت بالعيش والبحث عن الرزق حتى لا تنشغل بغيره ومن هذا الكثير...
ولهذا يوجد في عالمنا العربي كنوز مادية ومعنوية وطاقات فكرية مبدعة ونماذج قيادية
وعقول منظرة ومؤسسة وعينات موجهة ومرشدة دون أن يكون لها دور فعال أو مردودات
إيجابية فعالة، وذلك الاعوجاج للمسار الاستثماري والتنموي.
الإحساس بالدور
والحديث عن هذا
العنصر جراحات لها في القلب عمق، لما نرى على الساحة العربية من الهدر للطاقات
وبعثرة للجهود، وقتل للنماذج ذات القدرات المعطاءة والتي لو وضعت في مكانها
المناسب وفقًا للقدرات والمؤهلات والتخصصات والمتطلبات المسيرة لأفرزت معطيات
تنموية حضارية، ولكن ماذا نقول؟
إن الإحساس
بالدور هو حالة شعورية تنتاب الفرد نتيجة لإدراكه لمسؤوليته تجاه ذاته وتجاه غيره،
الإحساس بالدور هو وعي الفرد واستجابته لما هو متوقع منه تجاه نفسه وتجاه بيئته،
فمن المكونات الأساسية لهذا الإحساس مكونة الاستجابة، والاستجابة تنشأ نتيجة
المتغيرين متغير الفروق بين الأفراد والمتغير الآخر في داخل الأفراد أنفسهم.
هذه الفروق هي
التي تؤثر في إحساس الفرد بدوره، وكذلك هو إحساس الفرد بمدى ملائمة الدور لشخصيته
أو مجتمعه.
إن ما نراه اليوم
على الساحة على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المؤسسات من ظواهر مرضية خطيرة ليتبادر
إلى الذهن تساؤلات كثيرة، أين الاختلال؟ ولماذا الاختلال؟
فعلى مستوى
الأفراد نرى أزمات نفسية قاتلة حادة من قلق واكتئاب وإحباطات متتالية، ومشكلات
اجتماعية رهيبة من طلاق وخلافات زوجية حادة وانحرافات أسرية خطيرة وغيرها كثير،
وعلى مستوى المؤسسات نرى الهدر الرهيب للإمكانيات وإسناد الأدوار للعينات غير
المؤهلة لشغل المراكز الوظيفية ذات الأبعاد التأثيرية.
لابد أن نتساءل:
ما المعايير الموضوعية في إسناد الأدوار وشغل المراكز؟ لماذا تلك المشكلات
والأزمات النفسية والاجتماعية والتربوية؟ لماذا...؟
ولذلك- ولما
للإحساس من مردودات إيجابية فعالة- كان لزامًا التعرف على منميات الإحساس السوي
والتي منها:
1- الاستشفاف:
وهذا يمكن تحصيله
عن طريق الأدوات الحسية والمعنوية ويتأتى عبر عروج الإنسان من خلال أساليب
الارتقاء، كالمعراج الروحي- فالصلاة- مثلًا صورة حية لعروج الروح وابتعادها عن
عالم الماديات وانشغالها بعالم أسمى مما نحن فيه بعيدًا عن المؤثرات السالبة في
حياتنا اليومية، لذا رسم لنا أحد السالكين مساحة من تلك المساحات الإيمانية لمعراج
الروح (سجود المحراب.. دموع للمناجاة.. استغفار الأسحار.. سيماء يحتكرها المؤمنون)،
ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار والنساء والقصر المنيف فإن جنة المؤمن في
محرابه، وعروج بتأنٍ عبر أسلوب الحوار الإيماني وهكذا، وكل هذا سيؤدي إلى إحساس
الإنسان بذاته بأخطائه، وبعيوبه وبإيجابياته وبأخطاء الآخرين ومزاياهم.
(2) الاستشراف
وهي قدرة الانسان
على استقراء المستقبل وتحديد الخطوات التي إذا ما تم تنفيذها فإن الإنسان سيكون
قادًرا على التنبؤ السليم- وفقًا للبيانات- بالمستقبل، وهذا ينعكس على إحساس
الإنسان بمشكلات بيئته ومشكلات أقرانه.
(3) الاستهداف
وهي قدرة الإنسان
على توجيه سلوكه من خلال طرائق ووسائل نحو هدف معين، وهذا الاستهداف هو الذي يجدد
الإحساس بضرورة تحقيق الأهداف ومراجعة الوسائل وهكذا تحقق ولو قدرًا من الإحساس
السوي، ولهذه القيمة التنموية مردودات على المسيرة الإنسانية وعلى الجيل الطليعي.
فمن تلك المردودات:
- مردود التبصرة: فالإحساس يبصر
الإنسان بما حوله سواء أكان سلبًا أو إيجابًا.. إنجازًا أو فشلًا.. استثمارًا
أو هدرًا والتبصرة مرتبطة بالإنابة والتوبة (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ
عَبْدٍ مُنِيبٍ) (ق:8).
- مردود التذكرة: فالإحساس يذكر
الإنسان بما ينبغي أن يفعله تجاه ما يستشعره أو يقع في دائرة حواسه أو إحساسه
وبالتالي يتذكر بالنعم حول ذاته وفى ذاته: ﴿إِنَّ في ذَٰلِكَ
لَذِكرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلبٌ أَو أَلقَى ٱلسَّمعَ وَهُوَ شَهِيد﴾ (ق:37).
فلقد أصبنا ببلادة
الحس في معظم القطاعات، فترانا نرى الأزمات والنكبات والصراعات تحيط بنا ولا نحرك
ساكنًا، ونذل ونهان في عقر دارنا ولا نثأر لكرامتنا، ولم نشاهد على الساحة
استجابات فعلية تذكر أو مواقف فعلية تذكر سوى تلك الاستنكارات والتشجيبات
والتنديدات ورفع الشعارات.
فإلي
متى يحلو لنا النوم إلى متى؟ ويا لها من صرخة أطلقها الشاعر لتعبر ما في الأعماق
من آهات وجراحات على المسيرة.
وأمتي أسلمت
للنوم أعينها
كأن
أبناءها صم جلاميد