; الأسرة المسلمة.. والسلام العالمي | مجلة المجتمع

العنوان الأسرة المسلمة.. والسلام العالمي

الكاتب فاطمة عبدالرؤوف

تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2021

مشاهدات 74

نشر في العدد 2160

نشر في الصفحة 24

الجمعة 01-أكتوبر-2021

التعاون مع الآخَر المختلف لرفض الظلم وحفظ الأمن أمر معتبر في شريعة الإسلام

الطفل الذي ينشأ ببيت يسوده السلام الداخلي يصعب سقوطه في براثن التنظيمات المتطرفة

دراسة: 83% من الأفارقة الذي انخرطوا بالتنظيمات المتطرفة افتقروا لدور الأم في الحب والحنان

فاطمة عبدالرؤوف

لا يمكن أن يتحقق السلام في العالم وبين الحضارات دون إيمان الإنسان الفرد بهذا السلام؛ فالإنسان الفرد هو أصغر وحدة في أي حضارة، ودون إيمان هذا الفرد بفكرة السلام سيتحول بشكل أو آخر لوقود للكراهية والعداء التي تتعدد صورها، التي قد تصل للعدوان أو الانخراط في تنظيمات وتشكيلات متطرفة أو إرهابية تعمل على تقويض سبل الحوار بين الحضارات، وتضع مجتمعات بل وحضارات كاملة في قفص الاتهام؛ لذا لا يمكن الحديث عن السلام العالمي دون التطرق لهذا الإنسان الفرد وكيف تصنع أفكاره؟ وكيف تتشكل مشاعره؟ وكيف تهذب سلوكياته؟ 

وهنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه في حالة تماس مباشر مع الأسرة والبيت الذي ينشأ فيه هذا الفرد، وكون هذه الأسرة تتمتع بالسلام فتمنحه لأفرادها، أم أنها تحمل قيم النزاع والصراع والعدوان فينشأ أفرادها يحملون مفرقعات نفسية قابلة للتفجير في أي لحظة.

قبل التطرق لدور الأسرة في صناعة إنسان يشعر بالسلام الداخلي ومن ثم يكون عنصراً فعالاً في تحقيق السلام العالمي، لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام يقرر أن اختلاف الناس أمر طبيعي لا بد من القبول به والتعامل معه بشكل واقعي؛ فهذه هي إرادة الله عز وجل؛ {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: 118)؛ بل دعا للتعارف بين جميع شعوب الأرض وقبول الآخر المختلف والحوار معه للتوصل لقيم عالمية مشتركة؛ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13).

والتعاون مع الآخر المختلف لرفض الظلم ورده وحفظ الأمن والسلام أمر معتَبَر في شريعة الإسلام؛ لذلك أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ما قام به «حلف الفضول» أيام الجاهلية، حيث تعاهدوا ألا يظلم أحد في مكة إلا ردوا مظلمته؛ «لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبدالله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» (رواه البيهقي).

وعندما تكون هذه هي فلسفة الإسلام في النظر للآخَر المختلف، فلا شك أنها تكون نفس الفلسفة التي تتبناها الأسرة المسلمة التي يقع على عاتقها وضع الخطوط العريضة الأولى لعقلية الناشئة؛ فينشأ على حب السلام ورفض الظلم والإيمان بقيمة الحوار والقبول بالآخر والتعاون معه في هذه القيم الإنسانية الفطرية.

سلام البيت

يتلقى الطفل والمراهق داخل نطاق الأسرة المشاعر والعواطف وما تتضمنه من حب واهتمام ودعم وكل ما يمنحه سلام نفسي وعاطفي، كما يتلقى أيضاً داخل نطاق الأسرة أفكاراً وتصورات عن الحياة والمجتمع وباقي الشعوب والحضارات، فإذا كانت أفكاراً معتدلة مفتوحة مرنة كان الطفل والمراهق كذلك، وإن كانت الأفكار مغلقة متشددة فغالباً لا ينجو الابن أو الابنة من لعنة هذه الأفكار، بل إن الطفل والمراهق يتعلم سلوكيات وممارسات داخل الأسرة الصغيرة غالباً ما يسعى لتطبيقها في عالمه الواسع بعد ذلك.

الطفل الذي ينشأ في بيت يسوده السلام الداخلي يصعب للغاية سقوطه في براثن التنظيمات المتطرفة في مرحلتي المراهقة والشباب؛ لأنه ببساطة يتمتع باتجاهات هادئة في حياته.

البيت الذي يعيش أجواء السلام الداخلي يقوم على زوج وزوجة يتمتعان بالصحة النفسية وسلامة الضمير ويشعران بالسلام والسكينة الذاتية، ولا يوجد ما هو أفضل من الالتزام الديني والصلاة وذكر الله عز وجل ليتحقق هذا السلام الذاتي.

تأتي الأحكام الشرعية التي تنظم الحقوق والواجبات داخل البيت المسلم لتكون بمثابة مرجعية لنزع فتيل أي خلافات، فالزوج له درجة القوامة وما يتبع ذلك من مسؤوليات كبيرة كالنفقة المناسبة ومتابعة الأبناء، والأم هي راعية لأولادها بكل تفاصيل حياتهم الصغيرة، والوالدان بينهما قنوات حوار وتشاور حتى في الأمور البسيطة كموعد فطام الطفل؛ {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} (البقرة: 233)، «فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده» (تفسير ابن كثير).

الطفل الذي ينشأ في بيت يفعل قيمة الشورى وما يتبعها من ثقافة الحوار، وفي أجواء يعرف كل طرف فيها حقوقه وواجباته بمساحة خلاف محدودة وطبيعية وصحية، وتفعل فيها آلية الشورى والحوار والعدالة لحل هذه الخلافات ينبعث في نفسه كل صور الطمأنينة والسلام، ويسعى لتحقيق هذا السلام في كافة دوائره بعد ذلك فيميل لكل ما يحقق السلام وينفر من كل ما يناقضه.

الحرمان والتطرف

العكس أيضاً صحيح، فإذا نشأ الطفل في بيئة يسودها الشقاق والصراع والعنف، وإذا ما تعرض في صغره للإيذاء البدني أو النفسي، وإذا حرم من مشاعر الحب والتعاطف والتقدير والاهتمام؛ فإنه يكون هدفاً سهلاً للتنظيمات المتطرفة والإرهابية، فهو نفسياً على أتم استعداد للاندماج معهم مقابل حاجته للتقدير والاهتمام بالإضافة لطبيعته النفسية التي تميل للعنف والصراع.

في دراسة استغرقت عامين، أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وحملت عنوان «رحلة إلى التطرف في أفريقيا.. العوامل والحوافز ونقطة التحول للتجنيد»، تم البحث عن الأسباب الاجتماعية والنفسية والتعليمية التي تدفع الشخص للانضمام إلى تنظيم «متطرف عنيف»، وذلك من خلال مقابلات مباشرة أجراها الباحثون مع متطرفين أفارقة سبق لهم الانخراط في تنظيمات إرهابية، أثبت الباحثون فيها أن الطفولة التعيسة تؤدي دوراً حاسماً في إعداد الطفل للانخراط في تنظيمات إرهابية في المستقبل.

وأظهرت نتائج الدراسة أن %83 من الذين انخرطوا طواعية في التنظيمات المتطرفة العنيفة كانوا يفتقرون إلى الدور الذي تؤديه الأم من حب واهتمام وحنان ورعاية، وأكدت الدراسة أن ثمة ارتباطاً قوياً بين الأفراد الذين انضموا للجماعات المتطرفة ومعاناتهم بسبب حرمان أحد الوالدين أو كليهما معاً، أو غياب التأثير الفاعل للوالدين في مرحلة الطفولة لمن تم تجنيده، والأمر نفسه بالنسبة لمن مرَّ بمراحل يأس وإحباط في طفولته، أو عانى من عقوبات جسدية أو إيذاء نفسي.

يمكننا القول إذن: إن حرمان الطفل في مرحلة الطفولة من حاجته للحب والاهتمام والانتباه والاحتواء يسبب خللاً نفسياً في مرحلتي المراهقة والشباب؛ فيجعله حادّاً عنيفاً يميل للصراع ويكون هدفاً سهلاً للتجنيد من قبل التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تشبع لديه الحاجات النفسية المفقودة من أيام الطفولة، فتشبع حاجته للتقدير والاهتمام، وتتكون بينه وبين أفراد التنظيم رابطة عاطفية ونفسية قبل أن تكون فكرية أو أيديولوجية.

بين الاندماج والذوبان

على أن هناك نقطة بالغة الأهمية ونحن نناقش دور الأسرة المسلمة في صناعة إنسان يؤمن بالسلام ويسعى للتعرف على الآخر ويتعاون معه وينفر من الصراع والعدوان الكراهية، وهي أنه ينبغي الاهتداء بفلسفة الإسلام الوسطية سواء في الفكر أو الممارسة أو حتى على مستوى الشعور؛ فهناك فارق ضخم وكبير بين التعرف على الآخَر والتعاون معه، وبين الانبهار به والذوبان في تفاصيل حضارته، وهناك فارق ضخم بين التعاطف معه والتعامل معه بعدالة وأن أحبه حب المسلم للمسلم، وهناك فارق رهيب بين السعي للتعرف على نقاط القوة والضعف في الحضارات الأخرى من منظور الثقة بالذات الحضارية والنظر لهذه النقاط بشعور النقص والهزيمة.

هذه الأفكار لا بد أن تكون حاكمة للنظرة الشاملة للعملية التربوية التي تقوم بها الأسرة المسلمة، وبما يتناسب مع سن الطفل أو المراهق، ولا يكون هذا بالطريقة المباشرة فقط رغم أهميتها، وإنما يكون تعليقاً على حدث أو مقرر دراسي أو حتى فيلم وثائقي، أو تعليقاً على آية أو حديث بوضع مجموع الآيات أو الأحاديث معاً، بحيث يملك الطفل مبكراً مهارة القراءة الوسطية لها، وإن لم يكن يمتلك القدرة الكاملة على مناقشة الأفكار، فهو على الأقل يمتلك الضمير الذي يجعله يميّز بين الحق والباطل، فلا يسهل استقطابه لأحد وجهي التطرف.>

الرابط المختصر :