; الأسرة -العدد 526 | مجلة المجتمع

العنوان الأسرة -العدد 526

الكاتب بدرية العزاز

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 526

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 28-أبريل-1981

عناية الإسلام بالطفل

 

عندما يبحث الباحثون عن أسباب الجريمة في بلد ما -والكويت اليوم تشهد كثيرًا من الإجرام- فعليهم ألا يتناسوا أو يتجاهلوا الموضوع التربوي وبعده عن تعاليم الإسلام، فالطفل الذي ربته امرأة لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، لا يمكن لها أن تصنع منه رجلًا ينفع مجتمعه كما يريد الإسلام. 

 

ورُبَّ أم رعناء، أو زوجة أب تربي طفلًا ولا تخشى الله في تربيته، فسوف تربيه فاقد الحنان. 

أما الإسلام فقد حرص على التربية والرعاية منذ الولادة.. بل قبل الولادة أيضًا. 

وإليك أختي المسلمة هذه القصة التي حدثت في عهد رسول الأمة عليه الصلاة والسلام:

 

جاءت امرأة زانية إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، تستجدي أن يقيم عليها الحد فتتطهر، وكانت لم تزل تحمل في بطنها ثمرة جريمتها، فقال لها عليه الصلاة والسلام: «اذهبي حتى تضعي»، وحين تجيئه والطفل على كتفها لم يزل طريًّا، كان الرسول يقول لها: «اذهبي حتى تفطميه»، ثم تجيئه والطفل في يدها يأكل كسرة من خبز، فيأخذ منها الطفل ويدفعه إلى أحد المسلمين ليكفله ويوصيه به، ثم يقول: «الآن وجب الحد».

 

ترى لماذا لم يقم الرسول، صلى الله عليه وسلم، الحد على المرأة بعد أن وضعت طفلها مباشرة؟

 

الجواب بين وواضح.. وهو أنه صلى الله عليه وسلم رغب في أن تتعهد الأم ابنها في فترة لا يحسن رعايته أحد مثلها.. ولما قوي الطفل.. أقام الرسول الحد؛ وذلك بعد أن وجد من يكمل تربية الطفل على الوجه الصحيح.

 

كيف نكون مع أطفالنا؟

 

رسول الرحمة علمنا كيف نكون مع أطفالنا.. وكيف نقود جموع الأطفال في حنان أبوي ورحمة تتفجر من القلب والعاطفة والوجدان. 

فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يعتبر أن الحدب على الطفل ومؤانسته والرحمة به صنيع لا يقل أثرًا عن فنون الطاعة والعبادة، فلقد روي أنه وقف صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في المسجد وقد أقبل عليه الحسن والحسين من بعيد يجريان ويعثران، فقطع حديثه المتتابع ونزل فاستقل الطفلين ثم صعد المنبر ثانية وقال: «أيها الناس، صدق الله العظيم: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (التغابن: ١٥) والله لقد رأيت ابني يجريان ويعثران، فما أطقت حتى نزلت فحملتهما».

 

وكان يصلي ذات يوم فأقبل الحسنان فارتحلا ظهره وهو ساجد، فأطال السجود، ثم أطال، وحين سلم سأله أصحابه: لقد أطلت السجود يا رسول الله! 

قال: «لقد ارتحلني ابناي فكرهت أن أعجلهما». 

ثم يلتفت إليهما ويقول: «نعم الجمل جملكما». 

وحين كانت تقترب الصلاة ينادي بلالًا فيقول: «أرحنا بها يا بلال». 

ولكنه حين يسمع بكاء طفل كان يعجل في صلاته ويقول: «إني أكره أن أشق على أمه».

 

لم هذا؟

 

لأنه نبي الرحمة المهداة، وصاحب الفطرة الفاحصة في أفق الحياة، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧).

 

رد.. وتنويه

 

إحدى الأخوات أرسلت تعترض عما كتبته المجلة عن نتائج القرارات التي اتخذتها بعض حكومات الدول الإسلامية بهدف حظر تعدد الزوجات.. وكانت المجلة أشارت إلى أن من أبرز نتائج ذلك شيوع الزنا بين الرجال، وازدياد عدد العوانس، وكثرة اللقطاء، وانتشار الأمراض السارية نتيجة الزنا.

 

وتلوم الأخت مجتمعنا لأنها أسهبت في الإشارة إلى الأضرار التي تصيب مجتمع المرأة نتيجة تلك القرارات، ولم تسهب في مثل هذا التفصيل بالنسبة للرجل.

 

وقد فهمت الأخت أننا تركنا الرجل مع حرية التصرف لأنه رجل فقط.

 

وإننا نجيب الأخت بأن ما فهمته لم نكن لنقصده أبدًا، ولتعلم هذه الأخت الناصحة أننا نقصد أن أضرار هذه القرارات الرعناء تصيب الرجل مثلما تصيب المرأة تمامًا.. فالزهري والسيلان بين ذكر وأنثى، ومهمتنا هنا تنحصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقديم برامج الهداية، سواء كان ذلك للمرأة أو للرجل. 

ولا يجوز بتاتًا أن يفرق بين الجنسين في الموعظة.. ونحن معك أيتها الأخت على هذا الطريق. وشكر الله لك.

 

سؤال وجواب

 

في سؤال ورد إلى ركن الأسرة كتبت إحدى الأخوات من جمهورية السودان تقول:

 

* أرجو أن توضحوا لنا حكم زواج المسلمة بغير المسلم، فقد دهشت عندما علمت أن أحد النصارى تزوج بفتاة تدين بالإسلام.

 

المحررة:

 

أجمع العلماء على أنه لا يحل للمسلمة أن تتزوج غير المسلم، سواء أكان مشركًا أم من أهل الكتاب، ودليلهم على ذلك قول الحق سبحانه: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: ٢٢١)، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: ١٠).

 

ولقد بات معلومًا من الدين بالضرورة تحريم أن ينكح المشرك مسلمة؛ لأن طريقه إلى النار وإلى عذاب الله. وينطبق هذا الحكم على الكتابي أيضًا. ونظرة الإسلام في هذا منطقية وواقعية، فإن للرجل حق القوامة، وعلى الزوجة طاعته فيما يأمرها به من معروف، وما كان لواحد من هؤلاء أن يكون له سلطان على مسلم أو مسلمة، والزوج غير المسلم لا يعترف بدين الإسلام، بل يكذب به ويجحد رسالة سيد الخلق، فكيف تستقر الحياة في بيت هذا مستواه!

 

هذا هو الحق في هذه المسألة.

 

وما سمعتِه يا أختنا الكريمة لا يجوز، ومن يقول بجوازه يفتري على الإسلام ورسالته الخالدة.

 

الرجل والمرأة متساويان في الحقوق

 

تتساوى المرأة بالرجل مساواة تامة في الحق الإنساني، فهما من نفس واحدة يكمل كل منهما الآخر؛ وإن كان لكل منهما طبيعته الفطرية التي تؤهله لوظائف ضرورية محددة لاستمرارية الحياة، فالمرأة والرجل أمام القانون سواء.. يحكمهما قانون واحد.

 

* وليس ثمة إلا بعض التحفظات التي تطلبها طبيعة المرأة العاطفية الحادة التي قد تطغى على العقل في مواقف تستوجب عقلًا واعيًا محايدًا محايدة كاملة، وذلك مثل قضايا «الشهادة» التي تؤثر فيها غالبًا قضايا الحب والكره.. أي العواطف.

 

* أما حق الميراث فالمرأة لا تنقص فيه قيد أنملة عن الرجل على المدى الواقعي. 

فإذا كانت مبدئيًّا تأخذ نصف حق الرجل، فإنها فعليًّا وعلى امتداد مسيرة العمر تأخذ أكثر من النصف.. هي وأولادها.. سواء في المواقف الاجتماعية التي تتطلب عطف الرجل.. أو المواقف التي تتطلب صلة الرحم.. فضلًا عن أن ما تأخذه غالبًا يؤول لأسرة أخرى غريبة.. وقد تجد نفسها يومًا ما مضطرة لأن تعود إلى أسرتها الأصلية بعد أن فقدت كل شيء.. كما أنه حين تترك جزءًا من ميراثها لأخيها الذكر، فإنها تدعم مركز أسرتها الأساسية.. وتتيح لامرأة أخرى أن تبني بيتًا كريمًا يعود عليها منه نفع كبير.

 

ولعل قصة الخنساء مع أخيها صخر خير دليل على ذلك؛ فإن الخنساء قد شاطرت أخاها ماله، فلما احتاجت مرة ثانية عادت وشاطرته ماله.. وهكذا كانت تشاطره ماله عن طيب خاطر كلما توالت عليها النكبات.

 

* فهل يقال بعد هذا إن المرأة تأخذ نصف ما يأخذه أخوها مظلومة في حق الميراث؟

 

يوميات معلمة

 

بعد أن تم توزيع الكراسات على الطالبات، أخذت أمر وأنبه إلى كتابة البيانات كاملة. 

وفي أثناء ذلك اصطدمت قدمي بحقيبة إحدى الطالبات فسارعت إلى إبعاد الحقيبة معتذرة، وهنا لفتت نظري صورة لرجل أشعث قبيح الهيئة ملصقة على الحقيبة ذاتها، فسألتها: 

من هذا؟ 

فردت الطالبة: ألا تعرفينه يا أبلة؟! 

إنه المطرب فلان! إنه مشهور جدًّا، وأنا وإخوتي نحتفظ بصوره في غرفنا.

 

لم أكن أحب أن يضاع الوقت في مناقشة جانبية، فطلبت منها أن توافيني في حجرتي بعد انتهاء الحصة. 

وهناك جلسنا نتحدث، فسألتها: 

مَن مِن الشخصيات التي درستِها طوال العام؟ 

ردت بحماس: كثير.. الرسول عليه الصلاة السلام.. خالد بن الوليد.. أسماء بنت أبي بكر.. صلاح الدين الأيوبي، و...

 

قاطعتها: هل كان من بينهم هذا المطرب الذي تحتفظين بصوره؟ 

ردت مستنكرة: طبعًا لا. 

سألتها: لماذا؟ 

فقالت: نحن لا ندرس عن المطربين يا أبلة؟ 

فبادرتها بسؤال قائلة: لماذا؟

 

فعجزت عن الإجابة، مما دفعني إلى إنقاذها مما هي فيه من حيرة بقولي: أتدرين لماذا يا عزيزتي؟ لأنهم لا يقدمون للبشرية أعمالًا عظيمة يستحقون بها أن نذكرهم.. ما المخترع الذي قدمه هذا المطرب؟ 

وما المعركة التي قادها ذاك المطرب؟ هل قدم منهاجًا كاملًا لحياتنا كالرسول، صلى الله عليه وسلم؟ أم تراه مثل خالد بن الوليد في عبقريته وأحلامه؟ 

أين هو من هؤلاء العظام يا عزيزتي؟

 

وبنظرة ملؤها الإعجاب -كأنها تراجع نفسها- قالت: الحقيقة أن هذه الفكرة لم تخطر في بالي. نعم.. إن هذا الإنسان -أي المطرب- لم يقدم شيئًا يمكن أن يقدر من أجله.

 

ثم أردفت قائلة: ليتني أستطيع الحصول على صورة لإحدى هذه الشخصيات الفذة. 

قلت: ليس المهم هو الصورة؛ وإنما المهم هو أن نقتدي بهؤلاء العظام في كل درب من دروب حياتنا، وليكن لك من هؤلاء العظة والعبرة. 

أودعك الآن، وأسأل الله لك ولسائر بناتي العزيزات الهداية والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.

 

أم عبد الرحمن

الرابط المختصر :