العنوان في كتابه الجديد إسرائيل شاحاك يحدد: الأسرار المكشوفة السياسات الإسرائيلية النووية والخارجية
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997
مشاهدات 53
نشر في العدد 1252
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 03-يونيو-1997
قادة الجيش والأمن يضعون الاستراتيجيات والحكومة من أي حزب تنفذها
اليسار الإسرائيلي أكثر عدوانية من اليمين وكلينتون السفير الإسرائيلي الحقيقي في واشنطن
إسرائيل شاحاك كاتب إسرائيلي مثير للجدل ويعتبر خبيرًا في التاريخ اليهودي والحركات الصهيونية على الرغم من أنه بروفيسور كيمياء «متقاعد»، ولد في وارسو ببولندا عام ۱۹۳۳م، وهاجر إلى فلسطين المحتلة عام ١٩٤٥م، وانضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح»، وللكاتب العديد من الكتب أغلبها يثير الجدل ويحتوي على انتقادات لاذعة للسياسات الصهيونية في الأرض المحتلة، وكانت أجهزة الأمن الإسرائيلية حتى عهد قريب تمنعه من اقتناء جهاز فاكس خوفًا من تسريبه لأسرار الدولة اليهودية التي يمتلك الكثير منها.
وقد صدر كتابه «الأسرار المكشوفة.. السياسات الإسرائيلية النووية والخارجية»، حديثًا باللغة الإنجليزية عن دار بلوتو في لندن.
يعتقد الدكتور شاحاك بأن جنرالات الجيش الإسرائيلي وقادة الأمن والمخابرات الإسرائيلية هم الذي يرسمون استراتيجيات الدولة اليهودية وأن الحكومات الإسرائيلية على اختلافها لا تعدو كونها أدوات تنفيذية لما يرسمه ويقرره هؤلاء العسكر، وهو بالتالي يقلل من أهمية فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة: «إن رئيس الوزراء والحكومة في إسرائيل لا يقررون سياسات ففي كل الحروب التي بدأتها إسرائيل كانت الحكومة الإسرائيلية تتلقى قرارات البدء بالمعركة من قادة الجيش والأمن ولا يسع الحكومة إلا أن توافق عليها».
ويؤكد شاحاك على حقيقة يعرفها الكثير من العرب ويتجاهلونها، وهي أن هامش الالتقاء بين أحزاب اليمين واليسار الإسرائيلية حول السياسة الخارجية أكبر بكثير مما يفترضه المراقبون من خارج إسرائيل.
لا بد من فهم أهداف إسرائيل ومن قبلها الحركة الصهيونية في أي مرحلة كانت، بناء على ما يقوله القادة الإسرائيليون لأتباعهم أو للنخبة اليهودية الإسرائيلية لا على ما يقولونه للعالم الخارجي، وهي حقيقة أكدها شاحاك في مقدمته ليعطي كتابه قوة مادية ومعنوية، فهو من هذه النخبة المطلعة على أسرار الدولة العبرية، ومن ثم فإن ما سيورده في هذا الكتاب فيه شيء من المصداقية وخصوصًا إذا كان قد تناوله من زاوية النقد أو الهجوم أحيانًا على سياسات الحكومة، سواء تحت الليكود أو العمل وهكذا يصرح شاحاك بأن ما يقوله جنرالات الجيش الإسرائيلي أو المعلقون العسكريون المرتبطون بهم للصحافة العبرية حول السياسة الخارجية الإسرائيلية يكشف إلى حد ما السياسات الإسرائيلية الحقيقية.
ولذلك فإن الصحافة العبرية غالبًا ما تعكس نبض السياسة الإسرائيلية على الصعيد الخارجي، وقد رأی شاحاك أن الغزو الإسرائيلي للبنان في عام ۱۹۸۲م أظهر حقيقتين سياسيتين مهمتين الأولى أنه كان من الممكن التنبؤ بأن إسرائيل ستغزو لبنان وذلك قبل عدة أشهر من دخول الجيش الإسرائيلي للبنان، ويقول شاحاك بأنه شخصيًا تنبأ بذلك الغزو قبل وقوعه معتمدًا على معلومات حصل عليها من الصحف العبرية، والحقيقة الثانية هي أن عملية إقناع الرأي العام الإسرائيلي اليهودي بالحاجة إلى غزو لبنان- وقد تمت علانية ومن خلال أجهزة الإعلام الإسرائيلية المختلفة- ساعدت الناس بمن فيهم خصوم السياسة الإسرائيلية على التنبؤ بغزو لبنان.
ولهذه الغاية افتتح شاحاك كتابه بجزء مستقل يصف فيه طبيعة الصحافة العبرية والرقابة العسكرية المفروضة عليها في دولة تعتبر نفسها واحة الديمقراطية في المنطقة الأكثر عدوانية.
يخالف شاحاك في هذا الجزء رأي معظم المراقبين حين يؤكد على أن اليسار الصهيوني أكثر عدوانية وانتهاكًا لحقوق الإنسان وحرية التعبير من أحزاب اليمين الرئيسة وخصوصًا الليكود، ويرجع شاحاك زيادة هامش الحرية الذي منح للصحافة الإسرائيلية خلال السنوات العشرين الأخيرة إلى الحروب غير الناجحة التي خاضها الجيش الإسرائيلي خلال هذه السنوات، وحسب القانون فإن الرقابة العسكرية الإسرائيلية تمتلك صلاحيات كاملة في ممارسة دورها إلا أنها من الناحية العملية لا تحذف إلا أجزاء صغيرة من المادة الخبرية التي تنشر ف الصحف.
لقد تحولت الرقابة الإعلامية لتركز الآن على حذف الفقرات أو المشاهد التي تتعلق بالعنف الذي تمارسه القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بعد أن كانت قبل عام ١٩٦٧م تركز على حذف المشاهد الجنسية أو ما شابهها، أما الرقابة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على البريد فتركز منذ سنوات قليلة على مصادرة الرسائل التي يبعث بها المهاجرون اليهود إلى أهليهم في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الذين ما زالوا هناك خوفًا من أن يكون في تلك الرسائل ما يمكن أن يمنع الذين ما زالوا في الخارج من الهجرة إلى إسرائيل.
ويكشف شاحاك عن العنصرية المتأصلة في الدولة اليهودية حيث تسمح الحكومة للصحف العبرية بانتقادها وشتمها ومهاجمة السياسيين الآخرين، لكن الصحف العربية الصادرة في إسرائيل ممنوعة من ممارسة هذا الحق حيث يتم تطبيق قانون المطبوعات عليها تطبيقًا صارمًا.
أما الجزء الثاني فيتناول السياسة الخارجية الإسرائيلية، إن أهم ما خلص إليه شاحاك في كتابه هذا هو أن الرغبة بالسلام ليست برأيه مبدأ من مبادئ السياسة الإسرائيلية لكن الرغبة ببسط الهيمنة والنفوذ الإسرائيليين هي المبدأ.
ويورد الكاتب الإسرائيلي بعض المبادئ التي يعتقد بأن السياسات الإسرائيلية تقوم عليها، فهي في المقام الأول إقليمية في مداها وتشمل الشرق الأوسط بأكمله من المغرب وحتى باكستان، وإضافة إلى ذلك تحتوي على بعد عالمي مهم برز على وجه الخصوص خلال التسعينيات، وقد ضم الكتاب الكثير من الأدلة والأمثلة على اهتمام إسرائيل بكوريا الجنوبية وكينيا وأستونيا وهي دول خارج نطاق الشرق الأوسط، لكن شاحاك يؤكد بأن السياسات الإسرائيلية خارج منطقة الشرق الأوسط تخدم أهداف إسرائيل الإقليمية، وهي سياسات ذات هدفين مترابطين: محاولة السيطرة والهيمنة على المنطقة ودعم استقرار معظم الأنظمة الحالية في الشرق الأوسط باستثناء إيران بشكل خاص.
عداء إسرائيل لإيران
وعلى الرغم من أن السياسات الإسرائيلية التي تستهدف قلب النظام الإيراني يتم تبريرها الآن كما يقول شاحاك بكونها تهدف إلى محاربة الأصولية الإسلامية لمصلحة الغرب، إلا أنه يعتقد بعدم صحة هذا التبرير، ويؤكد على أن الهدف الحقيقي لعداء إسرائيل لإيران والذي يمكن أن يؤدي إلى ضربة عسكرية توجهها إسرائيل إلى إيران هو مطامع إسرائيل التوسعية ومحاولة هيمنتها على المنطقة، إن تسلط الدولة في منطقة ما لا يمكن أن يتسامح مع وجود دول قوية أخرى في المنطقة نفسها، وإيران كما يراها شاحاك دولة قوية تتحدى الولايات المتحدة منذ قرابة عشرين عامًا كما أنها يمكن أن تكسر احتكار إسرائيل للأسلحة النووية في المنطقة، هذه المطامع السلطوية عند إسرائيل هي التي حركت العدوان الثلاثي على مصر في عام ١٩٥٦م حيث كانت مصر في ذلك الوقت في طريقها لأن تصبح دولة قوية يمكن أن تتصدى للمطامع الإسرائيلية التوسعية.
ويكشف شاحاك عن أن الصحف العبرية بدأت منذ عام ۱۹۹۲م تتحدث علنًا ولأول مرة منذ تأسيس إسرائيل عن القدرة النووية لإسرائيل وهي الفترة التي تزامنت مع انعقاد المفاوضات السرية بين جنرالات إسرائيليين ومسؤولين أمنيين في منظمة التحرير الفلسطينية قبل الإعلان عن اتفاق أوسلو، مما يعطي انطباعًا- كما يقول- بأن التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي يعتبر السلام مع الفلسطينيين مجرد مرحلة ثانوية وأن التوسع الإقليمي لإسرائيلي هو الهدف الأهم والأبعد وإن كان الفلسطينيون هم الضحية الأولى لهذه المطامع التوسعية على حد قوله.
ويكشف شاحاك عن مقال كتبه يعوف كاراني في صحيفة ها آرتز في ١٩٩٢/٣/٢٥م، وهو المقال الذي أفلت من يد الرقيب العسكري وتحدث عن اتصال كان قد جرى بين إسرائيل والهند في عام ۱۹۸۳م عندما أبدت الهند استعدادًا لإقامة علاقات ديبلوماسية مع الدولة اليهودية، وقد أوضح كارني في ذلك المقال كيف أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أريل شارون اقترح على الهند التعاون مع إسرائيل لتنفيذ هجوم مشترك لضرب المفاعل النووي الباكستاني، وحسب خطة شارون كانت إسرائيل ستستخدم طائراتها العسكرية لضرب المفاعل الباكستاني انطلاقًا من قواعد عسكرية في الهند ويقول شاحاك بأن المخابرات المركزية الأمريكية هي التي أجهضت تلك العملية «!».
ويتطرق شاحاك إلى اتصالات خفية بين إسرائيل والرئيس العراقي صدام حسين وكيف أن الإسرائيليين يفضلون نظامًا عراقيًا محاصرًا بقيادة صدام حسين المعزول دوليًا على محاولة إزاحته من الحكم ومن ثم المجيء بدكتاتور آخر يحظى هذه المرة بتأييد العالم له، وقد اعتمد شاحاك على مقالين كتبهما زئيف شيف في صحيفة ها آرتز الإسرائيلية في ٥ و ٦ نوفمبر من عام ۱۹۹۰م في التأكيد على أن الرئيس العراقي صدام حسين طلب قبل بضعة أشهر من غزوه للكويت لقاء وزير الدفاع آنذاك إسحاق رابين عن طريق وسيط أمريكي من أصل عربي يدعى بوب عبود رئيس مصرف فیرست سيتي بانك في تكساس، بهدف تجنب هجوم إسرائيلي محتمل على العراق، لكن الاجتماع ألغي- حسب قول شاحاك- بعد تصريحات عنيفة أطلقها الرئيس العراقي ضد إسرائيل في اجتماع لدول مجلس التعاون العربي «الذي كان يضم مصر والأردن والعراق واليمن».
وفي العلاقة بين إيران وإسرائيل يوضح شاحاك بأن الرأي العام الإسرائيلي مهيأ منذ ربيع عام۱۹۹۲م لاحتمال اندلاع حرب بين إسرائيل وإيران «لتحقيق هزيمة عسكرية وسياسية شاملة لإيران»، لكنه يرى بأن أي حرب عدوانية ضد إيران «خصوصًا إذا كانت إسرائيل هي التي تشنها عليها» بهدف تغيير النظام فيها من الخارج بالقوة سيزيد الوضع سوءًا ليس في إيران وحدها بل في المنطقة كلها ولذلك فهو مع تغيير النظام الإيراني ولكن بواسطة الإيرانيين أنفسهم.
وفي الجزء الثالث من الكتاب يكشف شاحاك الحجم الضخم للتجارة الإسرائيلية مع الدول العربية التي انتعشت كما يقول على الرغم من المقاطعة العربية، وتشمل «تجارة المخدرات» التي كانت تتم تحت إشراف جهاز المخابرات الإسرائيلية لكن شاحاك لا يرى أن الهدف من ذلك هو «الإفساد الثقافي أو الأخلاقي» بين العرب.
ويكشف شاحاك أن بعض الدول العربية ولأسباب أسماها عملية توقفت عن مقاطعة إسرائيل بعد حرب عام ١٩٦٧م حيث تتبادل مع إسرائيل أنواعًا مختلفة من التجارة إضافة إلى إقامة بعض العلاقات الأخرى معها وهو ما أسهم إلى حد ما كما يقول شاحاك بازدهار الاقتصاد الإسرائيلي.
وفي الجزء الرابع من الكتاب يسلط شاحاك الضوء على حقيقة النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة وهو ما جعل حكام كثير من دول العالم «يغازلون» رئيس الوزراء الإسرائيلي «أيًا كان» بسبب نفوذه على السياسة الأمريكية وخصوصًا في ظل إدارة كلينتون الحالية، ويقول شاحاك بأن الأمر وصل بإحدى الصحف العبرية إلى أن تصف الرئيس كلينتون بأنه السفير الإسرائيلي الحقيقي في واشنطن، والحقيقة من وجهة نظر الكاتب أن هذا النفوذ ليس مطلقًا لكنه قوي جدًا.
أما في الجزء الخامس والأخير من الكتاب فيسلط شاحاك الضوء على الأهمية الحقيقية لاتفاق أوسلو بالنسبة لإسرائيل، ويؤكد بأن الاتفاق ذو طبيعة أمنية أكثر من أي شيء آخر.
كما يكشف أن المفاوضات التي كانت تدور في أوسلو وغيرها قبل توقيع الاتفاق كانت تتم بين مسؤولين أمنيين في الشاباك الإسرائيلي «وليس مسؤولين سياسيين» ومسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية، وكان الهدف الأول من الاتفاق هو قمع الانتفاضة الفلسطينية التي كانت متواصلة منذ حوالي خمس سنوات إضافة إلى القضاء على المقاومة الإسلامية المسلحة وخصوصًا حركة حماس التي كانت تبسط نفوذها على قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية.
ويكشف شاحاك على لسان عوزي بينزمان المعلق السياسي في صحيفة ها آرتز، الذي كان مقربًا من رابين وبيريس بأن التفاهم السري بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين حضروا المفاوضات السرية في أوسلو كان ينص على عدم إعطاء الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا حقيقيًا حتى مع التوصل إلى اتفاق أوسلو، وبدلاً من الحكم الذاتي تعطي إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية سلطة على قطاع غزة وأريحا تمارس فيها صلاحيات مدنية وعسكرية كاملة باستثناء العلاقات الخارجية ومن ثم تتحرر هذه السلطة من إجراء انتخابات لأن أي انتخابات في ذلك الوقت كانت ستعني فوز حماس على أنصار هذه السلطة.
والغريب الذي يقوله شاحاك هو أن خطة إعادة الانتشار في غزة والضفة التي توصل إليها رابين وبيريز في عام ١٩٩٤م مع سلطة الحكم الذاتي وموضوع الطرق الالتفافية التي تصل بين المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية هي نفس الخطة التي وضعها أريل شارون عام ۱۹۷۷م «1» وكان وقتها وزيرًا للزراعة، ولأن رابين وبيريز خرجا من انتخابات عام ١٩٧٧م مهزومين فلم يعارضا تلك الخطة، لكن الذي عارضها هو رئيس الوزراء في ذلك الوقت مناحيم بيجن ووزير دفاعه وايزمان «الرئيس الإسرائيلي الحالي»، وتقضي الخطة بشق مجموعة من الطرق الالتفافية التي تحول مناطق الضفة الغربية غزة إلى كانتونات أو جيوب محاصرة بهذه الطرق وبالمستعمرات اليهودية ويتحصينات عسكرية إسرائيلية، كما تنص الخطة على أنه في حال اضطرار الجيش الإسرائيلي إلى الانسحاب من أي مدينة في الضفة الغربية تستمر سيطرة الجيش على تلك المدينة من الخارج، ويحذر شاحاك من المعاناة الإنسانية التي يسببها بقاء الجيش الإسرائيلي مسيطرًا على الضفة الغربية لكنه يتوقع فشله في السيطرة على مدن الضفة من الخارج، ويختم بأن هذا الفشل سيكون نهاية للسياسات الإسرائيلية المستندة إلى الأولوية المطلقة للأيدولوجية الصهيونية.