العنوان الأستاذ محمد علي -رحمه الله- الرائد الإسلامي
الكاتب أ. عبد الرحمن تروائي المليباري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973
مشاهدات 9
نشر في العدد 159
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 17-يوليو-1973
إنَّ الدعوة الإسلامية في تاريخها الطويل حفلت بمآثر جليلة وخدمات
جليلة سجلها العلماء والدعاة الإسلاميون في مواقفهم الخالدة ومظاهرهم الفذة مع
مختلف الطبقات من الناس، ومن هؤلاء العلماء الأعلام والدعاة الكبار العالم الجليل
الأستاذ محمد علي وهو يعتبر من أكبر رجال الحركة الإسلامية في الهند.
ولد الأستاذ محمد علي سنة 1910م في أسرة كريمة دينية في قرية أديور،
من قرى مديرية مالابورم - كيرالا، جنوب الهند - وبعد أن أتم دراسته الابتدائية من
وطنه سافر إلى كلية "الباقيات الصالحات" بفيلور. فالتحق بها، ثم التحق
بجامعة دار السلام بعمر أباد ونال شهادة - أفضل العلماء - وكان على ثقافة واسعة
وبراعة فائقة في الكتابة والخطابة والتوجيه وكان له من الشجاعة والجرأة بحيث لم
يعرف التملق والنفاق سبيلًا إلى سلوكه وكان متعطشًا إلى العلوم الدينية ومتشوفًا
للاستماع إلى المواعظ العلمية والتوجيهات المؤثرة، ولهذا مكث في الحرم المكي مدة
سنتين بعد حجه الأخير، دارسًا وباحثًا ومحقّقًا، وقد تصفح أثناء قيامه في مكة
المكرمة جميع مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم وشيخ الإسلام محمد
بن عبد الوهاب رحمهم الله.
وبعد عودته إلى كيرالا مسقط رأسه بدأ بالتدريس في إحدى مدارسها وفي
ذلك الوقت كان الأستاذ أبو الأعلى المودودي يكتب في مجلته - ترجمان القرآن - سلسلة
من المقالات والأبحاث القيمة التي تتعلق بانحطاط الأمة الإسلامية في معظم الجوانب
الدينية الرئيسية وكان يناقش في مقالاته جميع الأعمال الإجرامية والأعمال البشعة
التي تبثها الأحزاب السياسية الماكرة ومخططاتها الفاسدة والنزعات الجاهلية.
والأستاذ محمد علي ما زال يقرأ تلك المقالات والأبحاث بقلب مفتوح وتأمل واسع بدون
أي تعصب فكري وبعد أن ختم الأستاذ المودودي سلسلة مقالاته بدأ يكتب مقالات جديدة
مناشدًا فيها ضرورة قيام جماعة مؤمنة صالحة مثالية لإنقاذ الأمة المسلمة من هاوية
الانحرافات والانحلال الأخلاقي والتدهور السلوكي وقد رسم فيها الهدف الرئيسي لتلك
الجماعة المؤمنة، والوسائل المطلوبة لتحقيق هدفها المنشود. ولا شك أن أفكار الأستاذ
المودودي قد أثرت في الأستاذ محمد علي تأثيرًا عميقًا حتى صار من المؤيدين لها
تأييدًا معنويًا.
خرج الأستاذ محمد علي متوجهًا إلى دار الإسلام "بثانكوت،
بالبنجاب". ودار الإسلام هذه هي عبارة عن الجامع الكبير والمدرسة والمكتب
ودار المطالعة ومكتب البريد ودار التأليف والطبع والنشر وما إلى ذلك من اللوازم
الضرورية: أنشأها الأستاذ المودودي.
وقد واجه عوائق شديدة وعقبات كؤودة أثناء سفره إلى دار الإسلام وما
أخذ معه إلا محفظة فيها نسخة من المصحف الشريف ومبلغ قليل من النقد ليسد به رمقه
وعندما وصل إلى مدينة من مدن شمال الهند نفد المبلغ الذي كان عنده فاضطر أن يعمل
في مصنع من المصانع في شمال الهند وبالعمل الثقيل في المصنع أصابته الحمى الشديدة
التي أثرت على صحته حتى صار جسمه نحيفًا وسقط شعره.
على كل حال وصل الأستاذ إلى مقصده المرسوم وتتلمذ على الأستاذ
المودودي في دار الإسلام ما يقرب من سنة وبعد ذلك توجه إلى وطنه سنة 1944م بوصية
من الأستاذ المودودي.
عقب وصوله إلى كيرالا أخذ يعرض تلك الفكرة النيرة والنظرية السامية
أمام العلماء ولكن طواعيتهم لنفوسهم لم تسمح لهم بالتفكير فيها فضلًا عن تأييدها
فلم يؤثر فيه موقفهم هذا بل شكل لجنة محلية باسم - جمعية المسترشدين - فانضوى تحت
لواء دعوته جمهرة كبيرة من الشباب المسلم والرجال المثقفين الذين يتمسكون بمبادئ
الإسلام وتعاليمه، ويستعدون للتضحية بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، حتى استطاع أن
يضع حجر الزاوية للجماعة الإسلامية، كيرالا. وكان معلمًا ماهرًا وخطيبًا فصيحًا
وكاتبًا قديرًا ومؤثرًا في أحاسيس الناس ومشاعرهم ولم يكن جبانًا ولا رعديدًا أمام
التحديات والقضايا الضخمة، ولم يكن مضطربًا في الآراء كهؤلاء العلماء الذين لا
يثبتون على فكرة واحدة؛ ولا يستقرون على رأي واحد، وكان كثير المطالعة لا يرى إلا
وهو يقرأ أو يتلو أو يصنف أو يوجه أو يربي أو يفكر، وعاش في شظف من العيش وقلة من
المال؛ لم يرغب قط في تحمل منصب حكومي بل أوقف نفسه على نشر الدعوة الإسلامية
متجولًا في أنحاء كيرالا، ولم يكن في مذكرته ساعة للاستراحة؛ لأنه يرى أن الدعوة
إلى الله فريضة على كل مؤمن ومؤمنة.
هذا وقد حارب الأستاذ محمد علي الجمود الفكري والتدهور السلوكي من
جانب والمعتقدات الباطلة والعادات الجاهلية من جانب آخر. وقد نهج في الدعوة
الإسلامية منهجًا جديدًا بحيث لم يؤلف من قبل في كيرالا. ونقل الأستاذ محمد علي
عشرات من كتب ورسائل الشيخ أبي الأعلى المودودي إلى المليالمية الفصحى، وفي سنة
1947م ابتدأت فكرة إصدار مجلة إسلامية في المليالمية، لسانًا ناطقًا للجماعة
الإسلامية، فصدر أول عدد لها برئاسة تحرير الأستاذ محمد علي في اليوم الأول من آب
سنة 1951م في اسم "بربودهنم" - الدعوة - وكان رئيس تحريرها طيلة حياته.
وكان يرغب في إنشاء مدارس إسلامية تسير على منهج عال يجمع بين العلوم
الدينية والعلوم المادية، وانطلاقًا من هذه الرغبة الشديدة أسهم الأستاذ بنفسه في
تأسيس مؤسسات إسلامية عديدة في شتى أنحاء كيرالا، ومن بينها الكلية الإسلامية
بشانتابورام.
وكان الأستاذ أميرًا لفرع الجماعة الإسلامية بكيرالا، وزيادة على هذا
كان له عضوية في مجلس الشورى ومجلس النواب المركزي منذ إنشائه حتى توفاه الله
تعالى على إثر مرض خطير أصابه؛ وهو ماشٍ على قدميه إلى مجلس تربية عقده أصحاب
الجماعة الإسلامية في بلدة من بلاد مليبار، وهناك التحق الأستاذ بالرفيق الأعلى
بعد أداء دوره كاملًا في اليوم الثاني من تشرين الأول سنة 1959م، إنا لله وإنا
إليه راجعون.
وكانت وفاته كارثة كبرى وفاجعة محزنة في قلوب جميع مسلمي كيرالا،
وخاصة في قلوب أصحاب الجماعة الإسلامية الهندية. ومما يذكر بالغبطة والسرور أنه
خلف المئات من الرجال الحقيقيين المثاليين يعملون لدين الله ويجاهدون في سبيله.
وفي نفس اليوم الذي توفي فيه الأستاذ محمد علي انتخب الأستاذ ك. س. عبد الله
المولوي أميرًا للجماعة الإسلامية بكيرالا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل