; الأسباب المبدئية والعملية لتطويع القوانين لشريعة الله | مجلة المجتمع

العنوان الأسباب المبدئية والعملية لتطويع القوانين لشريعة الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1977

مشاهدات 68

نشر في العدد 336

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 08-فبراير-1977

من القواعد الأساسية الثابتة في فقه القانون، أن القوانين تعكس الوجه الحقيقي للأمة، بكل ما فيه من أصالة أو تقليد أو انحراف؛ فالقوانين هي المعيار الحقيقي لشخصية الأمة، وبقدر ما يكون فيها من ضعف، ومن قصور عن تحقيق مطالب ورغبات الشعوب، ومن جمود عن التحرك نحو الأفضل بما يحقق الإشباع الكامل لنزعات الإنسان السليمة بقدر ما تكون الحاجة إلى تعديلها أو إلغائها أشد وأقوى.

ومن هنا، جاءت الحاجة الملحة لدى المسئولين في الكويت إلى إعادة النظر جملة في كافة القوانين التي ظلت تحكم هذه الأمة، دون أن تتجسد فيها الإرادة الحقيقية للشعب، لقد برزت الضرورة لإعادة النظر في كافة القوانين على يد أخصائيين قانونيين.. ولما كانت إعادة صياغة هذه القوانين يعنى بالضرورة أنها ستحكم مصاير الناس لوقت طويل، كان لزامًا أن تجيء هذه القوانين منسقة تمامًا مع مشاعر المواطنين وحاجاتهم.

ولما كانت الشريعة الإسلامية هي الدستور الكامل والعقيدة الراسخة لشعب مسلم مؤمن كشعب الكويت، فقد أصبح لزامًا أن يكون بين هؤلاء المستشارين القانونيين عدد من الفقهاء المؤمنين والملتزمين بالإسلام عقيدة ونظامًا وتشريعًا؛ حتى تجيء قوانين البلاد كافلة للاستقرار والعدل والطمأنينة، بعيدة عن الهزات وعن محاولات التغيير التي تلجأ إليها الشعوب لتحقيق إرادتها.

ولكل قانون في حياة الشعوب شخصيته وذاتيته.. ولئن فرضت الظروف على الكويت أن تظل رهينة قوانين بالية بعيدة عن عقيدتها وشريعتها، فقد حانت الفرصة المواتية الآن لإعطاء القانون ذاتيته وأصالته المنبثقة كلها من شريعته الإسلامية؛ فقانون العقوبات والقوانين المدنية والمالية والإدارية وغيرها، يجب أن يكون مصدرها ومنطلقها الأول والأخير هو شرع الله، وهذا المطلب العادل لا نكوص عنه ولا رجوع، وهو مفرق الطريق بين أن يكون المسئولون جادين حقًّا في حمل مواطنيهم على طريق الله، وأنهم حقًّا يؤمنون بأن الحاكمية لله وحده، وبين أن يكونوا على طريق آخر، ومن ثم يتنكبون بهم هذا الصراط المستقيم.

من منطق الواقع المعاشي اليوم على الساحة العربية والأوروبية تحت ظل القوانين الوضعية، تجيء الإجابة على ضرورة الأخذ بتطبيق الشريعة الإسلامية على كافة القوانين، إن كنا حقًّا صادقين، ولئن صدقت النيات حقيقة لا خداعًا ورياء، لما احتجنا إلى إقامة الدليل على وجوب تطبيق شرع الله والمطالبة به، بعد أن وردت في تلك الآيات البينات في كتاب الله وأحاديث رسوله الكريم.

ونظرة واحدة إلى القوانين في أوروبا وأميركا، كفيلة بأن تضع أمام كل ذي عقل الدليل والبرهان على عجزها عن كفالة السعادة الحقيقية لإنسانها، سواء كان ذلك في قوانينها المالية والاقتصادية القائمة أساسًا على الربا وسعر الفائدة، أم كان في قوانينها الجنائية وقوانين العقوبات التي تبيح الزنا وتنظم الفساد بكل ألوانه، والتي عجزت عن أن توقف العدوان على أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم.. ووقفت أوروبا أمام كل ذلك حائرة عاجزة، تغطي على ذلك العجز بمظاهرها الخادعة الكاذبة، وحضارتها المادية الواهية الزائفة. 

القوانين العربية: ومن أوروبا وأميركا انتقلت إلينا قوانينها بكل ما فيها من قصور وعجز عن تحقيق رغبات ومتطلبات شعوبها.. وبكل ما فيها من سلبيات وانحراف.. انتقلت إلينا تلك القوانين خلال فترات ضعفنا وتسلطهم علينا، واستعمارهم لنا.. ثم استقلت بلادنا عنهم، وصارت أمورنا إلى يدينا، ولكنهم ظلوا يحكموننا من خلال قوانينهم وأخلاقهم وآثارهم الفكرية والعقلية التي بقيت تعيش في عقول بعض الحكام في العالم العربي.. وكان أمرًا طبيعيًّا، بل وواجبًا حتميًّا أن تتغير صورة القوانين بعد أن نالت الشعوب العربية حريتها واستقلالها، وتحققت لها ذاتيتها وشخصيتها.. ولكن الواقع يخالف ذلك تمامًا.. فما لا نزال حتى الآن نرزح تحت ظل تلك القوانين التي نقلناها بحروفها من أوروبا وأميركا.. فماذا صنعت بنا تلك القوانين خلال هذه السنين الطوال من استقلالنا؟

إن كل شيء لا يزال على حاله، بل صار كل شيء إلى أسوأ مما كان عليه.. فما تزال القوانين الجنائية التي تحكم جرائم الأموال والأشخاص على حالها.. ولا تزال قوانيننا الاقتصادية والمالية تجعل الربا وسعر الفائدة قاعدة أساسية لاقتصادنا الذي ما يزال أسيرًا قعيدًا مهيض الجناح، عاجزًا عن تحقيق السعادة النفسية والمادية للإنسان العربي المسلم.. ولا تزال قوانيننا الإدارية والمدنية والتجارية تتعثر حينًا بعد حين، في عجز واضح عن خلق الحياة المستقرة في المعاملات داخل المجتمع العربي.

وإزاء كل هذا، فإن الضرورة ما تزال قائمة بكل أبعادها، تلح في إصرار لا رجعة فيه على الأخذ بالتشريع الإسلامي في قوانيننا التي تخضع الآن للتعديل.

إن القانون وحده لن يقيم حياة الأمة على الجادة، ما لم يكن القانون نفسه جزءًا من حياة الناس؛ فالقانون بجانب ما يمثله من سلطة رادعة فهو كذلك تربية وثقافة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى ربط القانون بالتربية الإسلامية في معاهد العلم بالكويت، حتى يتشرب الجيل كله بروح القانون ليصبح جزءًا منه، وثيق الصلة به.

وليست المساجد في هذا بأقل أثرًا في التوجيه وربط المسلمين بقوانينهم التي تنبثق أساسًا من عقيدتهم، فاحترام القانون يجب أن يقترن بالإيمان به؛ حتى تستقيم حياة الناس على الجادة، ولن يظفر القانون بهذا الاحترام إلا بربطه بكيانهم وبحياتهم الروحية والمادية على السواء.

ومن هنا كان القلق الدائم والخوف الذي لا ينقطع من القوانين المتعسفة الجائرة المفصومة العرى عن واقع الناس، والمفروضة قسرًا عليهم، كالقوانين الوضعية القهرية في الدول الشيوعية مثلًا.. ومن هنا أيضًا كان التسيب والتحلل والانطلاق وعدم المبالاة واضطراب القيم في حياة الغربيين بسبب قوانينهم الوضعية التي تحكم حياتهم. 

إن الكويت اليوم في موقف يجعل منها بلدًا رائدًا في العالم العربي باستقلالها التشريعي.. والفرصة ما تزال مواتية لتحقيق هذا الأمل الذي يراود كل مسلم على أرضها.. فليكن احتفالنا باليوم الوطني القادم إعلانًا للعالم كله باستقلالنا التشريعي.. وباتجاهنا نحو شرع الله وحده، نستمد منه قانوننا، ونقيم عليه حياتنا، ونؤسس عليه بنياننا، ونصبح به القدوة الصالحة لغيرنا في العالم كله.

هدم وثن فيلكا خطوة على الطريق

تم -بحمد الله- تعالى هدم الوثن القائم في جزيرة فيلكا من قبل المجلس البلدي وبلدية الكويت، وهما مشكوران على فعلهما هذا الجليل حقًّا؛ فتحطيم هذا الوثن يعنى أمورًا عظيمة، منها أن أرض الكويت تلفظ كل أنواع الشرك، ولذا لم يقم وثن يعبد على هذه الأرض كما هو حادث اليوم في بلاد إسلامية كمصر مثلًا، فقد لوثت مساجدها بالقبور حتى أنه تعذر على كثير من المسلمين أداء الصلاة فيها كما هو موجود الآن في مسجد سيدنا الحسين -رضي الله عنه- فترى جموعًا كبيرة من المضللين تطوف به كما يطوف الحجاج حول بيت الله الكريم، والحسين بريء من هذه الضلالة المهلكة والبدعة المستحدثة، وهناك الكثير من القبور كالبدوي وغيره. 

والعراق امتلأت كذلك بهذه القبور وكدست الكنوز فيها، في حين يسقط الآلاف من الجوع لا يجدون ما يسدون به رمقهم، ويردون عنهم غائلة السغب.

فجزى الله من شارك في هذا الأمر خير الجزاء، وأعانهم على إزالة الأصنام وتحطيمها مهما تسمت، وما جاءت هذه العقيدة إلا لتسقط الأصنام وتقضي على الأوثان، وما سواع ويغوث ونسرا إلا رجال صالحون عبدهم أقوامهم بعد هلكنهم، وشُكت الكعبة بأصنامهم وأصنام أشكالهم من الصالحين، اتبعها الفاسقون وجعلوا منها دينًا يُعبد وآلهة يُتقرب إليها بالعطايا، ولما دخل المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح، وفتح الله عليه بتسوية هذه الأوثان ودكها، فأخذ يشير إليها بعصاة كانت بيده، ويتلو قول الله -تعالى-: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (سورة الإسراء: 81). 

فأخذت تلك الأصنام تتهاوى وتتساقط حتى اندرست وطهرت الكعبة من رجسها، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يأمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وهناك أمر لا يقل خطورة عن تلك الأوثان ولا يحبب إغفاله؛ فالمقابر قد امتلأت بالقبور التي زُينت وأحاط بها الرخام الثمين، وصارت كأنها قصور وانتفت عنها صفة القبر، وهذه الظاهرة ينكرها الإسلام ويحرمها، وقد نهى رسولنا -صلى الله عليه وسلم- عن إقامة الصروح والقباب على القبور، كما أوجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ومما هو حاصل اليوم من وضع الورود وإقامة الزينات ورشها بماء الورد وبعض العطور.

وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليًّا بطمس كل تمثال وتسوية كل قبر مشرف.

فقد روى عن أبى الهيجاء الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته»، والسنة ألا يزيد ارتفاع القبر على شبر؛ لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه.

كما نطمع في أن يقوم المسئولون في إرشاد الناس إلى العمل بالسنة المطهرة التي تبين كيفية زيارة المقابر، وذلك بكتابتها مثلًا على لوحة خارج المقبرة يقرؤها كل زائر؛ حتى يكون على بصيرة من أمره.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في 101

130

الثلاثاء 23-مايو-1972

خواطر حول خطاب سمو ولي العهد

نشر في العدد 214

0

الثلاثاء 20-أغسطس-1974

دراسات في السيرة