العنوان الأسباب الحقيقية لمحاولة الصهيونية الأمريكية اغتصاب الأقصى
الكاتب أحمد صدقي الدجاني
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1432
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
التخطيط لاغتصابه بدأ مع دعم بريطانيا للحركة الصهيونية المسجد الأقصى
الأسباب الحقيقية لمحاولة الصهيونية الأمريكية
اغتصاب الأقصى
القدس الشريف والمقدسات الإسلامية في القدس القديمة، هي موضوع المعركة الراهنة في الصراع الممتد مع الصهاينة، وهي معركة بدأت في صيف عام ٢٠٠٠م مع مباشرة مفاوضات الوضع النهائي في عملية التسوية الجارية، وقد خطط لها التحالف الصهيوني الأمريكي منذ بدء العملية وأطلق عليها اسم سلام الشرق الأوسط وباشرت الإدارة الامريكية تنفيذها في مؤتمر مدريد في 30/10/1991م.
هدف التحالف الصهيوني الأمريكي الرئيس في هذه المعركة هو اغتصاب القدس الشريف، وفرض سيادة الكيان الصهيوني عليه، وقد تجلى هذا الهدف بجلاء في مفاوضات كامب ديفيد الثانية التي جرت بين يومي 11 و 25/ 7 /2000 كما أوضحنا في حديث سابق.
ولا يزال طرفا التحالف المعادي يخوضان هذه المعركة بشراسة؛ فالطرف الصهيوني يشن حربًا على الشعب الفلسطيني في محاولة لإنهاء انتفاضته المباركة دفاعًا عن المسجد الأقصى والمقدسات ولإنهاء الاحتلال وهي حرب صهيونية عنصرية فاشية يشاهد العالم فصولها يوميًّا، والطرف الأمريكي الطاغوتي لا يزال يدعم حكومة باراك في هذه الحرب على مختلف الصعد بالسلاح والمال والدبلوماسية في مجلس الأمن والجمعية العامة وخارجها.
وتكشف التقارير عن أن الرئيس كلينتون لم يتخل بعد عن أفكاره الضالة بشأن القدس التي طرحها في كامب ديفيد وعن طلبه من رئيس السلطة الفلسطينية نقل المسجد من مكانه لتمكين الصهاينة من إقامة هيكل هناك في مكانه، ذلك على الرغم من الغضب العربي والإسلامي الذي واجهه، بل إنه عمد إلى إرسال سياسيين من دول أخرى لإقناع رئيس السلطة بهذا الأمر.
سؤال يبرز أمامنا ونحن نخوض هذه المعركة فلسطينيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا هو لماذا هذا التركيز الصهيوني الأمريكي على اغتصاب مسجد القدس الشريف بالذات؟
والإجابة عنه تسهم في حثنا على عصر كل أوراقنا وحشدها لكسب المعركة.
العدو الصهيوني يلبس جريمته هذه وحربه الغاشمة ثوبًا دينيًّا، فيعبئ اليهود داخل الكيان الصهيوني وفي مختلف أوطانهم الغربية على شعار إعادة بناء هيكل سليمان ويسمي المسجد القدسي جبل الهيكل، ويعبئ مع اليهود أيضًا أتباع كنائس نصرانية صهيونية منتشرة في الولايات المتحدة بخاصة.
وحليفه الأمريكي ينساق على صعيد إدارة الرئيس كلينتون مع هذه التعبئة وجل أعضاء هذه الإدارة يهود صهاينة كما يتضح من الكشف الذي يضع أسماءهم، ولا يخفي رئيسهم تأثره بهم.
ثلاثة أسباب حقيقية وراء هذا التركيز على اغتصاب الحرم...
السبب الأول اقتصادي..
وقد كشف الرئيس كلينتون عنه في حديثه بالبيت الأبيض الذي نقلته جريدة أوتاوا سيتيزن الكندية يوم 1/12/2000م، وأشار فيه إلى أن الموقع، يقصد الحرم، سيصبح مقصد السياح الأكثر مردودًا في التاريخ، وهو يحاول إقناع یاسر عرفات بنقل المسجد منه.
والحق أن العدو الصهيوني بمحاولة فرض سيادته على المسجد القدسي وعلى القدس القديمة داخل السور بمساجدها وكنائسها يريد أن يتحكم ويسيطر على الحج المسيحي إليها وعلى زيارة المسلمين إليها. وهذا يعني ثروة طائلة مالية تأتي إليه.
السبب الثاني سياسي..
يتمثل في جعل القدس القديمة هذه بمكانها المتميز وتاريخها الممتد عاصمة أبدية!! (على حد زعمه) يتحكم منها الكيان الصهيوني في عواصم دول المنطقة، وقد روى سياسي لبناني بارز أثناء لقاء في الأمم المتحدة بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام ١٩٨٢م كيف قام مناحيم بيجن رئيس الوزراء آنذاك بدعوة الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون للقدوم إلى القدس، فإذا به، كما كتب شمعون في مذكرات نشرها بالفرنسية يتصرف معه وكأنه الملك سليمان، وكان شمعون أحد ملوك «الغوييم» (الأميين) القادم من «صور» لتقديم الولاء والخضوع لملك إسرائيل الجديد، وتكفي هذه القصة لشرح السبب الذي يتجسد في نظام الشرق الأوسط، ذلك النظام الذي سعت الولايات المتحدة لفرضه على المنطقة وعملت من أجل ذلك على تجميع النظام العربي بغية إنهائه.
السبب الثالث تاريخي..
متصل بالصراع الحضاري؛ فاغتصاب الحرم القدسي والسيادة على المقدسات في بيت المقدس يرمز إلى انتصار الغرب الحضاري على الحضارة العربية الإسلامية، ويلبي عند قوى الهيمنة الغربية عقدة حقد تاريخي، يحملونها في نفوسهم على هذه الحضارة منذ هزمت قبل ثمانية قرون الغزو الفرنجي.
كما يلبي لديهم هدفًا معاصرًا هو إيقاف مد الصحوة الحضارية العربية الإسلامية التي أقلقتهم في العقدين الماضيين، ودعت أمين عام حلف الأطلسي أن يصرح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات بأن حضارة الإسلام هي العدو الذي يتهدد الهيمنة الغربية، وقد عبّر اللنبي البريطاني وغورو الفرنسي عن عقد الحق التاريخي تلك، حين دخل الأول القدس ودخل الثاني دمشق.
سؤال آخر يبرز أمامنا ونحن نستحضر حقيقة أن اليهود لم يثيروا أمر إعادة بناء الهيكل قبل قيام الحركة الصهيونية منذ بدأ التحالف الاستعماري الصهيوني تخطيطه لاغتصاب فلسطين.
الحق أنه إذا كانت المعركة الراهنة قد خطط لها هذا التحالف منذ الشروع في عملية التسوية التي أطلق عليها اسم سلام الشرق الأوسط، عام١٩٩٤م، فإن التخطيط لاغتصاب الحرم بدأ مع دعم بريطانيا الاستعمارية للحركة الصهيونية حال قيامها أواخر القرن التاسع عشر، وقد تولى باركر البريطاني عام ١٩١١م رئاسة بعثة بريطانية لإجراء حفريات في منطقة الحرم، وفلسطين لا تزال جزءًا من الدولة العثمانية، ولكن عمليات البعثة أخفقت نتيجة رد الفعل المحلي الفلسطيني، وإثارة القضية في مجلس المبعوث العثماني.
وتروي أ. د خيرية قاسمية في بحث متميز نشره الاتحاد البرلماني العربي عام ۱۹۹۸م مع معهد البحوث والدراسات العربية قصة هذا التخطيط، ومحاولة الشروع في تنفيذه إثر احتلال بريطانيا لفلسطين أواخر الحرب العالمية الأولى فتحكي لنا كيف وصلت بعثة صهيونية برئاسة حاييم وايزمان إلى الإسكندرية في 20/3/1918م ومنها إلى القاهرة فالقدس فيافا، وكيف هيأ حاكم القدس العسكري ستورز البريطاني استقبالاً حافلاً لها وعهد برفقتها. وكان فيها عنصر من أسرة روتشيلد المرابية، وقد ركزت هذه البعثة على ثلاث قضايا:
الأولى: إنشاء جامعة عبرية في القدس. والثانية: تسليم حائط (البراق) في الحرم القدسي إلى اليهود. وثالثها: مشروع تملك أراض. وتمضي خيرية قاسمية في بحثها فتعرض للضغوط الشديدة التي مارستها بريطانيا على أهل فلسطين، وصمودهم أمامها، ومعارضتهم للمخطط الصهيوني الاستعماري.
وقد دعت هذه المعارضة القوية كلايتون رئيس قلم المخابرات في مقر القيادة العامة للقوات البريطانية الذي أصبح أهم الأجهزة المنفذة للسياسة البريطانية في الشرق العربي، إلى أن يتوقع صعوبات كثيرة، بشأن القضية الثانية التي هي موضوع حديثنا فحائط البراق يقع إلى جوار مسجد عمر، والممتلكات التي تقع مباشرة أمام الحائط منوطة بوقف المغاربة. وقد كتب كلايتون للندن قائلاً إن أي محاولة من جانب اليهود للحصول على ملكية الموقع ستثير موجة احتجاج.
وأشار إلى أن الحاكم العسكري ستورز فاتح المفتي الشيخ كامل الحسيني بشكل خاص؛ فعارض تمامًا إجراء أي محاولة وانتهى إلى أنه من غير المرغوب اتخاذ أي إجراء حول هذا الأمر في الوقت الحاضر، ويمكن النظر به ثانية عند ظهور فرصة مواتية في المستقبل. وتذكر خيرية قاسمية في بحثها القيم أن كلايتون ذكر في رسالة بعث بها إلى بلفور يوم 21/8/۱۹۱۸م أن ستورز حاكم القدس العسكري حاول إقناع المسلمين بالفائدة التي يجنونها من ضمان مبلغ كبير لملكية ليس لها قيمة كبيرة على حد قوله ولكنه واجه معارضة شديدة، وتتالت عرائض الاحتجاج وقامت مظاهرتان عدائيتان، وتضمنت عريضة باسم الجمعيات العربية الإسلامية بالقدس الطلب من الحاكم العسكري البريطاني، التخلي عن محاولات المقايضة لوقف أبي مدين (قرب المسجد الأقصى) مؤكدين أنهم -ومعهم جميع المسلمين قاطبة- لن يسمحوا بالمقايضة أو الاستيلاء على هذا المكان المقدس التقليدي الذي يلاصق جامع عمر.
ما أشبه اليوم بالبارحة، ستورز البريطاني يغري الشعب الفلسطيني بالمال ليقبلوا تسليم حائط البراق لليهود الصهاينة، وكلينتون الأمريكي يغري رئيس السلطة الفلسطينية بالأرباح الطائلة لنقل المسجد الأقصى من مكانه والتسليم بالسيادة الصهيونية على الحرم القدسي الشريف كله، والشعب الفلسطيني يعارض أول مرة ويفجر ثورة البراق عام ۱۹۲۹م، ويعارض مرة ثانية وينطلق في انتفاضة الأقصى هذه المرة دفاعًا عن مقدساته، تسانده الأمة في الدائرتين العربية والإسلامية.
ليس لنا أمام الأسباب الحقيقية للمحاولة التي تقوم بها تل أبيب وواشنطن لاغتصاب الحرم القدسي الشريف، إلا أن نخوض معركة الدفاع عنه بكل قوتنا، فلسطينيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا.