العنوان الأزهر. . و«آلام المسيح»- مشكلات في طريق المواطنة المصرية
الكاتب مصطفى عاشور
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 74
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 46
السبت 27-مايو-2006
هل مصر مقبلة على أزمة سياسية وثقافية خلال الشهور المقبلة يكون سببها فيلم آلام المسيح وحياته، الذي ينوي المنتج محمد عشوب، وآخرون إنتاجه بميزانية إنتاج ضخمة قد تتجاوز الـ (٥٠) مليون جنيه مصري (حوالي ٩,٥ ملايين دولار) وهي الأضخم في تاريخ إنتاج السينما المصرية.
المتوقع أن يفتح الفيلم ملفات كثيرة على الصعيدين السياسي والثقافي، في مقدمتها قضية العلاقة بين الدين والإبداع والفن وقضية المواطنة والعلاقة بين مكونات الأمة المصرية، وقضية موقع الدين في الحياة العامة... إلخ.
وهنا تطرح إشكالية كبيرة حول كيفية تصرف الأزهر مع هذه القضية الشائكة وأمثالها، في ظل إصرار لا تخطئه العين لإقحام الأزهر في هذه القضية.
فمن يتابع ما تنشره الصحافة يشعر أن هناك إلحاحًا لتحويل القضية إلى كونها مشكلة بين الدين والفن، أو لنكن صرحاء مشكلة بين الأزهر والفيلم، أو ربما بين المسلمين والفيلم, ولعل هذا ما يجعلنا نحاول إلباس القضية لباسها الحقيقي ومناقشة القضية في فضائها الحقيقي، واستبطان الأهداف التي دفعت لإثارة القضية أو ما نسميه -بلغة السياسة- السياق الذي يراد للأزمة أن تنشأ فيه؛ حيث تشهد تلك الفترة تراجعًا في دور الأزهر، وضعفًا في الدولة المصرية، وفي المقابل صعودًا ملحوظًا في الخطاب القبطي، ثم ما الواجب على الأزهر القيام به في مثل هذه الأزمات.
قصة الآلام.. وتفاعلاتها
فيلم آلام المسيح وحياته سيكتب السيناريو له فايز غالي, وسيعتمد «غالي» في كتابته على الأناجيل الأربعة، وعلى كتاب السنسكار الذي كتبته الكنيسة الأرثوذكسية عن المسيح وتاريخ الكنيسة، ومن المحتمل ألا يتم الانتهاء من إنتاج الفيلم قبل عامين.
في البداية لا بد من الحديث عن الجدل وردود الفعل التي أثارها الفيلم في الساحة المصرية، ومحاولة الغوص وتحليل ما ينشر في الصحافة المصرية تجاه هذه القضية، فالحوارات التي أدلى بها فايز غالي ركزت على عدة نقاط منها: أن فكرة الفيلم جاءت بمبادرة من المنتج محمد عشوب بعد الأزمة التي أثارتها الرسوم الدانماركية ضد الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكأن وجود منتج مسلم يعطي الفيلم شرعية إسلامية لإنتاجه، حيث اقترح عليه عشوب إنتاج فيلم عن المسيح يقوم غالي بكتابته.
وفي حوار مع صحيفة القاهرة في (٤/٤/٢٠٠٦م) قال غالي: «إن اليهود هم الوحيدون الذين قد يثير الفيلم غضبهم، وأنهم قد يعتبرون الفيلم معاديًا للسامية، وأن فيلم «ميل جبسون» عن آلام المسيح والذي صور آخر (۱۲) ساعة من حياة المسيح –حسب ما يعتقدون– إنما نجح بسبب دعم الكنائس لهذا الفيلم، وأن الفيلم هو محاولة لإعادة الوجه المشرق للسينما المصرية بعد العقم الذي أصابها، وأن العمل سيكتب بوجهة نظر مسيحية أرثوذكسية».
ونشرت الصحف أن الكنيسة سوف يكون لها حضور في لجنة اختيار الممثلين الذين سيقومون بأداء دور السيد المسيح، والسيدة مريم، والسيد يوسف النجار، وأنه لا بد أن يكون الممثلون الذين سيقومون بالأدوار الرئيسة في الفيلم من المسيحيين الأرثوذكس (أي أن التمثيل سوف يكون على المذهب والدين!) وكذلك فإن الممثل الذي سيقوم بدور السيد المسيح سوف يحرم من التمثيل طيلة حياته حتى لا يقوم بأدوار أخرى قد تلوث الدور الذي قام به في الفيلم! وسوف ينص على ذلك في العقد.
أما التفاعلات على الساحة المصرية فقد صرح بعض أعضاء مجمع البحوث الإسلامية -بصفتهم الشخصية- أنهم يرفضون مسألة تجسيد السيد المسيح –عليه السلام– انطلاقًا وتأسيسًا على موقفهم الثابت والرافض لتجسيد شخصيات الأنبياء عليهم السلام وعدد من الصحابة.
وطالب المفكر الدكتور عبدالصبور شاهين بتحرك الأزهر لحسم القضية التي قد تثير فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين؛ لأنها لا تخص الدين المسيحي وحده.
أما الدكتور عبد المعطي بيومي -عضو مجمع البحوث الإسلامية- ففي حوار له مع صحيفة «الجمهورية المصرية قال: إن المجمع لن يتعرض لمشروع الفيلم سواء على مستوى الإنتاج أو التوزيع أو التمثيل ما لم يعرض عليه».
والمعروف أن الأزهر يختص بالنظر في الأمور التي تتعلق بالشأن الديني الإسلامي باعتباره أحد مؤسسات الدولة ذات الاختصاص في هذا الشأن؛ وذلك بناء على ... القانون، إضافة إلى أن رأيه استشاري ليس إلزاميًّا إذ لا يملك سلطة تنفيذ القرار, إنما الأمر يعود إلى القضاء إذا أراد أن ينفذ قرار المنع أو المصادرة.
أما البابا شنودة الثالث فقد نشرت مجلة المصور الأسبوعية أنه قال في عظته الأسبوعية: «لا يوجد في مصر من يستطيع أن يمثل دور المسيح» وعندما سئل عن الأفلام التي ينتجها الغرب عن المسيح قال: «هذه الأفلام مصنوعة من خلال عقائدهم، لكن هذا الأمر مرفوض في مصر».
السياق السياسي في مصر.. وآلام المسيح
ونشير هنا إلى عدد من النقاط التي من الضروري أن يدركها الأزهر إذا أراد أن يتعامل مع قضية الفيلم، وفي مقدمتها:
وجود تغير في الخطاب القبطي المصري تجاه مسألة المواطنة وقضاياها,
المتابع للخطاب السياسي القبطي في السنوات الأخيرة يلحظ وجود قدر من التحرك في هذا الخطاب، ووجود مجموعة من التحولات تجلت في بعض الأزمات، وربما هذا ما كان مصدر إزعاج لعدد من كبار المثقفين المصريين, وعلى رأسهم المستشار والمؤرخ طارق البشري.
ونستطيع أن نرصد نماذج من هذا التغير في الآتي:
أ- حالة الغضب القبطي العارمة التي قام بها شباب الأقباط وانطلقت من بعض الكنائس في يونيو ۲۰۰۱م عندما نشرت إحدى الصحف صورًا لراهب يمارس الجنس، وذلك من واقع شرائط سجلها الراهب لممارساته المنحرفة، حيث كانت الكنيسة مكان الغضب والتظاهر.
ب- قضية السيدة «وفاء قسطنطين» وهي سيدة مسيحية أسلمت مختارة، إلا أن إسلامها أثار استياء الكنيسة؛ نظرًا لأنها زوجة قسيس، وانتهى الأمر بانتصار إرادة الكنيسة على إرادة الدولة المصرية، وخرجت السيدة وفاء من سراي النيابة العامة إلى دير وادي النطرون، بعد إجبارها على العودة إلى المسيحية مرة أخرى بناء على مطلب كنسي, وهنا انقطعت أخبارها ومازالت في الدير حتى الآن.
وقد كتب المستشار «طارق البشري» مقالًا مهمًّا في مجلة «وجهات نظر» الرصينة تحت عنوان «وفاء قسطنطين.. بين الدولة والإدارة والكنيسة» في يناير ٢٠٠٥م طرح فيه قلقًا وتساؤلات حول دور وموقع الكنيسة من السياسة، وتأثير ذلك على الوحدة الوطنية, وأبدى قلقًا من أن يكون الأقباط هم الذين يحددون الوحدة الوطنية ومعاييرها، أما بقية «أبناء الوطن فلا يملكون إلا الاستجابة لهذه الرغبات التي لن تتوقف عند حد».
وقال البشري بالنص: «إن الكنيسة رأت الوقت مناسبًا للضغط على الحكومة حتى ترضخ لمطالبها؛ لأن هذا الوقت هو وقت التسليم في الثوابت» وكان البابا شنودة قد أكد في تلك الأزمة أنه سيطلب من الحكومة تسليم أية حالة تريد إشهار إسلامها إلى الكنيسة لعقد جلسات الإرشاد معها.
ومن ثم كان إصرار الكنيسة على الحديث عن الوحدة الوطنية لتحقيق مطالبها، هو مصادرة للوحدة الوطنية نفسها، ومحاولة للمزج بين المزاج والمصالح القبطية وبين المزاج العام، وبذلك حاول الأقباط أن يكونوا هم الدليل والمعيار للجماعة الوطنية على اتساعها.
وأكد البشري أن الكنيسة تستغل حالة الوهن السياسي في مصر للضغط على الجماعة الوطنية، وما جرى في أزمة وفاء هو أول رضوخ للدولة المصري لجهة مصرية، وهو ما جعل الدولة وسيطًا بين الكنيسة ورعاياها!
وعندما جاءت الانتخابات التشريعية كان موقف بعض الأقباط واضحًا إذ أبدوا مخاوف من عدد المقاعد التي حصلت عليها جماعة الإخوان في تلك الانتخابات (حصل الإخوان على حوالي ۲۰٪ من المقاعد). فالمفكر القبطي ميلاد حنا أعلن أنه سيغادر مصر إذا حصل الإخوان على نصف المقاعد، وفي مقال للدكتور محمد سليم العوا في جريدة الأسبوع المصرية ذكر أن البابا شنودة اتصل بالرئيس مبارك, وأعرب له عن قلقه من حالة الصعود السياسي للإخوان في الانتخابات.
والملاحظ في بعض ما يصدر عن الخطاب القبطي في هذه الفترة أنه يرغب في أن يكون هو معيار الوحدة الوطنية، كذلك عبر الخطاب عن قلق صريح من مسألة وجود الدين في المجال العام في مصر، ففي حوار لميلاد حنا مع جريدة المصري اليوم ذكر بالنص أن تطبيق الشريعة سيحول الأقباط إلى مواطنين درجة ثانية، واعتبر أن وجوده مادة في الدستور المصري الصادر ۱۹۷۱م تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريعات مادة ترسخ التمييز العنصري بين المسلمين والأقباط في مصر، حيث يرى: «أن الدولة ليس لها دين».
ونذكر أيضًا أن البابا شنودة أعلن رفضه لحكم محكمة القضاء الإداري بشأن إعطاء الكنيسة للمطلق بحكم قضائي الحق في الزواج مرة ثانية، وقال خلال اجتماعه الأسبوعي -نقلًا عن المصري اليوم-: «لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تلزم الكنيسة بأي شيء ضد تعاليم الإنجيل، أو بأي شيء ضد تعاليم الكنيسة، ولا يمكن أن توافق الكنيسة على تزويج المطلق إلا بناء على تعاليم الإنجيل مهما كانت هناك أحكام قضائية»، وأضاف: «أي كاهن في الكنيسة القبطية يقوم بتزويج شخص مطلق بدون تصريح من المجلس الإكليريكي وبدون التأكد من أن الزواج الثاني يوافق عليه الإنجيل، سوف أشلحه مهما كانت رتبته» (الشلح: عقوبة كنسية تعني الفصل من المنصب الكنسي).
هذا الموقف يثير تساؤلًا: هل الكنيسة تعتبر نفسها دولة داخل الدولة؟ وبالتالي لها حق الإشراف على رعاياها أو كما يطلق عليهم «شعب الكنيسة»؟ أم أن الجميع مواطنون مصريون بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية؟!
ولنا أن نتخيل لو أن شيخ الأزهر أدلى بتصريح مثل هذا ماذا سيكون رد الدولة والأقباط والمثقفين من الاتجاهات المختلفة على مثل هذا التصريح؟!
ويبدو أن المواقف القبطية تلك دفعت البعض للتساؤل: هل الأقباط يسعون لفرض الجزية على المسلمين، بمعنى أنهم لكي يرضوا أن يندمجوا في المجتمع لا بد للمسلمين أن يتخلوا عن دور الدين في المجتمع وأن يقبلوا بقسمة الموارد، وهو نوع من الجزية، وإلا سيكون البديل هو الاستقواء بالخارج؟
الأزهر وإدارة الآلام
وتأسيسًا على ما سبق فمن الضروري على الأزهر أن يتعامل مع هذه الأزمة من خلال منطق إدارة الأزمات، ومن ثم فعليه أن يعلن موقفه هذا دون أن يتورط في قرار أو توصية بمنع الفيلم؛ لأن الاتجاه الحالي يتمنى أن يتورط الأزهر في توصية بمنع إنتاج الفيلم. فتتوحد جميع الأقلام والأصوات لمهاجمة الأزهر وتصويب سهامها إليه، ثم تتحول في مرحلة تالية إلى الإسلام والمسلمين.
وعلى ذلك فمن الضروري أن يعلن الأزهر موقفه، دون توصية بالمصادرة أو المنع. وقد يكون من الأفضل للأزهر أن يتحدث عن دعوته ومباركته لإنتاج فيلم يتناول حياة المسيح عليه السلام من خلال رؤية إسلامية.
هذا الأسلوب هو الأمثل للخروج بمصر من المأزق الذي يسعى بعض ذوي المصالح الخاصة والآنية لإدخال مصر فيه وإشعال فتنة بين أبنائه.