; الأزهر في مهب الضياع... مجمع البحوث الإسلامية يبحث عن نفسه | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر في مهب الضياع... مجمع البحوث الإسلامية يبحث عن نفسه

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

مشاهدات 64

نشر في العدد 420

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

  • أجل إن مجمع البحوث الإسلامية يبحث اليوم عن نفسه، وهذا وصف متواضع للغاية، لقد كان عند إنشائه أملًا يراود الكثيرين من محبي الأزهر والمشفقين عليه، وقبل أن نعرض لهذا المجمع الذي أنشئ بقانون تطوير الأزهر عام 1961، يجدر بنا أن نعرض ما جاء بشأنه في هذا القانون فماذا نقول؟
  • هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية تعمل على تجديد الثقافة الإسلامية، وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي وتوسيع نطاق العلم بها، وبيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية واجتماعية تتعلق بالعقيدة، وتعاون- أي هيئة المجمع- جامعة الأزهر في توجيه الدراسات الإسلامية العليا لدرجتي التخصص والعالمية والإشراف عليها والمشاركة في امتحاناتها.

وهذا كلام طيب لا بأس به، ولكن العبرة- لا بالعبارات المنمقة- وإنما بالتنفيذ وأتحدى أن يكون مجمع البحوث قد حقق شيئًا من هذا. فالكتب التي أصدرها المجمع، ثقافة عامة، بالإضافة إلى ما تسلل إلى هذه الكتب من الحشو الصوفي، الذي فتح له الباب على مصراعيه يوم أن ولى أمر المجمع شيخ الأزهر الحالي، ومن ناحية أخرى فإن الصلة بين المجمع وجامعة الأزهر متطوعة تمامًا- يتألف المجمع من خمسين عضوًا من كبار علماء الإسلام، ويكون من بينهم عدد لا يزيد على العشرين عضوًا من غير مواطني الجمهورية العربية المتحدة، والهدف من كون الأغلبية للمصريين هو أن يتبع المجمع سياسة الدولة، وأذكر في هذا الصدد أن أول مؤتمر لعلماء المسلمين عقده المجمع في القاهرة كان عام 1965، وكان الأستاذ أبو الأعلى المودودي ما يزال سجينًا. وحاولت جاهدًا أن يطالب المؤتمر بالإفراج عنه، وضاعت كل محاولاتي سدى، قال لي الشيخ علي عبد الرحمن وزير الأوقاف من السودان وعضو المجمع. أن في إثارة قضية المودودي إحراجًا لعلماء الباكستان، وقلت له: قد يكون هناك إحراج لعلماء الباكستان لو كلفنا أحدهم بإثارة القضية، والحقيقة أن مصر كانت غاضبة على المودودي والندوي وصحافتها لم تمل الهجوم عليهما، بل كانت تستعدي عليهما الأزهر، وهذا السبب هو الذي جعل المودودي أو الندوي لا يختار ضمن أعضاء مجمع البحوث.

كان المفروض أن يعقد المجمع مؤتمرًا سنويًّا، لمتابعة الأحداث الفكرية والسياسية، لكن الذي حدث أنه لم يعقد المؤتمر خلال السبعة عشر عامًا إلا ثماني مرات، وتعطل المؤتمر من 1967 إلى 1972 بسبب الحرب، ولم تتوقف الكرة مثلًا ولا غيرها بل لقد حدث أن اعتذر المسئولون بأن هناك في القاهرة أزمة فنادق، والمعروف أن عدد المشتركين الضيوف في المؤتمر لا يتجاوز المائة، في الوقت الذي يعقد فيه مهرجان للسينما، وعدد المدعوين من خارج مصر بضع مئات، والسبب أن مهرجان السينما وراءه رجال، أما الأزهر المعاصر فهو يفتقد الرجال، وما هو أعجب من هذا أن مجمع البحوث بكل مؤتمراته عجز أن يبت في أية قضية من القضايا، أو يحل مشكلة من المشكلات الفقهية أو يتعرض لقضية تمس شعبًا من الشعوب المسلمة، وقد حدث مثلًا أن قدم المرحوم الشيخ علي الخفيف بحثًا عن التأمينات على الحياة مجيزًا إياها، وتصدى له الشيخ أبو زهرة معارضًا، ووقع المؤتمر في حرج، فإن هو وافق الشيخ الخفيف أغضب الشيخ أبي زهرة، وغضبة الشيخ أبي زهرة ليس من اليسير على المؤتمر أن يتحملها، وإن وافق الشيخ أبا زهرة أغضب سياسة الدولة، وكان أن وضعت المسألة حتى اليوم على الرف.

ونحن إذا استعرضنا قرارات وتوصيات المؤتمرات الثمانية، وجدناها مكررة متسببة، ولم يحدث أن تضمنت هذه القرارات و التوصيات مساسًا بالشيوعية حيث كانت مصر في هذه الحقبة ولاية روسية، بل لقد حدث في المؤتمر السابع سنة 1972 أن ندد رئيس وفد قبرص الأتراك بموقف دولة مسلمة- يعني مصر- حيث دأبت على مساندة القمص مكاريوس بالسلاح ليقتل به المسلمين الأتراك، وكان أن حذفت الكلمة من المضبطة، وكذلك حذفت كلمة الدكتور البهي، لأنه جاء فيها بصراحة أن الإسلام لا يقر الانقلابات العسكرية ولا التأميمات ولا المصادرات ولا الحراسة ولا تحديد الملكيات.

  • وكلمة إنصاف يجب أن تقال:

كان الشيخ أبو زهرة- رحمه الله رحمة واسعة- يمثل وجهة النظر المعارضة لسطوه الإدارة، وكان يحسب له ألف حساب، وبقي عالم جدير بالتقدير من أعضاء المجمع هو الشيخ عبد الجيل عيسى- أمد الله في حياته- بقي الوحيد الذي يتصدى لكل انحراف، ولكن ما أكثر ما يضيع صوته ويتلاشى وسط ضوضاء الحريصين على مناصبهم.

وكان أول أمين عام للمجمع هو المرحوم الدكتور محمود حب الله، عاش سنوات في أوروبا وفي أمريكا كمدير للمركز الإسلامي هناك، كان رحمه الله مثقفًا ثقافة واسعة يجيد أكثر من لغة أجنبية، وكان عفًا نزيهًا دمث الخلق، ولما أعيته الحيل في أن ينهض بالمجمع ليؤدي رسالته تركه وعاد مديرًا للمركز الإسلامي بواشنطن، وخلقه الدكتور عبد الحليم، ثم الدكتور بيصار، وركد المجمع، ثم جاء الدكتور الذهبي ولم يفعل شيئًا، وجاء الشيخ خلف الذي كان مديرًا للوعظ والإرشاد، رشحه للأمانة العامة للمجمع أنه من إقليم الشرقية إقليم شيخ الأزهر، ثم جاء الدكتور عبد الجليل شلبي أحد المقربين للمشيخة، وكان شأنه شأن غيره وما أن أحيل على المعاش حتى جاء الدكتور عبد المجيد هاشم، ورشحه لأمانة المجمع إنه صهر شيخ الأزهر لا أكثر، بالإضافة إلى أنه من أتباع الطرق الصوفية، وقد حصل منذ سنوات قلائل على الدكتوراه في الإمام البخاري، وله شرح على رياض الصالحين، وقد ظل عن طريق الاستثناء- مدرسًا في كلية الشريعة في مكة تسع سنين، وقد حاول الشيخ عبد العزيز عيسى- وهو وزير للأوقاف وشئون الأزهر أن يستدعيه من مكة ففشل، كان سلطان شيخ الأزهر أقوى، والدكتور الأمين العام لمجمع البحوث الحالي وصهر شيخ الأزهر، ليست له أدنى ثقافة عصرية، ولا يجيد أية لغة أجنبية، وتفتح له الجرائد اليومية اليوم صدرها لكتابة المقالات العادية وكذلك الإذاعة والتليفزيون، ولولا صلته بالشيخ ومركزه الجديد لما قدر له أن يكتب مقالًا في مجلة إسلامية من الدرجة التاسعة، وماضيه يشهد بذلك.

والمفروض في أمين المجمع؛ مجمع البحوث الإسلامية- أن يكون مثقفًا واسع المعرفة والاطلاع، ملمًا بكل قضايا العالم الإسلامي، الفكرية والمذهبية والاجتماعية والسياسية، وأن تكون شخصية الأمين العام لها وزنها وتقديرها في المحافل الفكرية والثقافية، ولها صلاتها مع الشخصيات الإسلامية العالمية، وفرق بين أن يرفع المنصب الشخصية ويخرجها من الظل إلى الأضواء، وبين أن يرتفع المنصب بالشخصية، ولكن يبدو أن منطق الأمور السليم، ليس له قبول لدى إدارة الأزهر.

  • وهكذا وصل الأمر بمجمع البحوث الإسلامية إلى حد لا يحسد عليه فيه والشيء الوحيد الذي كان يجعل بعض الناس يحس بهذا المجمع، هو المسلسلات التي كان يصدرها، والتي توقفت دون إبداء سبب معقول والعجيب أن أعضاء المجمع الخمسين منقطعو الصلة به، والمعروف أن كل عضو يحصل على مكافأة شهرية مقدارها خمسون جنيهًا مصريًا، وكان المفروض- وهم من خيرة العلماء- أن يسهموا في تنشيط حركة الفكر الإسلامي، وأن يسهموا بقدراتهم في إبراز شخصية المجمع حتى يصبح دوليًّا، ولكن المفروض شيء والواقع شيء آخر.

  ولا سبيل للمقارنة بين مجمع الكنائس العليا في أمريكا ومجمع البحوث الإسلامية في مصر، فالأول دائب النشاط والحركة والتجوال، لا يعرف الهدوء ولا التراخي، وعلى العكس مجمع البحوث الإسلامية، فهو متقوقع لا يكاد يحس به أحد، لا يملك حتى الدفاع عن وجوده. لأنه لا يزال دائب البحث عن وجوده. وأذكر أنه منذ سنوات، وكان الدكتور بيصار الأمين العام للمجمع، أن علم المجمع بكتاب مقرر على قسم التاريخ بكلية آداب عين شمس للدكتور عبد المنعم ماجد أستاذ المادة، وهذا الكتاب عن تاريخ الدولة الإسلامية- كما وضح من تقرير المجمع عنه- ملئ بالمغالطات والافتراءات، والذي بحث الكتاب هو المرحوم الشيخ أبو زهرة، ورفع المجمع مذكرته إلى مدير جامعة عين شمس الذي حولها إلى الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر حيث تولى الرد على مذكرة المجمع، تساءل فيه بأي حق يجوز لمجمع البحوث الإسلامي أن يتدخل في شئون الجامعات الأخرى. واكتفى المجمع بهذا الرد المفحم- والتزم الصمت والمجمع بعد ذلك في عزلة عن الأحداث الجسام وهذا شأن الباحث عن نفسه، وأملنا كبير في الله أن يعثر المجمع على نفسه ليكون له وجود يحسب له ألف حساب.

للحديث بقية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

174

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 17

118

الثلاثاء 07-يوليو-1970

مِرْآة الرأي العالمي

نشر في العدد 97

114

الثلاثاء 25-أبريل-1972

من أخبار العالم الإسلامي