العنوان الأزهر في مهب الضياع الحلقة الأولى
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
مشاهدات 104
نشر في العدد 415
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
قضية للمناقشة
* أولًا: يجب أن يكون مفهومًا أن الأزهر مؤسسة إسلامية ذات أهمية خاصة، لدى كل مسلم في سائر الأرض مخلص لدينه وغيور عليه، وعلى هذا الأساس فالأزهر ملك المسلمين جميعًا، وليس ملك مصر وحدها، ولا ملك أبنائه الذين تخرجوا فيه، ولا ملك أبنائه الذين سوف يتخرجون فيه.
* ثانيًا: ليس هناك مسلم واحد مخلص لدينه وغيور عليه، لا يسعده أن يكون الأزهر في القمة، يؤدي- إلى جانب رسالته العلمية- رسالته السياسية، ويحز في نفسه- في ذات الوقت- أن يتهاوى الأزهر من علٍ ويصبح في مهب الضياع، ذيلًا للسياسة لا رأسًا لها، وفي مؤخرة الأحداث الجسام التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون وليس في مقدمتها.
* ثالثًا: إذا كان من حق الأزهر على كل مسلم- لا على الأزهريين وحدهم- أن يحافظ على مكانته، وأن يدافع عنه ما استطاع من جهد- وعلى أساس من الحق- فإن من حق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الأزهر أن يحافظ هو على ذاتيته ولا أقول كرامته فحسب.. أن يكون أهلًا لأن يقدره كل مسلم ويدافع عنه.
* رابعًا: لا كهنوت في الإسلام ولا بابوية، وعلى هذا الأساس نرفض إضفاء القداسة على الأزهر وعلى شيوخ الأزهر، فيؤخذ من الأزهر ومن شيوخ الأزهر، ويرد عليه وعليهم، ويقبل من الأزهر ومن شيوخ الأزهر ما هو جدير بالقبول، ويرفض منه ومنهم ما هو جدير بالرفض، لأننا نربأ بالأزهر أن يكون طريقة صوفية كما نربأ بشيوخ الأزهر أن يكونوا مشايخ طرق صوفية.
* خامسًا: إن الاعتراف بالحق فضيلة، وفضل الأزهر ليس على أبنائه- فحسب- بل على كل حامل قلم إسلامي، وعلى كل عامل في الحقل الإسلامي، فلا جدال في أن الأزهر حافظ على الثقافة الإسلامية، وأن ماضيه أصيل، وأن الأزهر أسهم بجهد مشكور في صياغة العديد من المفكرين الإسلاميين الرواد، الذين كانوا- وما يزالون- روادًا لطلاب المعرفة والعلم.
* وبعد هذا التمهيد من حقنا أن نتساءل:
أين حاضر الأزهر المعاصر من ماضيه؟
لا داعي للمقارنة بين ماضٍ ذهبي مجيد، وبين حاضر معتم تعيس، والذين يتجاهلون ماضي الأزهر المشرق هم لدينا أهون من مناقشتهم أو الرد عليهم، وحسبنا أن نشير هنا إلى مكانة الأزهر خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م وعلى مسار ثلاثة أعوام، كان الأزهر خلال هذه السنوات الحسوم الثلاث الكيان المميز لمصر، بل كانت إرادة مصر بأسرها مجسدة في الأزهر، وحسبنا أيضًا أن نشير إلى موقف الأزهر من حركة عرابي باشا والجيش المصري في الربع الأخير من القرن الماضي، فإزاء خيانة الخديو توفيق الذي مهد لإنجلترا احتلال مصر، أصدرت هيئة كبار العلماء بالأزهر فتواهم التي كتبها التاريخ بمداد من الذهب الخالص، والتي أفتت بردة الخديو ووجوب خلعه عن العرش، وحين حاكم قضاة الاحتلال العلماء. كانت شجاعتهم أثناء المحاكمة صفحة رائعة من البطولة.
وتعالوا بنا إلى حاضر الأزهر:
خلال محن ثلاث للإخوان المسلمين عام 1948، وعام 1954، ثم عام 1965م، ماذا كان موقف الأزهر؟ لقد أصدرت جماعة كبار العلماء بالأزهر ثلاث فتاوى، كفروا فيها الإخوان وطالبوا بتطبيق هذه الآية الكريمة عليهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).
وفي عام 1948 وزع مدير المساجد نشرة على خطباء المساجد، طلب فيها منهم أن يكون موضوع الخطبة هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 93)
على أن يحرر خطباء المساجد الخطبة سلفًا حيث تقرر منح جوائز للمتفوقين منهم، وفي عام 1954م وفي يوم إعدام الشهيد الشيخ محمد فرغلي الواعظ، كتب مفتش للوعظ في جريدة الأهرام واسمه محمد إسماعيل عبد رب النبي بيانًا جاء فيه: إن هيئة الوعظ والإرشاد تتبرأ من المدعو محمد فرغلي الواعظ السابق، وفي عام 1965 أصدر المدعو محمد توفيق عويضة الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يومئذ ملحقًا بمجلة منبر الإسلام وزع بالمجان تحت عنوان: إخوان الشياطين، افتتحه شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون، وكتب تسعين في المائة من مادته علماء من الأزهر، وفي سبتمبر عام 1965 أيضًا خرجت مظاهرات الشيوعيين في الشوارع تهتف: لا إخوان ولا إسلام قتّل قتّل يا جمال.. ذبّح ذبّح يا جمال، ولم تحرك هذه الهتافات العدائية للإسلام لدى الأزهر ساكنًا.
كنا خلف الأسوار في محنة عام 1965 وما بعدها نفاجأ بالتفتيش الدقيق، ليس بحثًا عن المخدرات وإنما عن المصحف، كان المصحف يمثل خطورة في نظر المسئولين عن الأمن في مصر لا مثيل لها، وأذكر أننا ذات يوم اضطررنا إلى تخبئة المصحف الوحيد في سلة المهملات- وبمعنى أصح في صفيحة الزبالة- وفي نفس اليوم لمحت في يد الحارس جريدة الأهرام، وفي صفحتها الأولى حديث لشيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون، وفيه: إن الرئيس عبد الناصر أجرى الحرية لا في مصر وحدها ولكن في العالم العربي كله، وابتسمت في أعماقي لسخرية القدر.
• وليس من باب المقارنة:
إن الشيخ المراغي- شيخ الأزهر الأسبق- صرح خلال الحرب العالمية الثانية حين فكرت مصر في دخول الحرب إلى جانب الحلفاء: بأن هذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
واهتزت بريطانيا لهذا التصريح الجريء، وطُلب من الشيخ أن يصدر بيانًا يعالج الأزمة التي حدثت بشأن تصريحه، فترك منصبه واعتزل في بيته رافضًا ما طُلب منه.. ثم عاد إلى منصبه مكرمًا.
وتعالوا بنا إلى ما حدث بعد عشرين عامًا تقريبًا، فقد أعلن عبد الناصر الحرب العدوانية على اليمن، وأرسل الجيش المصري إلى هناك ليقتل المسلم أخاه المسلم، وليت الأزهر قد التزم الصمت- فضلًا عن أن تواتيه الشجاعة فيعلن رأي الدين في هذه الحرب- بل بارك الحرب وأيدها، وأطلق على القتلى من الجيش المصري لقب الشهداء.
وأرسل عبد الناصر أسلحة وقوات إلى القمص مكاريوس في قبرص لقتل المسلمين الأتراك، وسمح بعد ذلك لطائرات روسيا بأن تزود بالوقود من مطارات مصر، وهي في طريقها إلى الهند لقتل مسلمي الباكستان.. ولم يحرك الأزهر ساكنًا، وقد يعتذر بأنه لم يكن على علم بذلك، مع أن الإذاعات والصحف العالمية نشرت هذه الأخبار، ونحن نرد على اعتذار الأزهر بقول الشاعر:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة | وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم |
وفتح عبد الناصر أبواب مصر على مصاريعها للشيوعية، وأصبحت مصر منطقة نفوذ لروسيا، وحتى بعيد هلاك عبد الناصر، آثر الأزهر السلبية المطلقة إزاء هذا الخطر المحدق بالإسلام، بل ما هو أدهى وأمرّ أن شيخ الأزهر السابق الدكتور محمد الفحام لبى الدعوة إلى زيارة روسيا، ثم عاد ليقول لنا: إن المسلمين هناك بخير يؤدون شعائر دينهم في أمان، ويبدو أن الشيخ لم يقرأ ما نشرته الصحف عن أن فلاحًا مسلمًا هناك ضبط متلبسًا بأداء الصلاة وحوكم بتهمة تعويق الإنتاج.
ولله في خلقه شئون.. وإلى مقال تالٍ إن شاء الله.
القاهرة: محمد عبد الله السمان