العنوان الأزهر في مهب الضياع «الحلقة الأخيرة»
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
مشاهدات 68
نشر في العدد 421
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
عندما يسترد الأزهر اعتباره…
مما لا جدال فيه أن الأزهر اليوم يعيش على ماضيه، وليس على حاضره، ونحن لم نفقد الأمل بعد في أن يسترد الأزهر وجوده واعتباره ويفلت من مهب الضياع الذي يعيشه اليوم، والأزهر قادر على استعادة ماضيه المشرق، إذا وجد فيه علماء رجال يستطيعون أن يساندوا الحق، وإن يقولوا للباطل لا.. بملء أفواههم، ولا نملك إلا أن ندعو الله من قلوبنا أن يهييء للأزهر رجالاً يعرفون قدره، ويدركون أن العالم الإسلامي في مسيس الحاجة إليه اليوم ليواجه التحديات التي تهب على الإسلام عقيدة وفكرًا، ونظامًا وشعوبًا وتراثًا، من الغرب الصليبي والشرق الإلحادي، ولا تنسى أن الأزهر هو المؤسسة الإسلامية الوحيدة الباقية التي لها قاعدة لا يستهان بها من الشباب والشيوخ، أعني أن الأزهر قادر- لو وجد فيه رجال مخلصون- على أن يؤثر لا في سياسة مصر وحدها، بل في سياسة الدول المسلمة قاطبة..
لقد أنشىء الأزهر سنة ٣٦١هـ وكما يقول الدكتور البهي في مقدمته لكتاب.. الأزهر تاريخه وتطوره ،طالما كان الأزهر ملاذًا لعامة الشعب، يهرعون إليه في الأزمات، متلمسين من علمائه الإرشاد والتوجيه، ملقين إليهم بالقيادة الرشيدة الحكيمة ..
وكثيرًا ما كان علماء الأزهر يقفون في وجه الطغاة المستبدين من الحكام الباطشين، وينقل الدكتور البهي عن تاريخ الجبرتي، إن الشعب لجأ إلي الشيخ الدردير– شيخ الأزهر– يستغيث به من طغيان المماليك، فغضب لحرمات الله، وقال للوفود: في غد نجمع أهل الأطراف وأركب معكم، وننهب بيوت المماليك كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم.. فارتاع المماليك وأوفدوا رسلهم إلي الشيخ نادمين مستعدين لرد ما نهب من الشعب.. وهكذا كان الشيخ الشرقاوي شيخ الأزهر فإذا وقع عدوان على الشعب جمع شيوخ الأزهر وأمر بإغلاق أبواب الأزهر والإضراب العام حتى ترد المظالم.. ثم يعقب الدكتور البهي بعد عرضه لطرف من كفاح الأزهر بقوله: ومن هذا يتضح أن الأزهر لم يكن موقفه سلبيًا من الحياة العامة، بل اشترك فيها بدور إيجابي في معظم العصور، وبهذا حفظ للإسلام مكانته، وللشعب عزته وطبق تعاليم الإسلام في أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي أن الجهاد فرض حتمي لدفع العدوان، وفي أن من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد.
وليت الدكتور البهي حدثنا عن الأزهر المعاصر، وأين هو من الأزهر الماضي، فالأزهر الحاضر يعيش السلبية المطلقة، وما فعله عبد الناصر بشعب مصر يتضاءل أمامه ما فعله المماليك، وبالرغم من ذلك عجز الأزهر عن أن يتخذ أي موقف إيجابي من طغيان عبد الناصر، بل كان الأزهر في كثير من الأحيان مسايرًا لطغيان عبد الناصر كانت الاشتراكية قبل عبد الناصر كفرًا وإلحادًا أو مروقًا من الدين، وأصبحت بعد اعتناق الثورة لها أصلاً من أصول الإسلام، بل لقد قال شيخ من شيوخ كلية الشريعة: الإسلام لم يجيء إلا ليمهد للاشتراكية ويوم أن كتب المرحوم الزيات مقاله في مجلة الأزهر عام ١٩٦٣ وهو يومئذ رئيس تحرير المجلة، وقارن فيه بين الوحدة التي دعا إليها محمد - صلوات الله وسلامه عليه- والوحدة التي دعا إليها الناصر صلاح الدين، والوحدة الناصرية، وجعل الوحدة الناصرية تفوق ما سبقها، وكان يقصد بالوحدة الناصرية: الوحدة الثلاثية بين سوريا ومصر والعراق، ويشاء الله أن يتعطل طبع المجلة بسبب أزمة الورق، ولم يطبع منها سوى الملزمة الأولى وفيها المقال، وظهرت المجلة في السوق، وكانت الوحدة الناصرية في خبر كان، وقد فشلت فشلًا ذريعًا، وتراشقت وسائل الإعلام في الدول الثلاث أقذع العبارات وأحط الألفاظ، ووقف الأزهر- إزاء هذا المقال مكتوف الأيدي، والعجيب أن بعض الغيورين على الإسلام أرسلوا برقيات احتجاج إلي الأزهر ورئاسة الجمهورية، ولم يزحزح الزيات عن مقعده، بل كوفئ بإسناد رئاسة تحرير مجلة الرسالة التي أصدرتها وزارة الثقافة، وقد أثارت المقالة ضجة في الدوائر العربية والإسلامية حتى لقد كتبت إحدى صحف المملكة السعودية نعيًا للزيات، حيث اعتبرت المقالة بمثابة موت أدبي له.. والأزهر هو الوحيد الذي التزم الصمت، ولو قدر للزيات أن يكتب مقالاً يمس فيه سياسة عبد الناصر لنُحي عن مكانه في دقائق معدودة.
وأذكر أحد علماء الأزهر بالخير في هذا المجال، هو الشيخ طه الساكت الذي كان رئيسًا للتفتيش بالأزهر ،كان عبد الناصر يصلي الجمعة بمسجد الأزهر، وتقدم إليه هذا العالم الشجاع ليسلمه مذكرة، وقال: يا سيادة الرئيس: إن الله أخذ على العلماء أن ينصحوا ولاة أمورهم.. واكفهر وجه عبد الناصر، وأشار إلي كبير يا وراته الفريق سعد الدين، باستلام المذكرة من الشيخ... كل هذا حدث على مرأى ومسمع من شيخ الأزهر وكبار رؤسائه.. واضطربت إدارة الأزهر وأعلنت حالة الطوارئ، وتقرر على الفور نقل الشيخ رئيس التفتيش إلي معهد ديني صغير في أقاصي الصعيد مدرسًا به، ونفذ الشيخ النقل على الفور محتسبًا موقفه عند الله وحده.. وخاب ظن إدارة الأزهر، وخاب ظنها فيما توقعته وكانت المخابرات من الذكاء بحيث لم تجعل من الشيخ بطلاً باعتقاله أو التحقيق معه بل جعلت الرئاسة تبعث برسالة شكر إليه، وأسقط في يد الإدارة، وتوسلت إلي الشيخ بالعودة إلي منصبه معززًا مكرمًا لكن الشيخ رفض، وإزاء الإلحاح عليه عاد إلي القاهرة ثم قرر الهجرة إلي السعودية، ومن هناك أرسل مذكرة إلى رئيس الجمهورية قال فيها: إنه قرر عدم العودة إلى مصر، حتى تحكموا كتاب الله بيننا وبينكم.. ولم يعد إلي القاهرة إلا بعد أن اعتلت صحته..
إننا لا نفكر- على الإطلاق- في المقارنة بين الأزهر والفاتيكان، أو بين شخصية كل من شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان؛ لأن نتيجه المقارنة لن تكون في مصلحة الأزهر وشيخ الأزهر ومع أن دويلة الفاتيكان جزء من أرض إيطاليا، إلا أن للفاتيكان نفوذ على إيطاليا، وعلى دول الكاثوليك وغيرها من الدول المسيحية، وكلمة البابا لها وزنها لا في سياسة إيطاليا، بل في السياسة الدولية برمتها، وعلى العكس تمامًا، فليس للأزهر تأثير حتى في الحي الذي يقيم به، كما ليس لشيخ الأزهر أدنى تأثير على الحياة الخاصة في مصر، فضلًا عن الحياة الدولية العامة، وقد أعلنت مصر الحداد على وفاة البابا سبعة أيام، ولم يحدث أن أعلنت الحداد على موت شيخ الأزهر حتى بضع دقائق، وقد أرسلت مصر وفدًا برئاسة وزير الثقافة للاشتراك في تشييع جثمان البابا إلي مثواه الأخير، ولم يحدث، إن دولة مسيحية أو حتى إسلامية بعثت وفدًا لتعزية مصر في وفاة شيخ الأزهر وقد نقل تليفزيون مصر عن طريق القمر الصناعي تشييع جنازة البابا، ولم يحدث ذلك بالنسبة لتشييع جنازة شيخين من شيوخ الأزهر، هما الشيخ شلتوت والشيخ حسن مأمون، وعندما توفى شيخ الأزهر الدكتور عبد الرحمن تاج كتبت الأهرام بضعة عشر سطرًا عن حياته، بينما شغلت الصفحة الأخيرة كلها بوفاة المغنية الراقصة الأمريكية جوزفين بيكر ..
والأزهر مثلا يكاد لا يحس بالأحداث الجسام التي تحيق بالأمة الإسلامية، أحداث بورما وأفغانستان وأريتريا وتشاد والصومال واليمن الجنوبية وغيرها، ولا يملك الأزهر إلا الصمت لأنه تابع لسياسة الدولة، ولا يملك الخروج عنها..
إن شيخ الأزهر يعين بقرار جمهوري ولذلك فهو مدين بالولاء لمن يصدر قرار تعيينه، ويملك في الوقت نفسه عزله من منصبه، وبابا الفاتيكان تنتخبه الكرادلة ولو أراد الأزهر لنفسه خيرًا، لسعى إلى أن يكون انتخاب شيخ الأزهر عن طريق أعضاء مجمع البحوث الإسلامية مثلاً، أو المجلس الأعلى للأزهر، وبذلك يمكن لشيخ الأزهر أن يلعب أخطر دور في حياتنا السياسية والاجتماعية.
وبعد ..
فالله وحده هو العليم بما تكنه نفوسنا للأزهر المعنى لا الإدارة والمبنى فالأزهر جزء من كيان الإسلام سواء أرضي خصوم الإسلام أم لم يرضوا، ولكن الصائدين في الماء العكر، قد يؤولون المقالات إلي محمل غير حسن، وهؤلاء حسابهم على الله، وقد أدلى الدكتور عبد الحليم شيخ الأزهر بحديث إلي مجلة الدعوة السعودية، وعتب فيه على المجلة نشرها مقالات تتهجم على الأزهر ورجاله، والواقع إن المجلة لم تنشر إلا نقدًا موضوعيًا، ومعنى هذا أن الشيخ يريد للأزهر قداسة، وذاتًا مصونة يجب ألا تمس، وبذلك يفرض على الإسلام كهنوتية مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان...
ونحن لم نتجن على الأزهر ولم نغمطه حقًا، وكما أشدنا بالأزهر الماضي، وبعض مواقف لبعض رجالاته، فمن حقنا أن ننقد الأزهر الحاضر؛ لأننا نريد به وله الخير، ويوم أن حدثت الأزمة لشيخ الأزهر بسبب محاولة الاعتداء على سلطانه ومحاولة الانتقاص منها، وقف حامل هذا القلم المتواضع إلي جانب شيخ الأزهر الحالي أو أي شيخ للأزهر بعده أن يسترد للأزهر اعتباره الضائع والمضيع معًا، سيجدني وسيجد ممن هم أعظم مني شأنًا جنودًا للأزهر البقية الباقية للإسلام ...
والله على ما نقول وكيل..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل