العنوان الأزهر في مهب الضياع -٤- الحاضر المدين للسلبية بالولاء
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
مشاهدات 86
نشر في العدد 418
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
*لا يجادل إنسان في أن في مصر حركة قوية تطالب بتطبيق شريعة الله، وتكاد هذه الحركة تتركز في الجماعات الدينية في جامعات مصر ومعاهدها العليا، وقد استطاعت هذه الحركة أن تثبت وجودها في انتخابات اتحاد الطلاب، بالرغم من كل الأساليب غير المهذبة التي استعملت ضد الاتجاه الإسلامي في الجامعات، بل لقد كان لهذه الحركة الإسلامية أثرها وتأثيرها في مجلس الشعب السابق، حيث برز من أعضائه من يرفع صوته مطالبًا وملحًا في الطلب بتطبيق شريعة الله، وقد لوحظ أن في الانتخابات الأخيرة لم يفز بعضوية المجلس الحالي معظم الذين رفعوا أصواتهم في المجلس السابق مطالبين بتطبيق الشريعة، لكن الله قيض في المجلس الحالي لشريعته من يدافع عنها ويدعو إلى رد اعتبارها في دولة يقال إنها دولة العلم والإيمان، والتي نص دستورها على أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي في التشريع، والدولة التي يكاد يجمع شعبها على إحياء شريعة الله المعطلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا: هل هناك موقف مساندة من الأزهر للحركة الإسلامية في الجامعات والمعاهد المصرية؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال يجدر بنا أن نتساءل: لماذا لم نلاحظ أي أثر يذكر للحركة الإسلامية في جامعة الأزهر؟ ألا يتبادر إلى أذهاننا أن جامعة الأزهر أولى بتنشيط الحركة الإسلامية من غيرها؟ هل حرص كبار المسئولين على مناصبهم هو الذي يجعلهم يوالون الضغط على الشباب الأزهري حتى لا ينفعل مع الحركة الإسلامية القوية في الجامعات الأخرى؟
ولنعد إلى موضوعنا:
إن للأزهر موقفًا سلبيًّا من الحركة الإسلامية في الجامعات.. منذ سنوات قررت الجماعة الإسلامية في جامعة الزقازيق إقامة معسكر صيفي، وتصدى للشباب مدير الجامعة هناك الدكتور طلبه عويضة، الذي كان يرفض الاعتراف بأية جماعة إسلامية في جامعته، إلا في ظل الاتحاد الاشتراكي المتهالك أو في ظل جمعية الشبان المسلمين التي أصبحت أسماء على غير مسمى.. ولكن الشباب المسلم هناك لم يعبأ بتدخل مدير الجامعة، ولا مضايقات المباحث العامة، وأصر على إقامة المعسكر.
وقد كان.. لكن ما حدث بعد ذلك كان أغرب من الغرابة، فقد توجه وفد من الطلبة لدعوة شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود لافتتاح المعسكر، فأصر الشيخ على ضرورة أن توجه إليه الدعوة رسميًّا من المحافظ، هذا في الوقت الذي نشرت الصحف فيه أن الإمام الأكبر يشترك في ندوة دينية كل مساء خميس، تقيمها سيدة عضو في مجلس الشعب، وبالطبع لم يشترط الإمام لحضور مثل هذه الندوة أن توجه إليه دعوة رسمية من محافظ القاهرة.
وفي محافظة أسيوط جامعة مدنية وجامعة للأزهر، والمعروف أن أسيوط هي مركز الثقل الصليبي، وفي جامعة أسيوط حركة إسلامية قوية، وكان المفروض أن تلتحم معها جامعة الأزهر.. أو على الأقل تأخذ بيدها، ولكن يبدو أن المفروض شيء والواقع شيء آخر، وقد دعيت أكثر من مرة لأحاضر الجماعة الإسلامية هناك، وكمْ تألمت حين سمعت الشباب يؤكد أن جامعة الأزهر في أسيوط تكاد لا تحس بهم فضلًا عن أن تسأل عنهم.
*ولننتقل إلى قضية الشريعة الإسلامية المعطلة في مصر، دولة العلم والإيمان، وأذكر أن شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود- رحمه الله- ألقى محاضرة في نادي القضاء، وأخرى في نادي قلم قضايا الحكومة، ندد فيهما بكليات الحقوق، وألقى عليها تبعة تعطيل تطبيق شريعة الإسلام، ففي هذه الكليات يلقى على الطلبة عشرون محاضرة في القوانين الوضعية، ومحاضرتان- فحسب- في الشريعة الإسلامية، كذلك حمَّل وزر تعطيل الشريعة القضاة الذين يحكمون في المحاكم الأهلية بالقوانين الوضعية، وأخيرًا طالب بإلغاء كليات الحقوق.. وهذا كلام يثير الضحك، فكليات الحقوق ليست هي السبب المباشر لتعطيل تطبيق الشريعة، وليسوا قضاة المحاكم الشرعية، وكان الأولى بالشيخ أن يحمّل النظام الحاكم في مصر مسئولية التعطيل ومعه مجلس الشعب.. وكان أولى بالشيخ أيضًا بدلًا من أن يطالب بإلغاء كليات الحقوق أن يطالب بتغيير برامجها بعد فترة انتقال معقولة؛ لتكون الشريعة الإسلامية القاسم المشترك الأعظم في المناهج، وفي الدراسات المقارنة. وهل نسي الشيخ أن كليات الشريعة في جامعة الأزهر أصبحت تدرس القانون المدني الوضعي؟
ولست أدرى إن كان الشيخ أو لم يكن على علم بما حدث منذ أكثر من عامين في مجلس الشعب المصري، فقد تقدم عضوان منه إلى المجلس مطالبين بتعديل المادة الثانية في الدستور، فتصبح: الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي في التشريع والقوانين، بدلًا من: الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي، والفرق واضح، ولما كانت لوائح المجلس تنص على أن تعديل مادة في الدستور لا بد من موافقة ثلث الأعضاء، حتى يناقش الطلب، واستطاع العضوان أن يحصلا على توقيع مائة وثلاثين عضوًا أي بزيادة عشرة على ثلث المجلس.. وعلى الرغم من أن اللوائح تنص على المناقشة خلال عشرة أيام، إلا أن رئيس المجلس السيد مرعي ماطل وسوَّف حتى قبيل انتهاء الدورة، فقابل العضوان رئيس المجلس الذي راوغهما وطلب منهما التغاضي عن المسالة، وأمام إلحاحهما وإصرارهما على موقفهما، فاجأهما بأن مائة واثنين وعشرين عضوًا وقعوا بالتنازل وسحب توقيعاتهم، ورأى العضوان ذلك رأى العين وأسقط في أيديهما، وبالطبع كان رئيس المجلس وراء الضغط على هؤلاء الأعضاء، الذين أثبتوا أنهم ليسوا أهلًا للشجاعة والرجولة.
ونحن لا يهمنا إن كان شيخ الأزهر- رحمه الله- كان يعلم أو لا يعلم، وإنما يهمنا اليوم أن نعرف: ما موقف الأزهر من هذه القضية؟ وهل يستطيع الأزهر مثلًا أن يكون له موقف؟ هل يستطيع أن يخرج على المسلمين ببيان صريح عن رأي الإسلام فيمن يحكم بغير ما أنزل الله؟ وفيمن يعطل عن عمد تطبيق شريعة الله؟ لقد تصدى الأزهر على سبيل المثال للعقيد معمر القذافي لأنه قال بالاكتفاء بالقرآن مصدرًا للتشريع.. وهذا حسن.
ولم يتصدَّ للرئيس بورقيبة الذي يعتدى على شريعة الله في الأحوال الشخصية.. وهذا سيئ؛ لأنه مسموح في مصر بمهاجمة القذافي وغير مسموح بالمساس بالرئيس بورقيبة، ومعنى هذا أن الأزهر يتبع السياسة أينما اتجهت، وإذا كان القذافي قد استحق كل هذا الهجوم لأنه لا يعتمد السنة مصدرًا للتشريع، فلماذا التخاذل أمام الذين مضوا- ولا يزالون يرفضون- أساسًا شريعة الله متمسكين بقوانين وضعية تمتد جذورها إلى عهد الرومان؟
واللوم لا ينصب على الأزهر المعاصر فقط وإنما ينصب على الأزهر منذ أن فرطت مصر في شريعة الله، واستبدلت بها القوانين الوضعية، لكن اللوم يجب أن ينصب أكثر على الأزهر المعاصر لأن مصر تخلصت من الاستعمار، ولأن الوعي الإسلامي نحو هذه القضية بلغ درجة طيبة، فقد أثيرت في مجلس الشعب، وأثارها- ولا يزال يثيرها- اتحاد الشباب الإسلامي في الجامعات، إذن فالجو اليوم مناسب تمامًا.
وأذكر أن المغفور له الأستاذ حسن الهضيبي قال لي ونحن خلف الأسوار، إثر نتيجة الاستفتاء الشعبي بشأن قضية التشريع الإسلامي: نحن اليوم سعداء، فالأذى الذي وقع بالإخوان طيلة زهاء ربع قرن كان من أسبابه إصرارهم على المطالبة بتطبيق شريعة الله، وهذا هو الشعب المصري بأغلبية ساحقة- أكثر من ٩٥ بالمائة- يطالب بما كان سببًا في إيذاء الإخوان، ولو كان للإخوان اليوم وجودهم الرسمي خارج الأسوار، لكان للقضية شأن آخر.
*أريد أن أقول:
لا عذر للأزهر اليوم.. إلا أن كبار المسئولين عنه أعجز من أن يتحركوا هم فضلًا عن أن يحركوا الأزهر ليتخذ موقفًا، وكل ما هو جدير باهتماماتهم أن ينالوا رضا السلطة والسلطان، ليصلوا إلى مناصب دنيوية أرقى، أو على الأقل ليبقوا في مناصبهم، وكان الله وحده في عون شريعة الله.
للحديث بقية