; الأزهر الشريف أهلًا.. فقد طال الغياب | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر الشريف أهلًا.. فقد طال الغياب

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994

مشاهدات 64

نشر في العدد 1112

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 16-أغسطس-1994

في تاريخنا الإسلامي والعربي كله إلى يومنا هذا لم يبن عندنا نهضة أو يؤسس لنا حضارة، أو يشيد لنا هوية إلا صنف معين، هم رجال الإيمان وأبطال الفتوح، وصناع النهضات والحضارات الإنسانية، رجال النور والعزمات، بناة الأمم، حماة الديار أسود الملاحم، هؤلاء هم مجدنا الباعث، وعزنا الفاعل ورجولتنا المعلمة، وهذا هو تاريخنا المشرق وأثرنا المبهر يسطر هذا ويدل عليه، ويردد هذا ويرشد إليه، عشنا في رحابه زمناً وسعدنا به دهراً، فحلت في ديارنا العزة والنعمى، وكانت لنا الحسنى وزيادة، إلى أن غفا العقل المؤمن، وسها الفكر المسلم فضاع من قدمه الطريق، وضل من قصده السبيل، وانحرفت عن وجهته القبلة، وانحدر حتى كان قاب قوسين أو أدنى من الهاوية وخرجت له مسوخ وأفاعٍ، وشياطين وأبالسة في وسط ليله البهيم وتيهه الأليم تريد أن ترديه في الهلاك، وتغمسه في الجحيم وتحول بينه وبين تاريخه الناهض ومجد آبائه الباعث وقصص أبطاله الفاعل تشوهه له وتكرهه فيه، وتدعوهم إلى التنكر له وصدق شوقي حين قال:

لا تحذُ حذو عصابة مفتونة *** يجدون كل قديم شيء منكرا

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا *** من مات من آبائهم أو عمرا

من كل ماض في القديم وهدمه *** وإذا تقدم للبناية قصرا

وأتى الحضارة بالصناعة رثةً *** والعلم نزراً والبيان مثرثرا

واليوم بعد تطواف بئيس وتجارب مهينة صحا النائم وانتبه الغافي والتفت الجميع إلى صوت التكبير والتهليل وأصغى الكل إلى نداء الآباء والأجداد، والتفتت الأمة إلى أزهرها الشريف المعلم وإلى حصنها العتيد المربي فوجدته غافياً مع الغافين وكان العزم والفتوة والجهاد والتضحية فسارت الطلائع والمعلم نائم، وهبت الجموع والقائد مدثر والتهبت الأجواء والناصح وسنان واشتدت الفتن والناصح غائب، وبرزت قرون الشياطين وسلطان الإيمان ذاهل، إلى أن بدت في الأفق بشائر إصباحه، وظهرت في الكون أشعة شمسه فوقفت جماهير رواده إجلالاً له، وهبت جموع عشاقه تحييه وصاحت مواكب المجاهدين في الشرق تطريه، والتهبت حناجر الشعوب بالهتاف تعليه:

قم في فم الدنيا وحي الأزهرا *** وانثر على سمع الزمان الجوهرا

واذكره بعد المسجدين معظماً *** لمساجد الله الثلاث مكبرا

واخشع ملياً واقض حق أئمة *** طلعوا به زهراً وماجوا أبحرا

كانوا أجل من الملوك جلالة *** وأعز سلطاناً وأفخم مظهرا

من كل بحر في الشريعة زاخر *** ويريكه الخلق العظيم غضنفرا

العلم فيه مَناهِلاً وَمَجانِياً*** يأتي له النزاع يبغون القرى

حتى ظننا الشافعي ومالكاً *** وأبا حنيفة وابن حنبل حُضَّرا

وأتى الزمان عليه يحمي سنة *** ويذود عن نسك ويمنع مشعرا

والحقيقة التي لا يماري فيها أحد أن الأزهر بعلمائه حمل لواء الكفاح في الشرق زمناً ضد الغازين والمغيرين والطامعين في استعباد البلاد والعباد.

فلما قدمت الحملة الفرنسية ووطئت أرض مصر، قاد الإسلام وحده حركة المقاومة وقاتل الفرنسيين شبراً شبراً، وكان علماء الدين هم قادة هذه المقاومة الباسلة ووقودها المتوهج، وحرك العلماء جمهور القاهرة فانتفض ضد الغزاة، وكان الجامع الأزهر مصدر الثورة، وجاهدوا جهاداً مريراً حتى تبعثرت جثث العلماء المسلمين حول القلعة وهم يقاومون الفرنسيين وضرب الأزهر بالمدافع ودخلت جيوش الفرنسيين الأزهر وتفرقوا في صحنه وبالوا فيه وربطوا خيولهم في محرابه وشربوا الشراب، وقبض الفرنسيون على الشيخ أحمد الجوسقي، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد الله الشبراوي، والشيخ يوسف المصلحي وعروهم من ثيابهم وصعدوا بهم إلى القلعة فسجنوهم وفي الصباح أنزلوهم وقتلوهم بالبنادق وألقوهم من السور خلف القلعة ولم تعرف لهم قبور.

فإذا بأحد المشايخ وهو سليمان الحلبي ينتقم من الفرنسيين فيقتل قائد الحملة كليبر وتشتد المقاومة ويؤتى بسليمان الحلبي ليقتل فيسير رافع الرأس رابط الجأش، وقد صرح قبل قتله أنه قتل كليبر في سبيل الله كل هذا وما وهن الأزهر أو استكان حتى أفرغوه من سلطته، ولكن يكاد الأزهر بعد طول غياب عن الساحة أن يحمل المشعل ليدافع من جديد عن دين الله سبحانه ضد الهجمة الشرسة للمحتلين الجدد الذين يريدون احتلال العقول وضرب التعاليم الإسلامية، وتغيير وجه الأمة الحضاري وهويتها الإسلامية.

وقد تجلى ذلك في القانون الذي أصدره حسين بهاء الدين بإعلان الحرب على الحجاب وتحريم اللباس الإسلامي في دور التعليم فقام الأزهر قومته التي انتظرها جمهور الأمة ليقول كلمته الفاصلة، وليرد الأمر إلى نصابه، وليبطل هرطقة الجهلاء ويحفظ على الأمة دينها وتعاليمها وهويتها، ونحن وإن كنا نعلم أن الأزهر لا يملك غير الكلمة، ولكنها كلمة الشرع الذي يسري في كيان الأمة، وكلمة الوحي المجلجل الطارد للشياطين والأبالسة، فيا أيها الأزهر المعمور ويا أيها الرجال الصدق، لقد أعطى القوس باريها، فقولوا كلمتكم في الحريات، وفي القهر والظلم والتسيب والفسوق والعصيان، والأمة كلها ترحب بكم وتنتظركم، فأهلاً.. لقد طال الغياب!

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

174

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 17

118

الثلاثاء 07-يوليو-1970

مِرْآة الرأي العالمي

نشر في العدد 97

114

الثلاثاء 25-أبريل-1972

من أخبار العالم الإسلامي