العنوان الأزهر الرجال والمعنى لا المظاهر والمبنى
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1983
مشاهدات 68
نشر في العدد 616
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 12-أبريل-1983
- لن يكون أزهرًا إلا إذا كان
حاضره امتدادًا لماضيه.
- عندما يقول شيخ أزهري عن
السادات «لا يسأل عما يفعل» فإن في الأمر كارثة.
لم
أفكر في الكتابة عن العيد الألفي للأزهر أو بمعنى أصح وأدق عن المهرجان الذي خطط
له، بعد أن مضى على الذكرى أكثر من أربعين عامًا هجريًا؛ لأن الدولة التي حق
لها أن تفخر بالأزهر كانت طوال هذه الفترة مشغولة بمهرجانات السينما، ولأن
إقامة مهرجان لذكرى سيد درويش، والملحن اليهودي داود حسني، ويوسف المنيلاوي، ثم
بعد ذلك أم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ -إقامة مهرجانات لهؤلاء وغيرهم لدى
الدولة أهم آلاف المرات من إقامة مهرجان للأزهر حتى في عيده الألفي ولأن الأزهر
النائم -نومة العافية- قد افتقد الرجال الذين يدافعون عن الأزهر، وحل
محلهم أشباه الرجال الذين يخطبون ود السلطة، ويجتهدون لكي يسيروا وفق هواها.
ونحن
لا نقول هذا على سبيل التعميم بالطبع فإن هناك علماء رجالًا، ولكنهم قليلون،
بالإضافة إلى أنهم في الظل، لا تسلط عليهم الأضواء برغم أنهم زاهدون فيها، ولا
يمكنون من المناصب الكبيرة في الأزهر، برغم أنهم لا يتطلعون إليها، ولا يدور شأنها
بخلدهم.. منذ ربع قرن عرضت مشيخة الأزهر على عالم جليل شجاع، فاشترط أن ترفع
العسكرية يدها عن الأزهر، وبالطبع لم يجب إلى طلبه، بل اعتبر الشيخ الجليل في نظر
العسكريين نشازًا، وكان الشيخ الخضر -رحمه الله- شيخًا للأزهر، وكانت
استقالته في جيبه بل كانت صورة منها في مكتب مديره، وقد أوصاه إذا رأيتني في موقف
ضعف فقدم استقالتي نيابة عني، ولم يعمر الشيخ في مشيخة الأزهر إلا عامين -رحمه
الله- رحمة واسعة، والسبب أن الشيخ الذي ناهز الثمانين من عمره، كان يواجه
السلطة بقلب شاب مؤمن، وهو يطالب ويلح في المطالبة بحقوق الأزهر المادية والأدبية.
وأذكر
من مواقفه على -سبيل المثال- موقفه من خلع السلطان محمد الخامس سلطان
المغرب على أيدي فرنسا وأعوانها من المغاربة الخونة، وعلى رأسهم الجلاوي، جمع
الشيخ هيئة كبار العلماء، فأصدرت بيانًا يندد بفرنسا ويناشد العالم الإسلامي أن
يتحرك واتهم عملاء فرنسا الخونة بخروجهم على الإسلام وأرسل البيان إلى الصحف، ولمَّا
لمْ ينشر البيان في الصباح أرسل صورة منه إلى رئيس الجمهورية مرفقا به استقالة شيخ
الأزهر، وكان أن نشر البيان في اليوم التالي!
- قلت
إن الأزهر رجال ومعنى وليس مجرد مظاهر ومبنى، ولكن مما يؤسف له أبلغ الأسف أن
البعض حتى من الأزهريين أنفسهم- لا يحاول أن يفهم هذه الحقيقة فالأزهر في
نظره أحد المقدسات التي لا ينبغي المساس بها من قريب أو بعيد، وهذا البعض -من
حيث يدري أو لا يدري- يضفي على الأزهر صفة الكهنوت، ويتجاهل -عن قصد أو عن
حسن نية- أن الأزهر معنى استقر في أذهان الأمة المسلمة، باعتباره رسالة تؤدي
للإسلام والمسلمين معًا، يحملها إلى البشرية رجال يقدرون رسالة الأزهر، ويقدرون
أنفسهم، لأنهم حملة هذه الرسالة، فإذا هانت عليهم أنفسهم، هانت رسالة الأزهر على
من سواهم..
والذي
حدث في العيد الألفي للأزهر أو في هذا المهرجان، أن دار معظم البحوث والدراسات حول
ماضي الأزهر المشرق، ونحن لا ننكر أن للأزهر ماضيًا مشرقًا، ولكن في نفس الوقت
نتحدى أن يكون للأزهر حاضر مشرق، ولا قيمة للفخر بالماضي ما لم يكن باعثًا على
حاضر يعتز به، وإذا كان حاضر الأزهر معاهده الكثيرة، وجامعاته التي يتخرج منها
المئات كل عام، فليس هذا مجال فخر للأزهر، لأن غيره من الجامعات
الإسلامية -في غير مصر- يقوم بهذه المهمة خير قيام، وإذا كان حاضر
الأزهر كذلك هؤلاء المبعوثين منه إلى أرجاء العالم، فإن غيره من الهيئات الإسلامية
يقوم بهذا الدور، في السعودية وغيرها..
ولكن
الحاضر الذي نريده للأزهر، هو الذي يكون امتدادًا لماضيه العظيم، يعايش الأحداث
التي لها صلة بالإسلام والمسلمين أو حتى بالمجتمع البشري، ويؤثر فيها، لا يخطب ود
السلطان، بل السلطان هو الذي يخطب وده، لا يشرف شيخه أن يلقب بالإمام الأكبر، ولا
أن يساوي رئيس الوزراء في المركز المالي، ولا يساوى في المركز الاجتماعي والأدبي
برئيس مجلس إدارة مؤسسة من المؤسسات، وإنما يشرفه أن يختاره العلماء عن ثقة فيه
واقتناع به، وأن يقول «لا» بملء فيه لكل انحراف في السياسة الداخلية أو
الخارجية عن الإسلام، ولكل انحراف في الأخلاق والسلوك، ولو كان المنحرف على رأس
علية القوم!
عندما
أعلنت مصر الحرب على الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، قال الشيخ المراغي شيخ
الأزهر يومئذ من صدر الأزهر لإعلان الحرب: «لا» هذه الحرب لا ناقة لنا
فيها ولا جمل! واهتزت السفارة البريطانية في القاهرة والتمس المسؤولين من الشيخ أن
يصدر بيانًا يخفف فيه من حدة بيانه السابق، فأبى ومنح نفسه إجازة غير رسمية،
واستقر في منزله.
مصر
أعلنت الحرب مجرد إعلان لتستغله بريطانيا المحتلة لمصر سياسيًا، ولكن عبدالناصر شن
الحرب فعلًا على الإخوة العرب والمسلمين في اليمن إثر فشل الوحدة مع سوريا، فلم
يرتفع صوت واحد من الأزهر يقول: هذه حرب عدوانية ظالمة، بل باركها الأزهر
واعتبر القتلى من المعتدين شهداء.
وكان
الشيخ محمد شاكر وكيلًا للمشيخة، أدى صلاة الجمعة في مسجد مجاور للأزهر، فسمع خطيب
الجمعة يمتدح الخديوي لأنه هش وبش في وجه طه حسين حين استقبله مودعًا له قبل سفره
في بعثة إلى فرنسا. قال الخطيب يمتدح الخديوي: «جاءه الأعمى فما عبس وما
تولى» وما إن انتهت الصلاة حتى نهض الشيخ محمد شاكر يقول للمصلين: «أيها
الناس؛ أعيدوا صلاتكم، فإن صلاتكم خلف هذا الإمام باطلة» ثم كتب مذكرة إلى
المسؤولين يطلب فيها تنحية هذا الخطيب الذي عرض برسول الله- عن خطبة الجمعة.
وبالأمس
غير البعيد وقف شيخ أزهري في صحن مجلس الشعب يقول عن السادات: «لو كان الأمر بيدي
لاعتبرت السيد الرئيس في مرتبة الذي لا يسأل عما يفعل» ولم يرتفع صوت واحد من
الأزهر يقول لهذا الشيخ المفتون: «فض الله فاك.. خسئت وخسئ معك من ألهته».
ومنذ
مائة عام إثر الحركة العرابية، حيث لجأ الخديوي توفيق الجالس على عرش مصر يومئذ
إلى الإنجليز، فدخلوا مصر وضربوا الحركة العرابية، واحتلوا الديار أكثر من سبعين
عامًا، ولقد اجتمع هيئة كبار العلماء بالأزهر وأصدروا وثيقة تدين الخديوي بالخيانة
وخروجه على الإسلام وتطالب بعزله، وقدم جميع الأعضاء إلى المحاكمة.. وعندما
بدئ في محاكمة أحد الأعضاء، وكان قد تخلف -لعذر قهري- عن توقيع الوثيقة
قال: «لم يكن لي شرف التوقيع على هذه الوثيقة، فأرجو أن أوقع عليها أولًا، ولكم
بعد ذلك أن تبدؤوا محاكمتي»!
وفي
عام ١٩٤٨م ضرب حفيد الخديوي توفيق الخائن حركة الإخوان المسلمين استجابة لطلب
إنجلترا، وفي عام ١٩٥٤م كرر نفس الجريمة عبدالناصر استجابة لرغبة أميركا، وفي عام
١٩٦٥م كرر الطاغية نفس الضربة للمرة الثانية لحساب روسيا الشيوعية الملحدة، وفي كل
مرة كانت هيئة كبار العلماء تصدر بيانًا ضد الإخوان المسلمين، تصدره بالآية
الكريمة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ
تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).
عبدالناصر
الذي لم يضع يده في يد حاكم مسلم، وإنما وضع يده في يد تيتو الشيوعي ونهرو
الهندوكي، ومكاريوس الصليبي، وناصر الهند الهندوكية على الباكستان المسلمة في قضية
كشمير، وناصر الصليبية على الإسلام في مشكلة قبرص بين اليونان وتركيا، وفتح أبواب
مصر على مصاريعها للشيوعية ابتداءً من الستينيات، وهاجم مشايخ الأزهر في إحدى خطبه
وقال عنهم إنهم يأكلون الديوك الرومية ثم يصدرون الفتوى.. عبدالناصر هذا يقول
عنه شيخ للأزهر عام ١٩٦٠م وهو في طريقه إلى أميركا لحضور اجتماع هيئة الأمم: «إن
رحلة الرئيس من القاهرة إلى واشنطن من أجل السلام هي شبيهة برحلة الرسول من مكة
إلى المدينة من أجل السلام».
وفي
عام ١٩٦٥م ونحن على أبواب المعتقل يجري معنا تفتيش دقيق لا بحثًا عن المخدرات ولكن
بحثًا عن المصحف كتب شيخ الأزهر في جريدة الأهرام: إن عبدالناصر أجرى الحرية
أنهارًا لا في -مصر فحسب- بل في سائر البلاد العربية.
وفي
عام ١٩٦٤ صدر كتاب عن الأزهر بعنوان «الأزهر تاريخه وتطوره» وفيه: لقد
كان عبدالناصر بذرة صالحة، وكانت الأرض تربة صالحة، فما التقت بالبذرة بالأرض حتى
أينعت وازدهرت وشمل ازدهارها كل فروع الحياة، لا في الجمهورية العربية وحدها، ولا
في العالم العربي بأسره، بل في العالم الإسلامي كله، وفي إفريقية أمتد هذا الضوء
فصافح الحياة في دول أخرى عديدة.
وهذا المهرجان الذي استمر أسبوعًا، ما هي
النتيجة؟
قرارات
وتوصيات لمجرد الاستهلاك أبرز ما فيها: اعتبار كلمة السيد رئيس الجمهورية
التي ألقاها في الافتتاح وثيقة تاريخية يسير على هديها الأزهر في حاضره ومستقبله..
تكلم شيخ الأزهر ووكيله ومدير جامعته وأمين مجمع البحوث في حضرة رئيس الجمهورية
فلم يصدع أحد بكلمة لوجه الله، قائلًا للرئيس: يا سيادة الرئيس: لقد مضى
على الاستفتاء الشعبي الذي كانت نتيجته شبه إجماع على أن تكون الشريعة الإسلامية
المصدر الرئيسي لكافة التشريعات والقوانين -مضى على هذا الاستفتاء ثلاثة عشر
عامًا، والشريعة ما تزال معطلة، بينما سائر الاستفتاءات الأخرى يبادر التطبيق فيها
إثر إعلان النتيجة.. يا سيادة الرئيس: إن معاهدة السلام مع إسرائيل أدت
إلى أن تزداد شراهةً في اغتيال الأرض العربية وسفك الدماء العربية.. ولابد من
إعادة النظر.. يا سيادة الرئيس: يجب أن تسترد إلى الأزهر أوقاف المسلمين
المغتصبة، ليواصل الأزهر رسالته.. إن مكتبة الأزهر -يا سيادة الرئيس- الزاخرة
بالتراث الإسلامي، والتي تعرضت للتلف والنهب والسرقة، هذه المكتبة آيلة للسقوط!
أليست هي أولى من رصد مليون جنيه في ميزانية هذا العام من أجل بناء المسارح ودور
السينما.. وما أكثر ما يجب أن يقال للسيد الرئيس في مثل هذه المناسبة، لو أن
في الأزهر اليوم رجالًا!
- وأخيرا
وليس آخرًا:
إن
كل مسلم يعتز بالإسلام معنى ورجالًا، ولسنا نحاسب الأزهر، ولكنا نود أن
نقول: إن التغني بماضي الأزهر المشرق وحده لا يكفي، بل لابد أن يكون حاضر
الأزهر امتدادًا لماضية، لقد عبر الأستاذ مصطفى أمين في فكرته في 22/3/1983 عما يختلج في نفس كل مسلم يعتز بدينه عبر عن
الأزهر الحاضر والمستقبل الذي نتمناه، قال:
«إننا
نريد من الأزهر أن يجدد تاريخه.. نريده أن يكون المنبر الذي يقف عليه دعاة
الحرية في كل بلاد العالم.. نريده محاميًا عن المبادئ.. مبشرًا بعصر جديد
تجلس فيه الأخلاق على العرش بعد أن ديست بالأقدام.. ويبشر بعالم لا يعتدي فيه قوي
على ضعيف ولا يأكل فيه غني حق فقير.. عالم لا مكان فيه لعبادة المادة وعبادة
السلطان.. لا يباع فيه الرجال بالمال.. الأزهر الذي نريده هو الذي يعيد
الإيمان إلى الذين كفروا بالقيم وعبدوا الأوثان وأصبحت جنتهم هي المال الحرام».
ونحن
نقول: اللهم استجب يا رب.