العنوان الأزهر أو الطوفان
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1313
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 18-أغسطس-1998
ما كنت أحسب في يوم من الأيام أن المثقفين ينقلبون إلى عسكر، وما كنت أظن في وقت من الأوقات أن بعض العلماء ينقلبون إلى شرطة وشيءٍ آخر، وما كنت أتوقع في لحظة من اللحظات أن رحم العلم ينقلب إلى رحم خطيئة وصلة الزمالة تصبح خنجر خيانة، وما كان يخطر بالبال أن يكون الرأي العلمي جريمة لا تغتفر، والبحث عن الحقيقة تهمة لا يتسامح فيها، وقول الحق بالدليل الشرعي قضية وجناية في صرح أكاديمي مثل الأزهر، وجاءت هذه الأيام ورأيناها رأي العين، وفاحت روائحها الكريهة، وأزكمت الأنوف، وسمعت جلبتها، وصكت الآذان، وقرعت النواقيس.
فالغرابة في أن يكون للعلماء رابطة أو جمعية أو اتحاد، وكل الأفراد وكل المثقفين وكل أصحاب الصنائع والمزارعين لهم جمعيات واتحادات ونقابات، فنقرأ -مثلًا- ونرى نقابة عمال النقل، ونقابة المهندسين والأطباء والمعلمين والمحامين، والصحفيين، وما المانع أن تكون للعلماء جمعية أو نقابة أو اتحاد، ما الغرابة في ذلك، وما هو الشيء المقلق في هذا الشأن، وللحلاقين نقابة، ولعمال المجاري نقابة، وللحمالين نقابة ترعى مصالحهم، وجمعية ترعى شؤونهم، وتبدي رأيها في مستقبل أفرادها وفيما يقع عليهم من حيف أو ظلم أو ضر، هذا أولًا.
وثانيًا: الأزهر ذلك الصرح العلمي الضخم وذلك المجد الشامخ، ليس ملكًا لأحد، ولا تكية لأفراد، ولا ضيعة لثلة من الناس أو دولة من الدول، وإنما هو منارة للأمة الإسلامية، وصرح للشريعة، فالأزهر في القاهرة والكعبة في مكة هما الكلمتان اللتان تجمعان معنى الإسلام في ذهن العالم الإسلامي، يتجه إلى المسجد الحرام في قبلة عقيدته، كما يتجه إلى الأزهر في قبلة شريعته، ولم يقصر الأزهر في مد العالم الإسلامي على مدى قرون بالنور على قدر طاقته وفي حدود إمكاناته، فلقد أرسل نفرًا من فقهائه ووعاظه إلى كل حدبٍ وصوبٍ، ثم رأى أن يكون هؤلاء الدعاة والهداة من أهل تلك الشعوب استرشادًا بقول الله عز وجل: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِیُبَیِّنَ لَهُمۡۖ﴾ (إبراهيم: 4)، فأنشأ مدينة البعوث، وأوى إليها طلاب العلم من شباب العالم، وكفل لهم الغذاء والكساء والمسكن، وأخذ يعرب ألسنتهم، ويفقه أفئدتهم، ويزود عقولهم بوسائل الدعوة ليجلوا كلمة الله في أذهان قوم لبستها عليهم العجمة والجهالة، والأزهر اليوم يحتاج إلى جهدٍ أكبر، وإلى طاقةٍ أوسع في عهد الاستعمار الثقافي، ليرد الكيد عن المسلمين، ويدفع البلاء عن الشريعة، ويسد العجز عن قصور السياسة، ويملأ الفراغ الذي خلفه الجهل بعد تراجع الاستعمار عن عدد من البلاد الإسلامية، والذي يتطلبه الجهاد الروحي ليخرج الناس من الظلمات إلى النور وليواكب الأوبة الإسلامية والصحوة الإيمانية، وليهيئ الأسباب للجهاد في سبيل الدين واللغة، فلا بد إذن من تمكين الأمة للأزهر في هذه الأجواء البكر وفي وسط هذه العواصف الهوج بأن تمده بالمال وتسنده بالقوة التنفيذية، وأن تعززه بالرجال وأن تحيطه بالإخلاص والرعاية.
إن الأزهر اليوم هو الثكنة الإسلامية لجند الله، والكتيبة الربانية للدعوة إلى دينه، أسلحتها المصاحف لا القذائف ووسيلتها الحياة لا الموت وغايتها التعمير لا التدمير، وغنيمتها الخير للناس والسلام على الأرض والرفعة للأمة، والسعادة للعالمين، وإذا كانت الدول الإسلامية حريصة أن تكون لها مكانة بين الأمم، وقوة بين الشعوب وسطوة في العالمين، وريادة وسط الدول، فليضموا إلى ثكناتهم العسكرية لكنتهم الأزهرية وقوتهم الإسلامية ليجمعوا بين أسلحة المادة، سلاح الروح، وليضموا إلى مدافع الجيوش مدافع العقيدة، ويوائموا بين مادية العلم وروحية الدين ويقيموا فوق أسواق الاحتلال ومراتع الاستعمار السابق في البلاد الإسلامية المكروبة والمنكوبة، مآذن للحق ومناثر للهدى وملاجئ للحرية.
ولقد كان الأزهر على مر التاريخ رائدًا للأمة بفضل رجاله، وعزائم أبنائه، يقود كفاحها ويحمي بيضتها، ولما انتفضت القاهرة ضد الغزاة الفرنسيين، كان الجامع الأزهر مصدر الثورة فاقتحمت الخيل الفرنسية حرمه.
يقول الجبرتي تفرق الفرنسيون في صحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته، وأحدثوا فيه وقد انتقم الشيخ سليمان الحلبي للأزهر، فقتل قائد الحملة الفرنسية في سبيل الله، وأعدم مرفوع الرأس، طالبًا للشهادة ولقد قبض الفرنسيون على الشيخ أحمد الجوسقي والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد الله الشبراوي والشيخ يوسف المصيلحي، وعروهم من ثيابهم وصعدوا بهم إلى القلعة وقتلوهم بالبنادق وألقوهم من السور خلف القلعة، ولم تعرف لهم قبور، هؤلاء هم شيوخ الأزهر، وأعلام الجهاد والكفاح والعلم والعمل، أما أن يأتي اليوم إلى الأزهر من يقوض بنيانه، ويهدم صرحه باسم التطور والتجديد، فيكون تطييرًا، وتخريبًا، في مفهوم مائع يلف حوله سدنة من حارقي البخور ونافخي المزامير فإن ذلك تكون هي الحالقة التي تحلق الدين والعلم والمروحة، فإذا قامت بقية من العلماء، وثلة من سلف الأزهر الصامد، تعترض على هذا الضياع، تصدى لها وتعقبتها قيادات معينة، بأسلوب مهين من الاتهامات، وتزوير مقيت للحوادث، يزري بكل ما عرفته الإنسانية من قيم وسطرته من أعراف ويجعل الصروح العلمية مباحة خلقية، وبؤرة جرثومية.
والحقيقة المرة التي لا يستطيع أحد في هذا الوقت والأوان أن يفعل معها شيئًا، أن هناك أناسًا، يتقلدون مناصب بغير جدارة ويتصدرون مراكز بغير علم، ويتبوؤون أماكن بغير عقل، وهنا تكون المناصب أكبر منهم، والمراكز أعلى من هاماتهم، وبهذا تقع الواقعة ويتصور هؤلاء انهم على كل شيءٍ قدير وأنهم ملكوا الرقاب والعباد، وغفلوا عن أنفسهم، وذهلوا عن أقدار العلماء وتاريخ الرجال، وصالح الإسلام والأمة.
وكان الأولى والأجدر بمن يتقلد المناصب في الأزهر أن يراجع سيرة سلفه، وأن يضع لبنة في الصرح، بدل أن يهدم لبنات وأن يكون لإخوانه سندًا وعونًا، بدل أن يكون نزاعًا وفرقة وعداوة وليعلم هؤلاء أن الإسلام ليس فيه بابوية، ولا ثيوقراطية، وإنما هي شورية إيمانية، وليعلم الجميع أن منزلة الأزهر في عيون الناس كبيرة وفي عيون الأعداء أكبر وأعظم وأهيب، وليعلموا كذلك أن الأزهر هو الذي يعصم بسماحته وعلمه من التطرف والانحراف، فإذا عمه التطرف وطمه الانحراف والقهر حتى مع علمائه، كانت هذه آخر لبنة في السد، وكان بعده الطوفان، ويومها لا يكون هناك عاصم من أمر الله إلا من رحم وسيقال يومئذ بعدًا للقوم الظالمين، نسأل الله أن يوفق وأن يعين.. آمين آمين.