العنوان الأزمة المغربية الإسبانية تكشف.. خدعة الشراكة الأورو متوسطية
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 31
السبت 24-أغسطس-2002
ينظر كثير من المراقبين إلى الأزمة المغربية الإسبانية التي اندلعت في الأسبوع الأول من شهر يوليو الماضي باعتبارها فصلًا جديدًا في العلاقات بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية، وأول امتحان صعب واجه المشروع الأورو متوسطي الذي انطلق مع مؤتمر برشلونة عام 1995 بشأن الشراكة بين بلدان الضفتين. فقد كشفت الأزمة. بين دولتين تطلان على البحر الأبيض المتوسط إحداهما من جهة الجنوب والأخرى من جهة الشمال - حدود وإمكانات هذا المشروع المتوسطي، وحقيقة الأهداف المرسومة والاستراتيجية الأوروبية من وراء وضع معالمه الاقتصادية والأمنية والسياسية الكبرى، وطبيعة التهديدات لهذا المشروع، ومن أين تأتي؟
منذ اليوم الأول الذي وضع فيه المغرب أفرادًا من قواته الأمنية على جزيرة نورة المسماة ليلى تحريفًا عن اللغة الإسبانية، لإقامة مركز للمراقبة على حدوده، سارعت رئاسة الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقف مؤيد لإسبانيا بشكل ميكانيكي، ودعت الدانمارك - التي تتولى رئاسة الاتحاد - المغرب إلى سحب قواته من الجزيرة والعودة إلى الوضع السابق، الذي كان يريح إسبانيا مادام المغرب سيبقى بعيدًا عن مواقعه المحتلة. وهو نفس الموقف الذي تبنته المفوضية الأوروبية وحلف شمال الأطلسي، مما أذكى شرارة الأزمة بين البلدين، وشجع إسبانيا على إنزال قواتها العسكرية ومروحياتها الحربية لغزو الجزيرة واعتقال الجنود المغاربة بعد خمسة أيام من الوجود المغربي بها. ومن الواضح أن الوضع لم يكن ليتطور بهذه الصورة لو لم تكن حكومة مدريد مدعومة من الاتحاد الأوروبي، أو كانت مواقف هذا الأخير منحازة إلى جانب الشرعية الدولية وحقائق التاريخ.
وقد تعود الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة اتخاذ مواقف مساندة لإسبانيا في كل القضايا المثارة مع المغرب، سواء تعلق الأمر بالصيد البحري أو بالهجرة السرية أو بقضية سبتة ومليلية، كما كان دائمًا يلتزم موقف الصمت تجاه التحركات التي قامت بها حكومة الحزب الشعبي الإسباني إزاء قضية الصحراء المغربية ونزاع المغرب مع جبهة البوليساريو، والدعم المالي والدبلوماسي لهذا الأخير، في الوقت الذي توجد فيه هذه القضية أمام أنظار مجلس الأمن الدولي. بما يعني أن إسبانيا تخرق الشرعية الدولية وتعيق التسوية السلمية للنزاع.
وجاءت الأزمة الأخيرة لتضع مسلسل برشلونة فوق محك الاختبار، ولتطرح التساؤلات بشأن الرهانات الأوروبية من وراء مشروع الشراكة المتوسطية، حتى بات واضحًا أن أوروبا تريد أن يكون هذا المشروع استمرارا وترسيمًا للواقع الاستعماري القديم، بل وتطويرا لآلياته، بوضع قيود على دول الجنوب تمنعها من إعادة طرح قضاياها المتخلفة عن مرحلة الاستعمار الأوروبي.
تتضح الاستراتيجية الأوروبية المتوسطية أول ما تتضح في البعد الأمني، وهو القاعدة التي ترتكز عليها السياسة المتوسطية لأوروبا وأخطر شق في اتفاقية برشلونة الأورو - متوسطي فمن خلال التركيز على الأمن في البحر الأبيض المتوسط تسعى أوروبا إلى تأبيد الأوضاع الراهنة في دول الجنوب والتحكم في مستقبلها، بل أكثر من ذلك، توجيه دفة الأمور فيها كما تقضي بذلك الاتفاقيات والمعاهدات الملحقة بمشروع برشلونة، والتي تضم كافة الأصعدة من الاقتصاد إلى الثقافة مرورًا بالسياسة والأمن والمجتمع.
وقد وضعت أوروبا في منتصف التسعينيات آلية عسكرية خاصة للتدخل المشترك سميت بـــ «القوة العسكرية للتدخل السريع في بلدان جنوب المتوسطة»، جمعت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال، ينظر إليها كنواة لسياسة الدفاع المشترك داخل الاتحاد الأوروبي، وجاء تشكيل هذه الآلية العسكرية الرباعية المشتركة بعد مؤتمر برشلونة الذي جمع دول الاتحاد الأوروبي وبلدان الجنوب الاثنتي عشرة من ضمنها المغرب، مما دل على أن الترتيبات العسكرية الأوروبية سيتم النظر إليها في معزل عن الشراكة وبدون الأخذ في الاعتبار ضرورة التنسيق الذي تنص عليه اتفاقية برشلونة في قضايا أخرى أقل أهمية من الأمن بالنسبة لأوروبا، وهذا ما أدى إلى بعث الشكوك لدى دول شمال إفريقيا التي اعتبرت نفسها المستهدفة أولًا وأخيرًا من قوة التدخل السريع تلك.
ولم تكن مجرد مصادفة غير محسوبة أن تتجمع هذه الدول الأوروبية الأربع تحت مظلة هذه القوة العسكرية في شمال المتوسط فهذه الدول تعتبر نفسها المعنية الأولى بأي اضطرابات سياسية أو عسكرية تحدث في الضفة الجنوبية، وخاصة في الجزائر والمغرب إذ جاءت هذه المبادرة بينما الأوضاع الأمنية متدهورة في الجزائر في وقت ظهرت فيه تقارير أوروبية تحذر من الكارثة التي قد تلحق بأوروبا في حال صعود الإسلاميين إلى الحكم، مما يعد تهديدًا أمنيًّا لأوروبا بحسب هذه التقارير.
كما أن إسبانيا تنظر دائمًا بحذر شديد إلى المغرب بسبب استمرار احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية، وكانت تتوقع أن يثير المغرب ملف هاتين المدينتين في حال بدء المفاوضات بينها وبين بريطانيا حول صخرة جبل طارق التي تطالب بها إسبانيا، إذ سبق للملك الحسن الثاني أن أكد في أواخر الثمانينات لإحدى القنوات التلفزيونية الإسبانية في أول خطوة من نوعها، أن حل مسألة جبل طارق يعني منطقيًّا حل قضية سبتة ومليلية المحتلتين.
ومنذ انضمام إسبانيا إلى المجموعة الأوروبية عام ١٩٨٦، تغيرت السياسة الأوروبية تجاه سبتة ومليلية والاحتلال الإسباني لهما، بحيث أصبحت إسبانيا بوابة أوروبا نحو جنوب المتوسط، مما اقتضى بناء استراتيجية عسكرية جديدة لأوروبا حيال بلدان الجنوب بشكل عام.
وبعد زوال القطبية الثنائية العالمية وانتهاء الخطر الشيوعي، وتحويل وجهة الصدام نحو الحركات الإسلامية، شرعت أوروبا في بناء بيتها الداخلي بما يضمن توحيدًا وتنسيقًا أوسع في مواجهة التحديات العالمية المطروحة، وهو ما دفعها إلى إدخال سبتة ومليليه ضمن المجال الحيوي لها، فقد أصبحت المدينتان جزءًا من الاتحاد الأوروبي. وفي العام ۱۹۹۸ نشرت صحيفة إسبانية وثيقة سرية وضعها حلف شمال الأطلسي تشير إلى أن المدينتين أصبحتا، قاعدتين للتدخل في المغرب العربي في حال تقلب الأوضاع فيه، وخلال قمة الحلف في واشنطن عام ۱۹۹۹ أصبحت المدينتان ضمن الاستراتيجية الأمنية الجديدة للحلف في القرن الحادي والعشرين، وصارت أي مواجهة بين إسبانيا وجيرانها مواجهة مع دول الحلف.
إن هذه المعطيات تؤكد حقًا أن مشروع الشراكة المتوسطية هو آلية سياسية وأمنية لحفظ مصالح أوروبا بالدرجة الأولى، وأن خيارات دول الجنوب محددة في ضمان استقلالها وممارسة سيادتها.
إن أوروبا لم تتخل بعد عن نزعتها الاستعمارية السابقة، وهي بذلك أول من يضع أمن المتوسط الذي تريده في خطر حقيقي من جراء الرغبة في إدامة الأوضاع الاستعمارية الموروثة.