; الأزمات التي تصيب المجتمعات من الربا- دراسة اقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان الأزمات التي تصيب المجتمعات من الربا- دراسة اقتصادية

الكاتب يوسف كمال محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994

مشاهدات 73

نشر في العدد 1088

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 15-فبراير-1994

يقوم النظام الاقتصادي في سورة البقرة على قاعدتين:

١. قاعدة إيجابية آمرة وهي إيتاء الزكاة، وهي ركن الإسلام.

٢. قاعدة سلبية ناهية وهي تحريم الربا، وهي أكبر الكبائر.

ففي السورة هنا تفريق بين كسبين أحدهما طيب والآخر خبيث، ووله الإنسان بماله يجعله لا يعطيه لمن يحتاجه إلا بزيادة هي الربا، والمراد ليس كل زيادة وإنما زيادة لم يقابلها عوض على إقراض النقود. ولابد لنفهم الحكمة من تحريم الربا أن نتجاوز النظر إلى الربا من زاوية المستفيد وهو المرابي إلى النظر إلى الاقتصاد التجميعي وأثره على محق الاستثمار والظلم في توزيع الدخل وسوء تخصيص الموارد، وما يترتب عليه من أزمات وتضخم وعدم استقرار.

ومعظم النظريات التي حللت الأزمات الاقتصادية التي تصيب المجتمعات المعاصرة وتجعلها كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وتهوي بها من رواج إلى كساد، تجعل من أسبابها بالضرورة أثر سعر الفائدة والائتمان على الاستثمار والتوزيع وتخصيص الموارد. وقد رأى "سيمونز" الاقتصادي المعاصر بجامعة شيكاغو أن العلاج يكمن في التحول من علاقة الدين بالدين إلى علاقة المخاطرة والمشاركة.

وتذكر السورة أن هناك خلافًا جذريًا بين الربا والبيع، فالربا مبادلة نقد بنقد، والنقد منفعته الأساسية أنه وسيلة للتبادل وليس سلعةً في ذاتها، أما البيع فإنه مبادلة سلعة أو منفعة بنقود، وهنا تقوم النقود بعملية نافعة وهي تسهيل المبادلات بين المتعاملين، وتفتح القنوات بين المدخرين والمستثمرين، مما ينشط الإنتاج ويزيده، وحتى لو كان هناك أجل بين السلعة والمنفعة وبين النقود، فإنه يحمل في طياته مخاطرة تقليب الأموال وتقلبات الأسعار، وكذلك يختلف الربا عن التجارة، فالتجارة تقوم على الربح والخسارة غنمًا بغرم، وعلى المخاطرة خراجًا بضمان، أما الربا فيقوم على ضمان رأس المال وتحديد العائد، وما يتلوه من ظلم وإهدار للموارد. والربا يمثل تكلفةً على الإنتاج، إما أن يتحملها المنتج وإما أن يتحملها المستهلك أو هما معًا.

والنظرية الحديثة ترى أن هناك علاقةً عكسيةً بين سعر الفائدة والاستثمار والتشغيل. فسعر الفائدة يحجب كل استثمار يعطي عائدًا أقل منه؛ لأن صاحب المال يفضل إقراضه بفائدة لا مخاطرة فيها على المخاطرة بماله. ولهذا دائمًا نجد من يدعو إلى تحقيق رواج يخطط سياسةً نقديةً تبنى على تخفيض الربا. (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة: ٢٧٥-٢٧٦).

واليوم فإن علاقة الدين بالدين والربا في العصر حاصرت علاقة المشاركة وطفت على المؤسسات المالية في الدول ودخلت على كل بيت في العالم، إن لم يكن مباشرةً فبغبارها. ومن أكبر العقبات التي تقف أمام المفكرين اليوم، بعد إجماعهم على سلبيات الربا، هو الخوف من اكتناز الناس أموالهم مما يضعف الاستثمار والإنتاج والتشغيل، ورأى البعض أنه لا يمكن جعل سعر الربا صفرًا إلا بفرض ضريبة على الثروة الصافية الممثلة في النقود وأشباهها، وهو لا يوجد اليوم عمومًا في النظم الضرائبية التي تسود العالم. ومن الاقتصاديين المعاصرين كـ"مسجريف" أستاذ المالية العامة بأمريكا من حدد هذه النسبة بربع العشر، وهكذا يتحرك العالم في استشرافه لعلاج آفات اقتصادية دون وعي منه إلى الزكاة.

والإسلام يبين أن الإنسان بحبه للمال لا يقترف رذيلةً إلا إذا اكتنزه أو استثمره في الحرام أو منع حق الفقير فيه من الزكاة، فقد رأيناه في السورة يحفز على الادخار والتكوين الرأسمالي ولكنه هنا يحارب الاكتناز بفرض تكلفة عليه عن طريق فرض الزكاة، فالزكاة تأكل المال إن لم يستثمر، فإذا دفعت زكاته فلا حرج. يقول القرطبي: "قال أصحابنا وجمهور العلماء: المراد بالكنز المال الذي لا تؤدى زكاته سواء كان مدفونًا أم ظاهرًا". قال صاحب الحاوي: قال الشافعي: "الكنز ما لم تؤد زكاته وإن كان ظاهرًا، وما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا". وذلك مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزُكي فليس بكنز» (صحيح سنن أبي داود تحقيق الألباني).

وبهذا تُتَمِّمُ شريعة إيتاء الزكاة شريعة تحريم الربا، ومن ثم نجد تحريم الربا يواكبه فرض الزكاة في سور القرآن، إن لم يكن في الآية نفسها فبعدها. والزكاة طهرة للنفس وتزكية أولًا، ثم هي حفز للاستثمار والتنمية اقتصاديًا، وتحقيق العدالة في توزيع الدخول مما يؤدي إلى الاستقرار السياسي، وهي رعاية اجتماعية بإعانة المحتاجين وسد خلتهم فهي تؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي ثانيًا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ٢٧٧).

ولقد تنبأ أحد علماء الاقتصاد بالحرب العالمية الثانية في خطاب له إلى رئيس تحرير صحيفة ألمانية لقيام النظام النقدي العالمي على سعر الفائدة ووقعت الحرب، ويتنبأ علماء اليوم بحرب أخرى للسبب نفسه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩). قال ابن عباس في تفسيره: "فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه كان حقًا على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه" (تفسير الطبري).

وترتبط اليوم قطاعات الاقتصاد القومي بسوق الائتمان ارتباطًا وثيقًا ينبع من طبيعة العصر في معاملاته. ولقد أجازت الشريعة الإسلامية البيع والشراء على أساس الائتمان، حتى قام نوع من الشركات على الوجاهة يباشر فيه التاجر أعماله بلحمه دون رأس مال، فهي شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال، وأجاز الشارع بيع الأجل الذي تسلم فيه السلعة ويؤجل الثمن فيصبح دينًا في الذمة، وبيع السلم حيث يسلم الثمن والسلعة لأجل. أما القرض فلا يسمح به إلا إذا كان حسنًا دون ربا، ويحض الإسلام عليه ويوجب حسن الطلب والقضاء ويوصي بالنظرة إلى ميسرة للمعسر، بل حض على التنازل عن الدين كله. وهذا لا يطيقه إلا من كان يؤمن بالآخرة ويرجو لقاء ربه. كما أمر الله بتوثيق الديون كتابةً وشهادةً ورهنًا منعًا للنزاع. يقول القرطبي: "الذي أمر الله به من الشهادة والكتابة لإصلاح ذات البين ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين".

وأوصى الله أن تكون الكتابة في الدين الكبير والصغير لأن ذلك أقسط ويمنع الريبة، وأوصى أن يكون الكاتب عدلًا، وأن يملي المدين أو وليه، وأن يتقي الله ولا يبخس منه شيئًا. والشهادة تكون من رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأن المرأة ليست بقدرات الرجل العاطفية والعملية، والشهادة واجب لا يجوز الامتناع عنها، ولا يضار كاتب ولا شهيد فذلك فسق، كما أن كتمان الشهادة إثم، فإن لم تتيسر الكتابة فرهان مقبوضة إلا إذا ائتمن بعضهم بعضًا (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِۖ ثُمَّ تُوفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُۚ) (البقرة: 282).

وقد لاحظت أن السورة اختصت بأغلب مصطلح (كسب) حيث تكرر عشر مرات، و(كسبت) حيث تكرر خمس مرات، و(كسبتم) حيث تكرر خمس مرات، كما ذكر لفظ (ينفقون) في سبع مرات مما يشير إلى أن موضوعها الرئيسي هو نظام الأمة المسلمة الاقتصادي، الذي ييسر لها أن تكون أمةً واحدةً، حيث جعلها الله أمةً وسطًا لتكون شاهدةً على الناس.

ومن أسرار القرآن أن أعمال الإنسان التي تصدر عن غريزته ويندفع إليها برغباته الحياتية، لا يفصل فيها كثيرًا إلا إذا كانت حرامًا، ولهذا لم يفصل الإسلام كثيرًا في نزوع الإنسان إلى الادخار بغريزة حب المال، وإنما وقف عند الاكتناز ليحرمه وليجفف منابعه، كما وقف عند الكسب الخبيث من الربا وأكل المال بالباطل محرمًا، ولم يفصل الإسلام كثيرًا في تنمية المال بالاستثمار لأنه غريزة لتحقيق كثرة المال، ولكنه وقف عند الإنفاق لأن نفس الإنسان شحيحة به وتحتاج إلى حض وتحفيز عليه.

ولما كان الاقتصاد المعاصر قد وصل في فهم اقتصاد الدولة إلى معادلة يتبين فيها أن الإنتاج والتشغيل والرفاهة يتوقف على الإنفاق الكلي، وحيث إن الدخل الكلي يساوي ثمن الناتج الكلي، فإن لم ينفق الدخل الكلي على شراء الناتج الكلي بأن اكتنز بعضه حل الركود والكساد. ولما كان الإنفاق يتنوع إلى إنفاق استهلاكي يرتبط بحجم الدخل وبأذواق وأعراف يصعب التحكم فيها، فإن الاستثمار ينظر إليه على أنه عامل يمكن تغييره، ولما كان يتوقف على مقارنة ما يدفع من الربا مع الربح المتوقع للمشروع الأخير، كان بذلك الربا عائقًا أمام التعدد الأمثل للاستثمار فالإنفاق فالإنتاج فالرفاهية، وكانت جهود العلماء والسياسات موجهةً إلى تخفيضه.

وأظننا نفهم الآن مدى القمة السامقة التي يقف عندها الإسلام في سورة البقرة وهو يحلل النظام الاقتصادي على أساس الكسب (أي الدخل) وعلى أساس الإنفاق، وهو يشجب الكسب الخبيث من الربا ويفتح الطريق واسعًا أمام الإنفاق، ويفرض الزكاة التي تجفف منابع الاكتناز وتدفع المال سريعًا إلى الإنفاق. وكما بدأت السورة برباط الإيمان الذي يصبغ الأمة بقوله تعالى: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (سورة البقرة: ١-٤)، فقد ختمت بنفس الرباط ودعاء المؤمنين واستغفارهم وطلب الرحمة والعون والنصرة من الله تعالى في قوله سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْۗ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْناۚ رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِناۚ رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْناۚ أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (البقرة: ٢٨٥-٢٨٦).

وأخيرًا، إن الهدف الأساسي من البحث هو الكشف عن الوحدة الموضوعية للسورة وليس تفسيرًا تفصيليًا لآياتها. وبهذا يتبين عالمها الخاص الذي يعطيها جوًا خاصًا وهدفًا متفردًا. وهذا الفهم لا يمكن أن يتنبه إليه إلا من داوم على قراءة القرآن، وأقبل على تدبر معانيه وفهم مقاصده. وأعتقد أن هذا النهج سيهتم به كثير من العلماء الراشدين، إن عاجلًا أو آجلًا بقدر اهتمامهم بالدعوة إلى هذا الدين وفتح قلوب الناس لكتابه، وسنرى إن شاء الله إتمامًا وتصويبًا وإثراءً لهذا النهج.

وحرصت ألا يسبق رأيي مقصد السورة وأهدافها، فأسلمت عقلي لها تصيغه حيث أرادت، وأسلمت لها دفة فكري توجهها حيث أرادت، كما حرصت ألا يتجاوز شعوري وصياغتي ما يريده القرآن من تأثير وما يحدده من انفعال.

فالهدف أن يصل القارئ إلى أفق القرآن تدبرًا وصلةً عن قناعة ويقين، فيتلقى منه أوامر التنفيذ وبيانًا للتسليم، وعندئذ سيلقى المتدبر بالكاتب وما كتب ليسلم نفسه لكتاب الله خاشعًا راجيًا رحمة ربه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: ٨٢). 

الرابط المختصر :