العنوان الأردن وسوريا هل يتفقان؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1985
مشاهدات 73
نشر في العدد 714
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 23-أبريل-1985
- الأردن يتوجه نحو المصالحة مع سوريا
- وسوريا ترحب فيما تنتقد اتفاق فبراير وقيادة عرفات.
- زيد الرفاعي والتقارب الأردني السوري.
- حافظ الأسد والورقة الفلسطينية.
تأكيدًا للتكهنات الصحفية القائل بأن أحد مهمات التغيير الوزاريش الأردني الأخير هي إصلاح العلاقة مع سوريا، صدرت في الأسبوعين الماضيين عدة مؤشرات في هذا الصدد. فكتاب التكليف الملكي أشار إلى هضبة الجولان صراحة عندما ذكر توجه السياسة الأردنية لاستعادة الأراضي العربية المحتلة بالطرق السلمية. وإذا كان بيان رئيس الحكومة الأردنية السيد زيد الرفاعي أمام البرلمان، قد أشار ضمنيًا للحوار مع سوريا من خلال دعوته لإحياء التضامن العربي، فإن حكومته قد اتخذت تدابير فهم منها صراحة حرصها على ذلك. فقد تم اتخاذ قرار بإلغاء تصاريح السفر لسوريا، كما رددت وسائل الإعلام الأردنية برقية وزير الإعلام الأردني بتهنئة وزير الإعلام السوري بمناسبة عيد الجلاء. وكان السيد عبد المنعم الرفاعي رئيس الوزراء الأسبق قد زار دمشق والتقى بعبد الحليم خدام ودعاه لزيارة عمان، كما التقى مع مسؤولين سوريين وفلسطينيين من المعارضين للسيد ياسر عرفات. وكان عرفات قد حمل الرفاعي أمانة إبلاغ السوريين استعداده لزيارة دمشق إذا تلقى منهم دعوة رسمية.
ومن جهة أخرى اتخذ مجلس الوزراء الأردني عدة قرارات اقتصادية تهدف إلى إقامة جسور من التعاون بين البلدين من بينها ترك مجال الاستيراد والتصدير مفتوحًا بين تجار البلدين مباشرة، وإلغاء قرار اعتبار البنك السوري الأردني شركة أردنية محلية.
وليس جديدًا القول بأن السيد زيد الرفاعي من الشخصيات المقبولة سوريًا، فقد كان أحد مهندسي شهر العسل في علاقات البلدين في أوائل السبعينيات. كما أن وزير الإعلام الأردني الجديد محمد الخطيب من الشخصيات المتعاطفة مع حزب البعث السوري.
ومن جهة سوريا أعربت مصادر سورية لصحيفة الوطن عن استعداد النظام السوري للمصالحة مع الملك حسين، ولم يصدر عن الإعلام السوري ما ينفي ذلك بشكل رسمي.
فلماذا التقارب الأردني- الفلسطيني وهل سيأخذ حظه من النجاح؟
في تحليل سابق ذهبنا إلى أن التوجه الأردني الرسمي نحو إيجاد تسوية في الشرق الأوسط كان من أهم أسباب التغيير الوزاري، وهذا ما أكدته وكالة أنباء اليونايتدبرس الأمريكية حيث قالت بإن الجهود الحالية لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط، يبدو أنها عامل رئيسي وراء قرار الملك حسين بتغيير الوزارة. وفي هذا السياق قال محلل سياسي أردني «من المهم جدًا جذب سوريا»
ومن الجدير بالذكر أن المبعوث الأمريكي السابق فيليب حبيب قد أوضح في مقابلة مع مجلة المستقبل أنه نصح الإدارة الأمريكية بأنه يجب إشراك سوريا في الحل.. وأن عام 1985م يجب أن يكون عام الحل، وإلا فإن الأمريكيين سيواجهون أزمات كبرى في المنطقة. وقد سبق لجورج شولتز وغيره من المسؤولين الأمريكان أن أعربوا عن قناعتهم بمقولة «أن لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا»، كما ذكرت القبس من مصادر أمريكية بأن المبعوث الأمريكي الحالي ريتشارد مورفي سيعلن من دمشق استعداد الولايات المتحدة لإعلان تعهدها بإثارة موضوع الجولان إن وافقت سوريا على المشاركة في مفاوضات ما يسمى بالسلام في الشرق الأوسط.
وقد تأكد التوجه الأمريكي نحو إشراك سوريا من خلال زيارة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد لواشنطن الأسبوع الماضي. فقد نقلت مصادر الأنباء أن بن جديد وعد ريغان بالسعي لدى سوريا لتوسيع السلام.
وقد نسبت القبس الكويتية لمصادر دبلوماسية أن بن جديد وضع شروطًا لممارسة هذا الدور تتعلق حول ضرورة إشراك منظمة التحرير في المفاوضات، وموافقة إدارة ريغان على فتح حوار معها، والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني والتعهد بتحقيق حل سلمي شامل وليس فقط حصر الاهتمام بالضفة وقطاع غزة. وهذه إشارة واضحة من بن جديد لضرورة إعلان أمريكا عن إدراج قضية الجولان على مائدة المفاوضات المنتظرة. وتقول هذه المصادر أن ريغان أصر على أن المنظمة لا تمثل كل الفلسطينيين وليست المسؤول الوحيد عن المشكلة، ولا مانع من مشاركتها شريطة الاعتراف الصريح بحق إسرائيل في الوجود، كما يجب أن تكون ضمن وفد مصري- أردني مصري مشترك. كما أوضح ريغان أن بلاده مستعدة للعب دور مساعد لكنها لا تغني عن الأطراف المباشرة، وإنه لا يمانع بالحقوق المشروعة لكن شريطة أن يتم ذلك بالاتفاق بين الأردن وإسرائيل ومصر.
وهذا الإيضاح من ريغان، وما قاله مورفي في عمان والقاهرة وتل أبيب يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الاستراتيجية الأمريكية إزاء الحل لم تتبدل وهي ضرورة المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ووفد أردني- فلسطيني مشترك، لا يضم ممثلين عن منظمة التحرير. وتوضح نصيحة فيليب حبيب للعرب التي أعرب عنها في المستقبل هذا التوجه حيث قال:
نصيحتي للعرب: لا تصروا على الدولة الفلسطينية، وأجلوا البحث في موضوع القدس والجولان.
وطالما أن الأردن ما زال يصر على أن اتفاق 11 فبراير هو الأصل في التحرك الأردني- الفلسطيني المشترك، وأنه أيضًا هو أساس «التحرك» الذي توصلت إليه اجتماعات القيادات الفلسطينية في بغداد كما أبلغ ياسر عرفات صحيفة الشرق الأوسط، فإننا نميل إلى ما سبق أن أكدناه في العدد السابق من أن التقارب الأردني- السوري المطلوب هو التقارب الذي يخدم خطة التحرك المشترك. ومما يؤكد هذا الاستنتاج أن السيد زيد الرفاعي أشار في بیانه الوزاري إلى أهمية العلاقة مع مصر، ومواصلة الوقوف إلى جانب العراق في حرب الخليج، وأهمية التحرك الأردني- الفلسطيني المشترك، الأمر الذي فهمه منه المراقبون أن رئيس الوزراء في بيانه هذا قد طرح بأن أي حوار مقبل مع سوريا سوف تكون مرتكزات السياسة الأردنية فيه واضحة، وهي أنه لا تخل عن العراق ولا تخل عن مصر ولا تغيير في موقف الأردن باتجاه الاتفاق الأردني الفلسطيني اللهم إلا إذا طرأ تغيير من هذه الأطراف العربية.
وإزاء هذا التوجه الأردني الواضح هل سينجح التقارب الأردني- السوري المنشود؟ أو بصورة أخرى ما هو الرد السوري على التوجه الأردني؟
أشرنا إلى ما قالته مصادر سورية لصحيفة الوطن بأن سوريا ترحب بالتوجه الأردني الجديد، وأن استقبالها لعبد المنعم الرفاعي وإحجام الإعلام السوري عن مهاجمة سياسة الملك تصلح مؤشرات للمضي قدمًا في الحوار مع الأردن. لكن مراقبين سياسيين زاروا دمشق مؤخرًا واجتمعوا بالمسؤولين السوريين يقولون بإن موقف نظام حافظ أسد هو راقب وانتظر.
ورغم اعتراف مسؤولين في البلدين أن التقارب بين البلدين ربما يحتاج لعدة شهور حتى يثمر ويستقر، إلا أننا نميل وكما قلنا من قبل أن هذا التقارب ليس المطلوب منه التنسيق في المواقف والتماثل في الآراء، بل المقصود به انفراج العلاقة بين البلدين عسكريًا وسياسيًا بما يسمح بتقدم جهود التسوية الأمريكية. وإذا كان مفهومًا وواضحًا أن الأردن لاعتبارات أمنية وسياسية يمشي في مخطط التسوية ولو بحذر ويقظة، فإن الموقف السوري هو الذي يحتاج إلى بيان.
وبعيدًا عن الانسياق وراء مقولة هذا الطرف أو ذاك، فإننا نقرر في البداية أن موضوع امتلاك الورقة الفلسطينية هو الذي كان يحدد باستمرار شكل العلاقة بين سوريا والأردن، خاصة منذ عهد الرئيس حافظ أسد. وإذا كان النظام الأردني قد وضع حدًا للمقاومة الفلسطينية منذ عام 1970م بسبب ما كانت تسبب له من حرج مع العدو الصهيوني، فإن النظام السوري الذي لم يسعف المقاومة آنذاك، قد عمل من طرفه على احتواء القرار الفلسطيني وتدجينه من خلال معادلة الوضع اللبناني.
ولعل أكبر شاهد على ذلك هو أحداث بيروت الغربية الأخيرة ومحاصرة المخيمات الفلسطينية في الرشيدية وعين الحلوة والمية مية وغيرها من قبل قوات أمل قيادة نبيه بري وقوات وليد جنبلاط المحسوبة على الخط السوري. وها هو الإعلان السوري في محاولة للتغطية على الجريمة المجزرة يصور الوضع على أنه مواجهة لمخطط عرفاتي استسلامي! فيما المقصود هو تجريد عرفات شخصيًا من الشرعية الفلسطينية، وإهانة التجمعات اللبنانية السُنية لمصلحة مخطط التقسيم الطائفي الذي تقول عنه صحيفة الديلي تلغراف إنه بات وشيكا، وأن نظام حافظ أسد بات يسمح به. وهذا ما فهمه رشيد كرامي بعد زيارته لدمشق.
ومحاولة النظام السوري للإمساك بالورقة الفلسطينية ليس المقصود بها أعمال شعارات لإسقاط مخططات التسوية والإعداد لقتال العدو، بل القصد منه كما يقول المراقبون أن تكون دمشق المحطة الرئيسة لحركة التسوية.
فإذا كانت التسوية المطلوبة أمريكيًا هي التسليم بشروط العدو الصهيوني من خلال مفاوضات مباشرة هي شطب منظمة التحرير من التسوية إمعانًا في الإذلال والتحقير لمعسكر السلام العربي، فإن الإمساك بالورقة الفلسطينية من قبل النظام السوري من خلال تغذية جبهة الإنقاذ المزعومة واستغلال أخطاء شخصية عرفات الماضية في خط التسوية، فإن ذلك يعني دفع الطرف الفلسطيني للمضي قدمًا في خط التسوية بما يحقق مطالب العدو الصهيوني.
ومما يجب التذكير به هنا أن النظام السوري لم يطالب رسميًا حتى الآن وبشكل معلن بإثارة موضوع الجولان في أية تسوية محتملة في نفس الوقت الذي ينادي بتسوية دولية يشترك فيها الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يرجح ما ذكره كارتر في مذكراته أن هناك تناسقًا عجيبًا بين المصالح السورية والإسرائيلية! وهذا التناسق كما لاحظ مراقبون سياسيون هو سر قوة الموقف السوري وخاصة في لبنان.
ومع أن الوقت ما زال مبكرًا للجزم بهذا التوجه للسياسة السورية، إلا أن تاريخ علاقة النظام بالمقاومة الفلسطينية، وواقع علاقته غير المكتوبة مع إسرائيل في ضوء توجه العملاقين الروسي- الأمريكي لترتيب العلاقة بينهما بما يخدم مخطط التسوية في الشرق الأوسط، فإن المراقب يميل للاعتقاد بأن العلاقة بين سوريا والأردن ستميل للانفراج في المدى المنظور، أما على المدى البعيد فستظل تميل للتوتر باستمرار؛ لأن المعادلة الفاعلة في العلاقات العربية كما
يقول أحد المراقبين المجربين والمخضرمين إن هذه العلاقات تميل للتأزم والسخونة في حال تقدم المخطط الصهيوني الاستيطاني في الأرض العربية، وتميل للانفراج وربما التنسيق السياسي في حال تقدم مخطط التسوية كما يريد العدو الصهيوني أيضًا. ويضيف هذا المراقب أن تأزم العلاقات العربية -العربية مطلب إستراتيجي للقوى الدولية لأن ذلك يعمل على إيجاد سوق رائجة للسلاح الدولي والسلع الاستهلاكية الرأسمالية. أي أن تأزم العلاقات العربية أحد شروط الإبقاء على حالة التخلف والتبعية في الوطن العربي والإسلامي، وهذا ما تشهده بوضوح هذه الأيام، وما بات يعمل له أكثر الأنظمة السياسية العربية سواء شعر الناس بذلك أم لم يشعروا. وصدق من قال يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل