العنوان الأردن.. الحكومة بين استمرار التأييد وتنفيـذ الـوعـود
الكاتب أحمد رمضان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990
مشاهدات 195
نشر في العدد 953
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-فبراير-1990
الحكومة الأردنية عملت على تجميد العمل بالأحكام العرفية تمهيدًا لإلغائها.
البيان الذي تقدمت به كتلة الحركة الإسلامية قوبل في الأوساط السياسية والشعبية بالاستحسان والترحاب.
من المؤكد حتى الآن أن السيد مضر بدران رئيس الحكومة الأردنية قد تمكن من الفوز بنجاح في جميع الاختبارات الصعبة التي مرت بها حكومته أمام مجلس النواب الحالي، الذي أثبت بحق أنه برلمان الأقوياء في الزمن الصعب.
الامتحان العسير الأول الذي خاض بدران غمارَه، تمثل في معركة نيل الثقة التي استمرت 3 أيام، وكانت ملحمة سياسية ودبلوماسية، بين نواب متحمسين ورئيس وزراء مخضرم، وقد أسفرت هذه النقاشات -التي تابعها الشعب الأردني مباشرة داخل المجلس وخارجه عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة- عن فوز حكومة بدران بأغلبية ساحقة، حيث حصلت على ثقة 65 نائبًا من أصل 80. وهؤلاء هم أعضاء التجمع الوطني المحافظ، والكتلة الإسلامية، بينما انقسم التجمع الديمقراطي اليساري بين مؤيد ومعارض.
وقد لفت الانتباه في النقاشات الحادة التي شهدتها جلسات نيل الثقة، البيان الذي تقدمت به كتلة الحركة الإسلامية "22 نائبًا"، وقد تلاه الدكتور عبد اللطيف عربيات رئيس المجموعة البرلمانية للإخوان المسلمين في المجلس، وقد اتسم البيان بالوضوح والاتزان والتحليل العلمي والموضوعي لمشكلات الأردن ومحاولة استقراء أسبابها، ورصد نتائجها وانعكاساتها، ووضع المعالم البينة لحلها وتجاوزها، وتقدم الدكتور عربيات بـ 14 مطلبًا قبل منح الثقة، وهي:
أولًا: التوجه نحو تطبيق الشريعة الإسلامية وتعديل القوانين التي تتعارض مع المادة 2 من الدستور، وذلك سيرًا بالأمة على طريق التقدم نحو الإسلام، والتدرج في التطبيق في شتى المجالات التربوية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية.
ثانيًا: أن تعيد الحكومة المفصولين من الجامعات والمؤسسات الحكومية بدعوى الأسباب الأمنية، وكذلك الذين صُرف النظر عن تعيينهم للأسباب الأمنية ذاتها.
ثالثًا: أن تحول الحكومة دون تدخل الأجهزة الأمنية في التعيين في وظائف الدولة والبعثات الدراسية ورخص المهن والجمعيات الخيرية والأندية والنقابات المهنية والمؤسسات الخاصة.
رابعًا: أن تحدد الحكومة موعدًا لإلغاء الأحكام العرفية في ضوء النتائج التي تتوصل إليها اللجنة القانونية المشكلة لهذه الغاية بحيث لا يزيد عن 6 أشهر.
خامسًا: أننا نرى أن القضية الفلسطينية قضية أرض مقدسة لا يجوز التفريط بشبر واحد منها، وقضية شعب تكالبت عليه قوى الشر، وعليه فلا بد من أن تقوم الحكومة بدعم هذا الشعب في انتفاضته الباسلة وجهاده المبرور...
سادسًا: أن تعمل الحكومة على دعم الحركات التحررية ضد الاستعمار وإنهاء السيطرة الأجنبية على الأوطان المغتصبة، وعلى رأسها القضية الأفغانية.
سابعًا: أن تعمل الحكومة على وضع قانون "من أين لك هذا؟" لمحاسبة الذين حصلوا على ثرواتهم بطرق غير مشروعة، وتطبيق مثل هذا القانون بجدية وحزم.
ثامنًا: أن تبذل الحكومة جهدها، وأن تعد بالعمل على إعادة الأموال المهربة واستثمارها في الداخل.
تاسعًا: أن تعد الحكومة وتلتزم بسياسة التقشف التام في جميع أجهزة الدولة.
عاشرًا: أن تقوم الحكومة بإلغاء الفوائد على قروض الدولة لصغار المزارعين وقروض الإسكان لتكون خطوة أولى نحو التخلص من النظام الربوي بالتدريج.
حادي عشر: أن تقوم الحكومة بإنشاء كلية للعلوم الشرعية في جامعة اليرموك.
ثاني عشر: أن تأذن الحكومة للمعلمين في الدولة بتأسيس نقابة لهم ترعى شؤونهم وتطالب بحقوقهم.
ثالث عشر: أن تمنع الحكومة تراخيص الخمر للمسلمين بيعًا وصناعة وأن يمنع تقديمها في المؤسسات العامة وبخاصة في الملكية الأردنية.
رابع عشر: السماح بإنشاء جامعة أهلية إسلامية.
وفي ضوء البيان الوزاري الذي تقدم به السيد بدران، والذي تضمن الكثير من الإيجابيات والوعود التي تعهد بالالتزام بها، فقد جرت عملية منح الثقة للحكومة.
ومن الجدير بالذكر أن البيان الذي تقدمت به كتلة الحركة الإسلامية قوبل في الأوساط السياسية والشعبية بالاستحسان والترحاب، فكتب الأستاذ كامل الشريف في صحيفة الدستور بتاريخ 3/1/1990 يقول: "لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن موقف الحركة الإسلامية كان موضع المراقبة والاهتمام في الداخل والخارج، وهو موقف يتحرك -عمومًا- أمام خلفية مثيرة صنعها الإعلام الأجنبي الذي يعتمد المبالغة والتهويل، ويتجاوب مع عواطف عدائية تقليدية مع الإسلام القديم والحديث، فجاء بيان الكتلة الإسلامية قمة في النضج السياسي، ومسؤولية الكلمة، ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، فقد ناقش البيان الوزاري مناقشة موضوعية وأبدى رأيه في كثير من القضايا بأسلوب علمي هادئ هو نتاج جهد منظم الخبرات والتخصصات العلمية التي تتميز بها الحركة الإسلامية، ومع أن البيان قد اشتمل على مطالب الحركة وأهدافها -وهو حق طبيعي- إلا أن هذه المطالب أيضًا قد راعت (الخصوصية) الأردنية، وطبيعة المرحلة القائمة في بلد محشور بين أخطار كثيرة تجعل من سلامة كيانه ووحدة مواطنيه الهم الأول والشغل الشاغل لكل من يعالج الأمور العامة، ومن هنا اعتمد البيان الإسلامي أسلوب المرحلية التي تربط الفكرة بالواقع فلا تطير على أجنحة الحماس".
يضيف الأستاذ كامل الشريف قائلًا: "لقد وضع البيان صيغة مهمة للعمل الإسلامي السياسي ربما لا يفطن لها إلا الذين واكبوا هذه التجربة في بلاد مختلفة، حين تحدث عن (الاتجاه نحو الشريعة الإسلامية) مما يعني التطوير المستمر وخلق (ديناميكية) تعين على التحول الاجتماعي الهادئ نحو الأخذ بفضائل الإسلام وقيمه وأخلاقه، ورفض الصيغ القسرية الفوقية التي التزمت مقولة (كل شيء أو لا شيء) فألحقت بالإسلام والأوطان أبلغ الضرر. ولقد آتى هذا الأسلوب الحكيم ثماره فورًا في رد رئيس الوزراء الأردني الذكي الذي أوضح مكانة الإسلام في نشأة هذا البلد، وارتباطه المحكم بتاريخه القديم والحديث، وقيادته الهاشمية الأصيلة، وما قام به فعلًا -بتوجيهات تلك القيادة- في مجال التشريع والاقتصاد والمؤسسات العلمية، وعزمه على مواصلة هذه المسيرة المأمونة في سياق النظام الديمقراطي الذي نعيش في ظلاله".
والواقع أن السيد مضر بدران قد أعطى الكثير من المؤشرات التي تدل على رغبة جادة لدى الحكومة للإيفاء بوعودها التي قطعتها على نفسها، فقد عملت الحكومة على تجميد العمل بالأحكام العرفية تمهيدًا لإلغائها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لعودة مئات المفصولين من أعمالهم لأسباب سياسية.. وأصدر بدران بلاغًا رسميًّا طلب فيه من جميع دوائر الدولة بما فيها الوزارات والمؤسسات العامة التوقف عن طلب إذن "المخابرات العامة" عند تعيين الموظفين أو المستخدمين لديها، وتمت إعادة معظم الجوازات التي كانت محجوزة لمواطنين معينين، ورفع الحظر الذي كان يطال بعض النشطين السياسيين، والذي كان يحول بين هؤلاء والسفر إلى خارج الأردن.
كما أصدر بلاغًا آخر يقضي بضرورة التقيد بتعليمات منع تقديم المشروبات الكحولية منعًا باتًّا في المآدب والحفلات الرسمية التي تقيمها الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية والسفارات الأردنية في المناسبات الرسمية.
أما الإجراء الأهم الذي أقدم عليه مضر بدران فقد تمثل في توجيه كتاب رسمي إلى رئيس ديوان التشريع برئاسة الوزراء طلب منه فيه العمل على ترجمة التزام الحكومة أمام مجلس النواب بأنها ستتوجه إلى العمل بالشريعة الإسلامية من خلال التوفيق بين القوانين وأحكام الشريعة الغراء بما يخدم التقدم في البلد، ويصون إنجازاته الحضارية ويحافظ على حقوق الناس ومصالحهم، وذلك بأن يراعي رئيس ديوان التشريع هذا الأمر عند النظر في مشاريع القوانين التي تعرض على الديوان وكذلك الإفادة في ذلك من التجارب المماثلة في الدول العربية والإسلامية.