; الأراشي | مجلة المجتمع

العنوان الأراشي

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 263

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 26-أغسطس-1975




هذه الكعبة، وقد أحاط بها ودنسها العديد من الأصنام والنصب، وهذه قريش تحف مجالسها بالكعبة وليس لها من حديث إلا محمد وما جاء به محمد ﷺ!

لم يكن لقريش هم إلا أن تصرف محمدًا الذي يدعو إليه، إذ لم تتقبل أذهان السادة منهم أن تزول هذه الأصنام من حول الكعبة وهي آلهة الآباء والأجداد! ولم يستسغ أحد منهم أن يتساوى في الحقوق سادة وعبيد! ولم يرق للعتاة منهم أن يسود العدل وأن يأخذ الناس حقوقهم دونما هضم ونهب واغتصاب!

ولم يكن حلف الفضول الذي حفظ للمترددين على الحرم حقوقهم ليزجر أمثال أبي جهل بن هشام عن الظلم وابتلاع الحقوق، فأبو جهل سيد في نفسه، سيد في أسرته، سيد في قريش كلها، فهل يستطيع أحد أن يجادله في حق اغتصبه أو ظلم أوقعه وهو يجمع هذه السيادة كلها؟!

لقد ضاق صدر قريش بدعوة محمد لهذه الأسباب ولأسباب أخرى كثيرة، فآذته في نفسه وفي دعوته، وصبت جام غضبها على أولئك الذين خرجوا عن طوعها واتبعوا دعوته، وتولى كبر هذا الأذى أبو جهل في رجال من السادة! وتذرع رسول الله ﷺ بالصبر، وأمر المؤمنين بذلك، وكثيرًا ما كان يطوف بالكعبة، فينال من أذى قريش الشيء الكثير، فيستعين على ذلك كله بالدعاء والاستغفار.

كانت حلقة قريش حول الكعبة قد انعقدت في ذلك اليوم، يتداول الناس فيها أخبار محمد وما يلقاه من أبي جهل من أذى، وكانت قريش قد ألقت زمام الزعامة إليه؛ ليقوم بالتصدي لمحمد ﷺ والمسلمين، فقام بالمهمة وبالغ فيها ولج في الخصومة.

وكان محمد ﷺ يجلس في ركن من الحرم يعبد الله ويدعو لهؤلاء الذين آذوه بالهدى واتباع الحق الذي جاء به.

وهذا رجل غريب يقف على نادي القوم ويقطع عليهم أحاديثهم ويقول:" يا قوم، إنا رجل من أراش، جئت بابل إلى هذا الحرم، فابتاعها مني أبو الحكم بن هشام، الحرم ومطلني ثمنها، وأنتم أهل الحرم وسادته، فمن منكم يأخذ لي حقي من أبي الحكم؟! ويلتفت السادة إلى الرجل، ثم إلى بعضهم بعضًا. من يستطيع أن يكلم أبا الحكم بأمر كهذا؟ إنه طالما أكل حقوقًا، وطالما ظلم أناسًا فلم نستطع نمنعهم منه"!

وبرقت فكرة لأحدهم رأى فيها حلاً طريفًا لما هم فيه، فالتفت إلى الرجل الأراشي وقال له: "ليس منا من يستطيع أن يأخذ لك الحق من أبي الحكم، ولكن ذاك الرجل يشير إلى رسول الله ﷺ يستطيع أن يفعل ذلك!" وسر القوم للفكرة وباركوها، ودفعوا بالرجل إلى رسول الله ﷺ ، وانتدبوا من بينهم من يراقب ما يحدث؛ ليروا أي إذا سيلحقه أبو جهل بمحمد إن تجرأ على مفاتحته بأمر الأراشي.

ذهب الأراشي إلى رسول الله ﷺ وقال له: "السلام عليك يا عبد الله، لقد مطلني أبو الحكم ابن هشام حقي، فدلني القوم عليك لتأخذه لي منه".

فقال الرسول ﷺ نعم، وقام معه. وذهب رسول الله إلى بيت أبي جهل يتبعه الأراشي، وعن بعد كان هناك رجل يسترق الخطى ويتبع الرسول ﷺ ليرى ماذا يكون رد أبي جهل!

وطرق الرسولالباب، فرد صوت من الداخل: "من هذا؟"، فقال الرسول: "محمد". فأخرج.وخرج أبو جهل وقد أرعد من صوت الرسول، وخشي على نفسه منه، ووقف أمامه وما في وجهه قطرة من دم، فقال له الرسول بلهجة الأمر: "أعط هذا الرجل حقه!"

ولم يجد أبو جهل في غمرة رعبه إلا أن يقول: "نعم.. نعم.. لا تبرح حتى أعطيه الذي له." وأعطى أبو جهل للرجل حقه كاملًا! ونظر الرسول ﷺ إلى الرجل وقد استوفى حقه، وعاد الرجل إلى وجهه، فابتسم وقال له: "الحق بشأنك". وأسرع الرجل حتى وقف على نادى قريش وقال: "أرشدوني إلى خير رجل، فقد أخذ لي حقي". فجزاه الله خيرًا وعقدت الدهشة ألسنة القوم، وسيطرت عليهم الحيرة، كيف يخضع أبو الحكم لمحمد وهو الذي يتولى قيادة المقاومة له ولدعوته؟! ماذا قال له محمد حتى سارع الرجل إلى تأدية الحق لصاحبه؟ لماذا خاف من محمد ﷺ وهوالأعزل من السلاح؟ لا بد أن هناك ما أكره أبا الحكم على ذلك.. أو أنه أسلم؟ لا يفعلها أبو الحكم، فهو... وهو أبعد ما يكون عن الذي يدعو إليه محمد .

وعاد الرجل الذي بعثوا به، فانهالوا عليه بالأسئلة: "ويحك، ماذا رأيت؟ ماذا فعل أبو الحكم؟ حدثنا.. أخبرنا.." فقال الرجل: "لقد رأيت عجبًا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج وما معه روحه، وما أن كلمه محمد ﷺ حتى استجاب له!"

وهمهم القوم، ونكسوا رؤوسهم، انقلب السحر على الساحر أردنا الهزء به فهزئ بنا.

وجاء أبو جهل، فبادروه بين معنف ولائم: "ويلك مالك؟!" فوالله ما رأينا مثل ما صنعت! فقال عدو الله: "ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب على بابي، وسمعت صوته فملأت رعبًا، ولو كان أحد منكم مكاني لمات في مكانه، فأربعوا على أنفسكم." وعاد القوم إلى ناديهم، ومضت أيام وليس لهم إلا حديث الأراشي وأبي جهل بن هشام.

أحمد لطفي عبد اللطيف

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

156

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 52

115

الثلاثاء 23-مارس-1971

لعقلك وقلبك

نشر في العدد 2106

0

السبت 01-أبريل-2017

هل تعلم أن..؟