العنوان الأديب محمد موفق سليمة للمجتمع: أدب الطفل المسلم مازال طفلًاّ!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992
مشاهدات 76
نشر في العدد 1000
نشر في الصفحة 40
الأحد 10-مايو-1992
· لا خوف من سعة الخيال وإنما الخوف من الشطط في الكذب والخوض في
الخرافة.
هذا اللقاء مع أديب الأطفال البارز الأستاذ موفق
سليمة الذي جعل الإسهام في تكوين حصانة ذاتية ومكتسبة في شخصية الطفل المسلم تجعله
قادرًا على العطاء الإيجابي وإثبات وجوده المتميز في عالم مغاير، جعل ذلك كما قال،
أهم قضية تستغرق جهده في مجال العمل الإسلامي. كأني بك عزيزي القارئ، تتصور كهلًا
مهيبًا عقد التفكير الجاد ما بين عينيه، وهذا ما خمنته وأنا أتوجه إليه، ولكن ما
أن رأيته وحاورته حتى أيقنت أني أمام شاب بعقل شيخ مربٍ ولطافة فتى حكيم. فما آراؤه
في هذا المجال؟ وما تطلعاته؟ هذا ما سنحاول الوصول إليه في هذا الحوار.
موقع أدب الأطفال في الأدب
الإسلامي
المجتمع: ما موقع أدب
الأطفال في الأدب الإسلامي؟ وما هي وظيفته التي يخدمها؟
موفق: موقع
أدب الأطفال في الأدب الإسلامي مازال ناشئًا يحبو في بطء، ويحتاج إلى أيد بناءة
تخرجه إلى مساره النوعي الصحيح، تحت دائرتي الصواب والإخلاص معًا. أما وظيفته
فنستطيع أن نجعلها في تبسيط الأدب كامل الدسم في تحليلات صالحة لجسم وعقل البراعم.
ليجعله حلقة وصل لفهم ما بعده من أدب الكبار.
المزاحمة في الأدب المترجم
المجتمع: لعل الأستاذ موفق
بحكم اهتمامه بهذا النوع من الأدب من الذين لاحظوا مزاحمة الأدب الوافد المترجم
مقروءًا أو مرئيًا للأدب الذي ينبع من ذاتيتنا وأصالتنا. ألا ترون أن ذلك يؤثر في
وجهة الجيل وطريقة تفكيره؟ ومن ثم على سلوكه ونموه الخلقي؟
موفق: قضية
المزاحمة أمر لا غرابة فيه فهذه سنة الكون في الصراع الفكري، ولا يخشى من وجود
الصراع، وإنما من سلبية موقفنا أمام ما يفد إلينا صغارًا وكبارًا. والحديث الشريف
يوضح أثر ما يحيط بأي طفل في تركيب ذاته: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». والأبوان في عالمنا هما كل ما يحاك للصغار في هذا
العالم من أمور على صعيد المستويات الثلاثة التي يعيشها أي طفل، بل وأي مجتمع: -
عالم الأشياء «الأدوات والوسائل» - عالم الأشخاص «المربون والقدوات» - عالم
الأفكار «المعاني والغايات والمثل العليا» وهذا يؤثر بلا شك سلبًا أو إيجابًا على
كل من يرعى طفلًا أو مجتمعًا!
عزوف الأطفال عن القراءة
المجتمع: يعاني كثير من
المربين من عزوف أطفالهم عن القراءة والمطالعة. فما السبيل إلى حل تلك المعاناة
وكيف تتم عملية الاختيار المناسب من مكتبة الطفل؟ على ضوء تطوره العقلي والعاطفي
والجسمي؟
موفق: عزوف
الطفل عن القراءة والمطالعة يلاحظ له عدة عوامل:
- وجود
أساليب جديدة «سمعية وبصرية» تشده ولا تكلفه بذل جهد كبير. - نوعية التربية في
مجتمعنا تعامل الصغار معاملة غريبة كأنهم كبار بينما يجب أن يدربوا لا أن يُحاكموا
ويُعاقبوا.
- اعتماد
المدارس على ربط المطالعة بأساليب عقيمة من التقويم والدرجات والنجاح.
- إهمال
البناء والميل إلى التكديس في عالم الكتب ولاسيما في مواسم إقامة المعارض للكبار
فما بالكم إذا لم يكن هناك حتى إقامة المعارض للصغار؟ أي أفقدناهم التكديس والبناء
معًا!
- وإن مراعاة
هذه العوامل تجعلنا نخرج بالطفل إلى التشبث بالكتاب وتحبيبه له واتخاذه صديقًا له.
وتتم عملية الاختيار بناء على وجود فهم مسبق عن الطفل «عمره العقلي والجسمي» وعلى
وجود من يحلل هذين العمرين بمعطياتهما سواء أكان الأب أم الناشر أم البائع أم
المرشد.
الحفاظ على فطرة الطفل
المجتمع: لا يشك أحد في أن
بناء التصور الأساسي للكون والمادة والإنسان وبتعبير آخر العقيدة أيا كانت هذه
العقيدة، مطلب أولي في التربية الفكرية للطفل إذ هو حتمًا سيصدر في سلوكه
واتجاهاته الآنية والمستقبلية عن ذلك التصور. ومن هنا يلح سؤال هو: كيف تحافظ على
الفطرة الإسلامية للطفل؟ ثم كيف تؤصل في نفسيته وعقليته هذه الفطرة والعقيدة عن
طريق أدب الأطفال؟
موفق: لابد
للنجاح في هذا من تصور واضح لنفسية الطفل وعالم الطفولة «للمسلم وغيره» ثم بعد ذلك
نقدم له صياغة مناسبة لكل متطلبات ومفاهيم العقيدة وبهذا يصير لديه مقياس صحيح
يقيس به الغث والسمين مما يراه ويسمعه ويحسه ويلقنه، ولا يصعب على فهم الطفل شيء
إذا روعيت هذه الأمور بدقة ولا نخرج بهذا عن الطلب والتغيير الموجود في الآيتين: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾
(فصلت:53) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) والطفل داخل في إطار هذه التربية ولا ننسى أن
الله أمر بفهم كيفية بدء الأمور من شتى الجوانب وذلك عن طريق البحث والاستقصاء
والدراسة للتاريخ والمجتمعات والمخلوقات جميعها..
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت:20)،
فعلى ذلك يتحتم علينا دراسة السنن الإلهية في تغيير الأنفس والمجتمعات
دراسة تحليل وتدقيق ومن خير من أبدع وفصل في ذلك المجال الأستاذ جودت سعيد.
مواجهة الأسئلة المحرجة
المجتمع: كثيرون هم الآباء
والأمهات الذين يتورعون من الأسئلة المحرجة من أطفالهم في العقيدة أو العلاقات
الخاصة. إلخ فبعضهم يوبخ، وبعضهم يغير مجرى الحديث وبعضهم يضحك بينما يقف البعض
زائغ العينين!! والأسئلة غالبًا تنبع بعد أقصوصة أو مشهد أو أنشودة. فما الحل
لمواجهة مثل تلك المواقف؟
موفق: لا
يوجد سؤال محرج من طفل وإنما يوجد فهم خاطئ لدى المجيب وطريقة خاطئة إن أجاب.
فالكبار الذين سبقونا ربونا على أساس «لا يجوز، وهذا عيب ولا تسأل، بل لا تتكلم»
مع العلم أن الصغار من الصحابة كانوا إذا حفظوا القرآن فهموه وفيه آيات الحيض
والطلاق وغير ذلك فالمشكلة ليست في وجود أسئلة محرجة بل في عقم الكبار عن إيجاد
وإجابة مناسبة. فالطفل لا يشبع من السؤال ويسخر منك لو جاملته بجواب مختصر أو كاذب
وقد يعلمك بما سيعرفه بعد ذلك من إجابة صحيحة تعلمها بدوره من رفقائه بطريقة تكون
مسمومة أحيانًا وأول وأكثر سؤال نظنه محرجًا «من أين أتيت بي يا ماما؟!!» والجواب
سهل بحكاية سهلة عن بذرة نزرعها في أصيص نباتي ونسقيها والطفل كان بذرة منقسمة إلى
قسمين لدى الأب والأم. وبرعايتها ينمو الطفل ثم يولد. وهكذا.
الخيال بين الإبداع
والخرافة
المجتمع: كما تعلمون،
الخيال عنصر من عناصر أدب الطفل كما أن تنميته وظيفة من وظائفه بالإضافة إلى كونه
من الآفاق المجنحة بغير حدود في وجدان الطفل. لكن ألا ترون مع ذلك أن الإغراق في
الخيال إلى درجة تقرير الخرافة وتضخيم الشعوذة، يؤدي إلى نتائج عكسية في نفسية
الطفل وتصوراته؟ وقد تؤدي به إلى العزلة عن التفكير الواقعي؟
موفق: لا
خوف من سعة الخيال، وإنما من الشطط في الكذب والخوض في الشعوذة والخرافة. وقد نجد
الطفل يجرد من عصاه حصانًا أو يحكي قصة مغامرة لا تنتهي وهذا ليس عيبًا فيما لو هُذّب
ووجه. ثم إن الخيال بحد ذاته يحبه الكبار أيضًا والقرآن أتى بقصص كثيرة فيها
معجزات ومغامرات تشد الكبار قبل الصغار، وضرب الأمثال وقص قصص الحيوان إذن فهو
متأصل في الإنسان عامة فطرة وتفكيرًا.
لغة الطفل والإخراج الفني
المجتمع: كيف ينبغي أن يتعامل الكاتب
والمربي مع لغة الطفل؟
موفق: الكاتب والمربي
قد يكونان واحدًا ولا بد لهما من استخدام العبارة المشرقة والألفاظ الفصيحة
والسهلة معًا. وبهذه المناسبة أنا أطالب المختصين بإيجاد معجم خاص لألفاظ الطفولة
لغويًا وعلميًا ولابد أيضًا من تعويد الطفل على بعض الكلمات الجديدة والصعبة في آن
واحد في كل قطعة أو قصة جديدة ونترك له بعضها ليسأل عن شرحها ومعناها فنحن لا
نريده وعاء وخزان معلومات بل نريد منه أن يكون نبعًا متجددًا، ولو لم ينل الدرجة
الكاملة فاليد الإيجابية العليا خير من اليد السفلى ولو امتلأت السفلى ولكن من
الآخرين فلا فخر لها فيه.
المجتمع: الإخراج الفني له
من الأثر الملموس -في كتاب الطفل- ما من شأنه تنمية التذوق الجمالي والشفافية عند
الطفل والجمال الأدبي في الصياغة والتعبير بينما نرى كثيرًا من الكتابات ذات
المضامين الإسلامية لا تعنى بهذا الجانب بعكس الأدب المترجم مثل سلسلة ليديبرد
وغيرها كثير، التي تشجع الأطفال الصغار على المطالعة عبر طباعتها الأنيقة
ورسوماتها الجذابة وألوانها المختلفة، بل إنها ترفق بأشرطة سمعية كاسيت تكون
الحكاية مسجلة تمثيليًا وبمؤثرات صوتية لطيفة. فهل يعكس لنا ذلك ضعف اهتمام دور
النشر والكتاب على حد سواء بأدب الطفل؟! وهل هناك محاولات جادة للرقي بالعمل
الأدبي من الناحية الفنية؟
موفق: أنا أعاني من
هذا منذ ولادة سلاسلي القصصية فنظرة الناشر قد يخالطها شيء من التفكير المادي أو
الاجتهادات الخاصة بموضوع التصوير والرسوم فيجمد عند طريقة محددة ولا يرى للضرورة
حكمًا. ولقد أعجبت بطريقة إخراج سلسلة الدلفين في ميلانو بإيطاليا بالعرض الرائع
لغة وفنًا وموضوعًا وقرأتها قبل أولادي كلمة كلمة وهي بعنوان أقاصيص الطبيعة وقد
بذل فيها أستاذنا د. محمد هيثم الخياط جهدًا مع أسرة التحرير لا يوصف بكلمات جزاهم
الله كل خير. وهي موجودة في المكتبات وأفضل من سلسلة ليديبرد بما لا يقارن وأسأل
الله أن أقارب هذا المستوى بالتعاون مع دور النشر.
تقويم صحافة الطفل المسلم
المجتمع: تقويمكم لصحافة الطفل المسلم؟
موفق: صحافة الطفل
لازالت في مرحلة النمو الأولى، ولكن خرجت أعداد نموذجية تمثل ما ينبغي أن تكون
عليه هذه الوسيلة الإعلامية والتثقيفية من مستوى وكمثال على تلك النماذج ملحق
براعم الإيمان الذي يصدر مع مجلة الوعي الإسلامي منذ سنوات ومجلة أروى بعمان لكنها
لازالت نماذج وبواكير لما نأمل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل