العنوان الأدب
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1973
مشاهدات 16
نشر في العدد 133
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 09-يناير-1973
عذراء جاكرتا
في صورة حية.. وثابة الكلمات..
وعرض شيق مسترسل ينقلنا الكاتب الدكتور نجيب الكيلاني في هذه الرواية المعاصرة
للأحداث التي عاشها البلد المسلم «إندونيسيا» حيث كانت وقعة أليمة من وقائع هذا
الزمان.. كتب الله فيها الهزيمة لأعداء هذا الدين.. ثم ارتفع العلم الإسلامي
خفاقًا.. يسخر بأولئك البله الذين غرّتهم أنفسهم.. وغرتهم الحياة الدنيا.. فكان
نصيبهم ما كان!
في مشاهد مثقلة تعج بالحيوية
والحركة وتنضح بالصدق.. وتنفعل بالثورة، وُفق الكاتب في تصوير الأحداث تصويرًا
رائعًا.. ونقل الصورة على وجه جعلك تحس وأنت تقرأ.. أنك أحد الذين يتألمون.. لكأن
الجرح الذي يدمي فؤاد المسلم.. إنما هو طعنة في قلبك.. تحس دماء الثائرين تسري في
دماك.. ويعطيك في صورة بارعة وجه الحقد للذين جاءوا يسخرون ويستهزئون فيشبعك رثاء
لهم.. وزيادة في التمسك بدينك الحق..
وُفق الكاتب في أنه أحال الكتاب
بتعبيراته اللطيفة.. المتمشية مع الأحداث الملائمة لهذا الجو.. أحاله إلى أرض
المعركة نفسها.. وكلماته.. مناسبة للوصف.. رنينها في وقت الشدة.. خفوتها عند
الحزن.. الأفق الذي شمل الرواية.. ونصوص المأساة.. عرف كيف يستخرج ويختار لها
ألفاظها ويعطيها التعبير الصحيح..
إن «عذراء جاكرتا».. صورة حية
تنبض بالحياة لتلك الفترة الحرجة التي عاشها إخوان لنا أحبة على أرض إسلامية حبيبة
تعرضت لغزو شيوعي خبيث، قد سمع البعض أخباره.. وغفل عنه الكثير من المسلمين.. أو
لم يفهموا مغزاه لأنها أخبار سمعوها على غير وجهها!
في هذه الرواية.. أظهر الكاتب.. موقف
المسلم المؤمن بدينه إلى حد الموت.. أظهر شجاعة المرأة المؤمنة.. الفتاة الصادقة..
التي يهمها أن تكون دينها هو مطهر الروح في كل لحظة.. في كل ملمّة.. وليس عجيبًا..
إذا عرفنا أن أباها ذلك المجاهد المسلم.. الشعلة التي تضيء لها الطريق.. وكم يصنع
الإسلام في نفوس البشر!
إن قراءتها تشعرك بلذة كبيرة..
ونشوة تسري في جسدك فلا تحس إلا وأنت تتوثب.. حتى لتظن الكتاب في يدك سلاحًا يحرصك
ويحدوك إلى المشاركة مع أولئك الذين يعانون المحنة.. ويقاسون أصناف العذاب..
ثم إنه بعد ذلك نقل لنا صورة
صريحة لما حصل.. وعممته الأنباء واستطاع نجيب الكيلاني بصدق موهبته على التشخيص
والتأثير.. وتجربته الطويلة.. أن ينقل صورة صادقة من خلال اطلاعاته على ما كتبه
المنصفون حول هذه الأحداث.. فكانت «عذراء جاكرتا» رواية واقعية حية..
ولشباب
الإسلام بعد ذلك أن يطلع عليها.. وإنها لفائدة جليلة ورصيد ضخم يضيفه إلى ثقافته.
عمر والوالي
ذُكر أن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه تعالى استعمل رجلاً من قريش على عمل فبلغه أنه قال:
اسفني شربة ألذ عليها واسقِ
بالله مثلها ابن هشام
فأشخصه إليه، وذكر أنه إنما أشخصه
من أجل البيت، فضم إليه آخر، فلما قدم عليه قال الست القائل: (البيت السابق)؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين:
لعله عسل بارد بماء سحاب إنني لا أحب شرب
المدام
قال:
ارجع إلى عملك.
شخصية الأدب الإسلامي
لكل أمة طابعها المميز.. ووجهها
المعروف.. وفكرها صورة معبرة لها.. تعطي الانطباعات وتجسدها في هذه الصور المعروضة
على الأمم الأخرى.. فكل ما يصدر في هذا المجتمع إنما تخطه أقلام كتابها وتعبر عنه
أساليب مفكريها ناقلة بذلك وجه المجتمع الذي تعاصره.. فما ذلك إلا دراسة لما
يدور.. وتتعاون في ذلك جميع مصادر الفنون للمؤلف وفنها... وتنسق بذلك إطارًا
خاصًّا يحوي كل ذلك ويشمله.
والأدب من قديم.. بكل أشكاله
وفنونه وصوره.. واجهة الأمم وعن طريقه تكون المدخل، لأنه الصورة المُعطاة من وجه
هذا المجتمع.. لأنه الصورة الحقيقية أو المقاربة للحقيقة.. في جلب الواقع إلى
تسطيره.. وتدوينه في كتب.
هذه الصورة الواضحة لهذا المجتمع
عبر أدبه وفنونه.. إنما ترسم له شخصيته.. وتعطيه لسانه الذي يتحدث به.. ثم إنها تصنع
له عموده الفقري حتى يستطيع الوقوف.. ويواصل الدرب الشاق الذي يسير فيه.. ليرتقي
إلى القمة مع الذين يسعون إليها.. وكلٌّ يجتهد أن يبلغ.
هذه اللمحة كونتها العصور الخالية..
وظلت سائرة على المدى.. حتى بلغت عصرنا.. فيقولون إن الأدب الفلاني.. تسنم المركز
العالي في المجال الفلاني.. لأن عنده من يصوغه.. ويستطيع التعبير عنه.. لأن هذا
الأدب بالذات عرف أصحابه أنهم دخلوا إلى عالم الإنسان وبحثوه بحثًا قد يسمونه
دقيقًا.. ثم كان تصويرهم له على ضوء ما درسوا.. والحق أن الإنسان هو المحور..
وصاحب المساحة الكبرى على لوحة الأدب.. عبر حركته نشأت حركة هذه الحياة.. ثم تأتي
بعد ذلك الأشياء اللازمة المتممة.. لحركة هذا الإنسان.
فلا نستطيع أن نفصل الإنسان
أصلاً؛ فإننا ننطلق إلى الآفاق لنلمس شيئًا نكتب عنه.. قد يقول البعض: بل نستطيع
أن نصنع أدبًا بدون الإنسان.. نقول: كلا.. ثم كلا.. لن من يصنع هذا الأدب أيضًا..
هو الإنسان!
على ذلك كانت ركيزة الأدب.. لكن
هذه الركائز التي ذهب إليها هؤلاء الناس.. وجعلوها منطلقًا لهم، ثم كانت دراساتهم
الكثيرة عن الإنسان وعن الأشياء الملازمة لحركته.. أليست هي نقطة العمل.. التي مكنت
لهم أن يتسنموا تلك القمة السامقة التي ننظر نحن إليها.. من موقعنا.. بأنهم بلغوا
وظللنا نقف عند السفح.. بل اقول -ولا أكون متجنيًا: إننا انحدرنا من القمة التي
كنا نستطيع الوصول إليها.. وكان باستطاعتنا أن نتعدى كل أمم الأرض.. ونتفوق..
لكننا جمَدْنا.. فما بلغه الأوائل من سلفنا في النهوض والصعود.. واجهناه نحن
بالركود والتراجع نحو السفح.. هذه الصورة التي اكتسبها الأدب مكنت له أن يصنع
أدبًا عالميًّا.. ينشغل العالم الآن.. وتخلد أسماء كتابه على ألسنة الناس
يتداولونها.. كأنها الأسطورة..
هل نحن أقل من ذلك حتى يكون لنا
وجهنا المشرق في كل مكان.. وهل ينطق أدبنا ويبعث مرة أخرى؟! أم هل نحن من خواء
الرصيد وقلة الحصيلة بحيث نبقى نجترّ ما يصنعه غيرنا.. ونرفع لهم شعارات المجد..
ونجعلهم الأئمة ولهم الريادة.. في كل فن؟!
إن هذا التفكير.. هو قتل لنا
ولأدبنا.. وإحياء لما عندهم.. وأي شيء بعد ذلك يبتغون؟!
إن الذين دونوا لهم أدبًا نال من
الشهرة والمكانة الشيء الكثير لم يأتوا بجديد.. فكل معطيات الحياة مدونة.. وكل
الصور والأدوات المستخدمة إنما هي تلك المبذولة أمام الناظرين.. أخذوا بها.. ثم
صاغوها صياغة خاصة.. وشاركوا البعض في إشاعتها.. وغطوا علينا.. وضللونا أو أضللنا
أنفسنا.. بأن لا أدب عندنا.. وأننا نحتاج إليهم في كل ما يكتبون!
هذا وهم.. وظلام.. ورؤى خيال.
إننا إن أخذنا أدبهم لنصوغه صياغة
عربية.. فليس سوى أننا نقلد أدبهم.. إلى لغة أخرى.. وهذا ما لا نريد.. لأننا ننقل
شخصيتهم.. ونذبح شخصيتنا.. ونطمسها ونهلكها.. فنصبح صورة من صورهم.. وإن تغيرت
الوجوه والألسنة.
إننا بذلك ندخل في غمارهم.. لأننا
اعتمدنا عليهم أمام الاعتماد.. وباستطاعتنا أن نأخذ بعض الموازين التي عندهم والتي
توافق ما ندعو إليه من إيجاد أدب إسلامي.. قد تلائمنا وتتفق معنا بعض التوافق.. في
بعض خصائص هذا الأدب الذي ندعو إليه.. لا أن نأخذ بكل ما عندهم.. ونعلن التسليم.
من هنا.. بعد هذه اللمحة العابرة
نقف ونتأمل ونتفكر جيدًا.. هل نستطيع أن ننطلق مرة أخرى.. ونقيم أدبًا عالميًّا..
أدبًا إسلاميًّا له شخصيته وخصائصه ومميزاته؟
بكل ارتياح نعلن: نعم وبكل
تأكيد.. وخاصة في عصرنا هذا حيث ينتظر العالم سبيل نور يجنح إليه.. لأن الظمأ قد
استبد به وأفلست روحه.. ومل الغثاء الذي عنده.
فهذه الدعوة التي ندعوها.. إلى
إيجاد هذا الأدب العالمي إنما هي ركيزة وأساس سوف يشد الأنظار ويحول العيون
والعقول إلى المنهج الجديد.. إلى هذا الصنف الناهض المنبعث الذي لم يتعود العالم
على مثله.. والناس لكل جديد يُهرعون.
هذا الأدب هو وجهُنا الذي ندخل به
إلى الآداب العالمية الأخرى… ونقف بينها في صورة متميزة واضحة، لنا شخصيتنا
المتفردة ولنا اسمنا البارز.. ولن يكون تسلق القمة قصرًا على أحد. ومن المؤكد أن
يتبوأ القمة الذي يستطيع أن يعبر التعبير التام عن الحياة والكون وعن الإنسان خاصة..
الإنسان الذي هو محور هذه الحياة.. وجوهر الموضوع.
وما أكثر ما يبحثون عن الإنسان..
فيفتقدونه.. وما أحسن أن يكون أدبنا هو المتقدم لأنه اكتشف الإنسان وحدد له صورته،
وأفاض عليه روحه المنطلقة الهائمة في الآفاق.. المتوثبة إلى الملكوت العلوي..
النافضة كل غبار هذه الأرض.. دنياها.. رذائلها وعبوديتها.
ثم تهيم هذه الروح العاملة الجادة
المنشطة.. موائمة بين ما تتطلبه السماء وما يشدها إلى الأرض من إعطاء الروح حقها..
ثم عدم إهمال المادة ونبذها؛ الصورة الحقيقية للإنسان في أنه روح ومادة لا نبذ
ناحية وأخذ أخرى. كلا.. ولكنه الإنسان الذي يفهم الطهر والعفة، وينبذ ويتخلص من
دوافع الخلود إلى الدنايا.. والتمرغ في الأوحال.. والغرق في الملذات.
لن يكون انتشال هذا الإنسان
وغسله.. من أدرانه وإلباسه ثوب الآدمية الطاهرة.. إلا إذا وجد مثل هذا الأدب
الإسلامي النظيف الذي يضع البلسم على الداء.. ويصنع من الإنسان إنسانًا.. لا ينظر
ولا يتطلع إلى غير السماء.. ولا يرجع إلا إلى الخالق. وهذا ما تبحث عنه النفوس
الحائرة والأرواح القلقة الآن.
إن هذا الأدب هو الصورة الحقيقية لوجه هذا المجتمع الذي نعيشه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل