; الأدب والدعوة يفقدان عمر بهاء الدين الأميري شاعر الإنسانية المؤمنة | مجلة المجتمع

العنوان الأدب والدعوة يفقدان عمر بهاء الدين الأميري شاعر الإنسانية المؤمنة

الكاتب محمد الاسعد

تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992

مشاهدات 54

نشر في العدد 999

نشر في الصفحة 42

الأحد 03-مايو-1992

  • ·       د. أحمد صالح: شارك في حرب فلسطين، وقدم مواقف مشهودة في كل ميدان.

    ·       د. الهاشمي: فكره الثري المتميز أبدع في صياغة الفقه الحضاري للأمة المسلمة.

    عمر بهاء الدين الأميري:

    اسم تعرفه جيدًا أروقة الدعوة الإسلامية في العالم، كما تعرفه، بل تعتز به صالونات الأدب العربي، والأدب الإسلامي وبخاصة مهرجانات الشعر وأمسياته في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، كان أحب الألقاب إليه أن نسميه «شاعر الإنسانية المؤمنة» أما شعراء الدعوة فما زالوا يعتبرونه الأب الروحي لهم جميعًا؛ إذ تتلمذ معظمهم على فنه الشفاف، ونهلوا من وجدانه الصافي.

    توفي شاعر الإنسانية المؤمنة مساء السبت الموافق 22 من شوال 1412 هــ 25 أبريل / نيسان 1992م، في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية عن عمر يناهز السابعة والسبعين عامًا، قضاها في خدمة الدعوة الإسلامية، وتنمية الأدب والشعر الإسلامي في العصر الحديث، كذلك في خدمة المفاهيم المعاصرة لفقه الدعوة وتأصيل مبادئها، ونشرها بين المسلمين، وإذا كانت آثار الأميري وهو شاعر الإنسانية المؤمنة قد تجاوزت حدود العالم الإسلامي لينهل منها شعراء وأدباء المغرب، فحق لنا ولشعراء الإسلام وأدبائهم ودعاتهم أن يعتزوا بتاريخ فقيد الدعوة، وفقيد الحركة الإسلامية.

     

    نبذة عن حياته:

    ولد الأميري في مدينة حلب السورية عام 1915م - 1336هـ، وله 6 من الأولاد، هم: «البراء، ومنقذ، وسائد، وإيمان، وأوفى، ومجاهد» ومن البنات اثنتان، هما: «غراء، ووفاء»، وكان الفقيد في مقتبل عمره سياسيًا نشطًا، وكان يعتبر من أبرز رجالات سورية؛ حيث شارك مشاركة فعالة مع جماعة الإخوان المسلمين، وعلماء سورية في تحرير بلاده من الاستعمار الفرنسي، وقد شارك طيلة سنوات عمره في تحرير الوجدان الإسلامي من الملوثات التي أوجدها الاستعمار؛ حيث وزعها في ديار المسلمين بوسائل التغريب الظاهرة والخفية، كذلك حضر وحاضر في كثير من المؤتمرات السياسية في العالم العربي والإسلامي والغربي، وقد اكتملت له شخصيته السياسية المرموقة عندما شغل مناصب سياسية سورية رسميًا؛ إذ كان سفيرًا لبلاده في باكستان بدءًا من عام 1950م، ثم شغل منصب السفير السوري في المملكة العربية السعودية عام 1954، ثم دعي إلى المغرب عام 1386، وعين أستاذًا لكرسي الإسلام والتيارات المعاصرة بدار الحديث الحسنية في الرباط قسم الدراسات العليا حين درس الحضارة الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الإمام محمد الخامس في فاس بالمغرب، هذا ويستطيع المرء أن يحصي أكثر من 20 أثرًا أدبيًا وشعريًا وسياسيًا مطبوعًا ضمن كتب الأميري ودواوينه الشعرية، فضلًا عن مئات المقالات والدراسات التي حفلت بها مجلات الدعوة ومجلات السياسة وصحفها اليومية في البلدان العربية وغيرها، حيث كان -رحمه الله- يتقن -إلى جانب لغته الأم- كلًا من الفرنسية، والتركية، ولغة الأردو، ويتميز أدب الأميري وفكره بالأصالة؛ فقد كان مجاهدًا من أجل بنية اللغة والشعر والأدب جهادًا لا يقل عن جهاده في ميادين الدعوة الإسلامية التي كان فيها دائمًا عنصر وفاق أصيل، يجمع فصائل الدعوة الشاردة كما يجمع بنيان قصيدتها متماسكة من معان متنوعة في فن عريق وأصيل في خلفياته العربية الإسلامية، وقد تمكن الأميري -يرحمه الله- من الوقوف إلى جانب الأصالة في الأدب واللغة في وقت اشتدت فيه شراسة الهجمة التغريبية والإلحادية الوثنية على لغتنا الجميلة وآدابها الأصيلة، ومع أن الأميري يتميز بأدبه الأصيل فإنه منذ بدأ ينظم الشعر في التاسعة من عمره اعتبر أن الأدباء من الجيل السابق له في مصر وسورية ولبنان والعراق ظاهرة أدبية جديدة، فهو لم يتخل عن حداثة المعاني ومعاصرتها، لكنه كان يربطها دائمًا بوجدانه الاعتقادي الإسلامي الصادق، وقد امتلأ شعره بالمعاني الإنسانية والدينية والجهادية؛ حيث تصدى في دواوينه أو في معظمها -وهي فيما أعلم 10 دواوين مطبوعة- لكل الدعوات الهدامة، فكان -يرحمه الله- ببصيرته النافذة وبيانه الرفيع يجلو الجوانب المضيئة من الفكر الإسلامي عبر التاريخ، موضحًا صورة الثقافة الإسلامية في ضوء المذاهب الأدبية والتيارات الفكرية المعاصرة، حتى اعتبر في الأروقة الثقافية العربية الإسلامية أحد أعمدة الفكر الإسلامي بلا جدال، وكان إلى جانب هذا كله جم التواضع يجلس إلى محدثه، ويستمع له، ويقول لجلسائه بلا مواربة «لست بينكم سوى جندي من جنود هذه الدعوة، ولست إلا مجاهدًا بين جنود معركة الجهاد الإسلامي بشتى الوسائل الممكنة» ومع ما امتلكه -يرحمه الله- من حسن أداء سدده فيه عقله الراجح، وبصيرته النافذة، وقلة خطئه أو ندرته، كان يقول دائمًا لجلسائه بتواضعه الجم «ولا تأخذوا عني؛ فأنا كثير الخطأ، ولعل الله -سبحانه- يسامحني فخير الخطائين التوابون».

    وكان حب إخوانه يزداد به في مثل هذا الأدب الجم والتواضع الكامل، كما كانوا يقلدونه في تواضعه هذا، وفي سنواته العشر الأخيرة انهمك الأميري -طيب الله ثراه- في تأليف قلوب الدعاة في بلده أولًا، ثم في كل مكان تشهد في أروقة الدعاة خلافات في وجهات النظر.

     

    جهوده الدعوية والأدبية:

    وقد أثمرت جهوده الصادقة في كثير من مواقع العالم الإسلامي التي شهدت بعض الخلافات، وسوف يسجل التاريخ في أطهر سجل مواقفه هذه، وكم عرضت عليه إمارة الدعوة، وكان يطلب إعفاءه منها مزكيًا غيره لمقامات الإمارة التي لم يقبل بها لنفسه مدى حياته التي زخرت بكافة الأنشطة المتنوعة مما يتعلق بحياتي الدعوة والسياسة، وإلى جانب ثمرات الدعوة التي أثمرت على يديه ترك الأميري -يرحمه الله- مجموعة من الدواوين الشعرية، أذكر منها ما يلي: رياحين الجنة، وهو آخر ديوان مطبوع له أما أولها فهو «مع الله»، ومن ضمن دواوينه: (أمي - أب - نجاوى محمدية - ملحمة الجهاد - ألوان طيف - الهزيمة والفجر - من وحي فلسطين «شعر وفكر» أشواق وإشراق - ملحمة النصر - من وحي رمضان) ومن مؤلفاته الفكرية والسياسية المنشورة: الإسلام في المعترك الحضاري - المجتمع الإسلامي والتيارات المعاصرة - في رحاب القرآن الكريم، وللدكتور محمود السامرائي دراسة مطولة في شعر الأميري وأدبه، نال بها درجة الماجستير من إحدى الجامعات البريطانية، حيث كان يجلس إليه، ويستجوب مشاعره فكرًا وثقافة وفنًا، وإذا كان الأميري أبو الأدباء والشعراء الإسلاميين فإنهم وجدوا اليوم أنفسهم حزانى كمن فقد أباه مثلًا؛ ولأن الأميري جمع شتات الأدباء مساهمًا في تأسيس رابطة الأدب الإسلامي، فإن الرابطة تفتقد اليوم أحد مؤسسيها الأعلام، وقد قال عنه الدكتور عبد القدوس أبو صالح نائب رئيس الرابطة ورئيس مكتب البلاد العربية لها والأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض: «الأميري رحمه الله ركن من أركان رابطة الأدب الإسلامي» كان من الشعراء الكبار، وهو مفكر إنساني إسلامي، وداعية كبير، ومجاهد فذ، له مواقف مشهورة؛ حيث اشترك بنفسه في حرب فلسطين عام 1948، ثم صار وزيرًا مفوضًا لسوريا، وكانت له خدمات جليلة قدمها للأمة ولشعبه، أما عن أدبه وفنه وشعره فقد وصفه د. أبو صالح بأنه يشبه الشاعر الإسلامي محمد إقبال في تأثير دواوينه وفكره بجماهيره ومحبيه.

    ووصف الدكتور محمد علي الهاشمي الأستاذ بكليات البنات التابعة لرئاسة البنات في الرياض شعر الفقيد بأنه يتسم بالإلحاح على دعوة الفرد والمجتمع إلى المثل العليا والأصالة، ومن أهم اتجاهاته الشعرية الأبوة والبنوة، فكان يعنى كثيرًا بالحديث إلى أولاده ودعوتهم إلى العمل الصالح، كما كان يظهر بره بوالدته، ووصف الهاشمي قصائد الفقيد بقوله: إن معظمها كان حول تشخيص حالة الأمة الإسلامية وما أصابها من تفكك وضياع نتيجة بعدها عن منهج الله، كما أن شعره يزخر بالدعوة إلى عودة الأمة إلى الأصالة والأخذ بأسباب القوة المنبعثة عن الله وعن منهج هذا الدين العظيم، وعن فكره قال د. الهاشمي إنه كان فكرًا ثريًا متميزًا، وقف فيه أواخر سنوات حياته عند الفقه الحضاري؛ حيث كان يدرسه في آخر سنوات تدريسه في جامعات المغرب، ويحاضر عنه في المنتديات العسكرية والثقافية الإسلامية في العالم، ولا ينحو فيه منحى لفت الأنظار إلى السلوك الراقي الذي دعا إليه الإسلام عندما كان يطبق تطبيقًا سليمًا في حياة الأمة.

    رحم الله الفقيد، وأسكن شاعر الإنسانية المؤمنة فسيح جناته، ونفع بآثاره إنه سميع مجيب.



     

     

     

     

     

     

     

الرابط المختصر :