العنوان الدكتور نجيب كيلاني: الأدب له عائد مذهل على الفكر العالمي ويدعم سياسة الدول الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 70
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
•
الأسلوب العربي المرن هو أداة الكاتب المسلم، وليس العامية مهما كانت
إغراءاتها.
•
الكاتب المسلم مطالب بأن يستخدم الصراع لإنضاج مفاهيمه ونماذجه.
•
القصة الإسلامية تزخر بمعاناة الشعوب الإسلامية في مواجهة القهر والظلم
والاضطهاد.
•
المطلوب أن نصور في قصصنا الإسلامية مختلف النماذج وأن نمتلك المهارة
في إقناع المتلقي أو القارئ بضرورة تبني المنهج الإسلامي.
يطيب لك أن تقرأ للدكتور الأديب الأخ نجيب الكيلاني- حفظه الله-
ويطيب لك أكثر أن «تقرأه» من خلال هذه المحاورة الأدبية التي أجرتها «المجتمع» معه،
فكان لنا ولقرائنا منه هذه الملامح الواضحة والإشارات المومئة إلى أهم ما تطرحه الساحة
الأدبية على مستوى القصة الإسلامية بخاصة.
ولن نتكلم هنا عن رشاقة الأسلوب، ونصاعة البيان، وانسجام العبارة،
فهذا مما لا خلاف فيه عند قارئ الكيلاني، ولكننا سنشير إشارة سريعة، إلى أن أديبنا
الكريم قد أجاد وأفاد، ونطمح مع قرائنا الأفاضل إلى المزيد من طيب القول هذا.. والسلام.
• دكتور نجيب، كما تعلمون بأن سلسة روايات الدعوة الإسلامية لاقت قبولًا طيبًا
عند القارئ المسلم.. يا ترى ما هي أهم الأعمال الأدبية التي صدرت لكم بعدها؟
- بعد صدور الروايات الأولى منها وهي ليالي ترکستان- عمالقة الشمال-
رحلة إلى الله- عذراء جاكرتا- عمر يظهر في القدس- الظل الأسود- نور الله... إلخ، طلبت
مني إحدى الجامعات دراسات تتعلق بالأدب الإسلامي تجمع بين النظرية والتطبيق، وأخص بالذكر
«جامعة محمد بن سعود الإسلامية»– كلية اللغة العربية قسم البلاغة والنقد، وفعلًا قمت
بوضع دراسة عن «المسرح الإسلامي»، ودراسة أخرى عن «أدب الأطفال في ضوء الإسلام»، هذا
بالإضافة الى بعض الدراسات الجزئية الأخرى التي نشرت كمقالات أو محاضرات عن «الأدب
الإسلامي» ومقارنته بالاتجاهات الأدبية المعاصرة، وعلاقته بالدعوة.
ثم حاولت البحث عن أشكال جديدة للقصة الإسلامية، بالإضافة إلى الأشكال
التاريخية.. فقدمت عملًا جديدًا تحت عنوان «حكاية جاد الله»، كما انتهيت من عمل آخر..
وهذا الاتجاه يتناول القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة في ضوء العقيدة، مع التعرض
للانحرافات السائدة في الفكر والثقافة والقيم.
• هل للقصة الإسلامية تيار فعلي في ساحة الأدب العربي المعاصر؟
- نعم، وإن كان لم يزل محدودًا.. والتجربة أثبتت أهمية هذا التيار ونجاحه،
فقد كنت في تركيا ودهشت إذ رأيتهم قد ترجموا إلى التركية ست روايات من رواياتي الإسلامية،
أكثر من طبعة، وعلمت من الصحفيين والناشرين هنا أنها روايات رائجة، وكان معظمهم يعرفني
بالاسم، بل التقيت بشاب يوناني سائح في مدينة «بورصة» البعيدة عن إسطنبول، ولما تعارفنا
سألني على الفور قائلًا: هل أنت مؤلف «أبطال الشمال»! يقصد «عمالقة الشمال»، وكان سعيدًا
بهذا اللقاء، كما أن بعض هذه الروايات طبعت أكثر من عشر طبعات في الدول العربية، ووزعت
أيضًا بين الطلبة المسلمين في أوروبا وأميركا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أننا قد
استخدمنا الأدوات الفنية الضرورية بكفاءة، وأبرزنا قضايا ديننا بشكل جذاب، وبخاصة في
قطاعات الشباب العريضة، كما أن النقاد أيضًا على اختلاف مشاربهم كانوا مضطرين للاعتراف
بهذا التيار، وكذلك الأكاديميين في الجامعات؛ لأن مراعاة الصيغة الفنية وأحكامها وتطويرها
لم يعطهم الفرصة لتجاهل هذا التيار أو رفضه.
لقد قدم «باكثير»- رحمه الله- جهدًا مشكورًا في هذا المجال (المسرحية-
القصة- الشعر)، وهناك الآن العديد من رسالات الماجستير والدكتوراه عن الأدب الإسلامي،
ورواياتنا الإسلامية بالذات.
كنا ما زلنا في حاجة إلى المزيد من الأدب الإسلامي والكتاب الإسلامي،
وبذلك نستطيع تحقيق الهدف في مجال «الكم» بعد أن حققناه في مجال «الكيف»، ومن ثم يصبح
تيار القصة الإسلامية تيارًا غالبًا غلابًا.
• هل استطاعت القصة الإسلامية الحديثة أن تعبر عن هموم المسلمين وتطلعاتهم
وآمالهم، وترصد مشكلاتهم، وتقدم إلى العالم صورة فنية عن أوضاعهم وحقيقة عقيدتهم؟
- أجل.. فالذي يرصد مضامين القصص الإسلامية التي صدرت يلاحظ عدة أمور
هامة احتفت بها القصص مثل:
أ– معاناة الشعوب الإسلامية في مواجهة القهر والظلم والاضطهاد.
ب– تكالب القوى العميلة مع الشيوعية والصهيونية والاستعمار ضد التيار
الإسلامي الناهض.
ج– الحواجز المصطنعة بين الشعوب الإسلامية، ومحاولة العمل على هدمها.
د– وضع المرأة في هذه المجتمعات الفاسدة.
هـ– النظر لقضية العدالة الاجتماعية والسياسية والتشريعية، وحقوق
الإنسان المسلم.
و- قيم الحرية والعدالة والخير والحب والاستماتة في الدفاع عنها.
ز– الأمجاد التاريخية المرتبطة بالتقدم الحضاري الإسلامي.
ح– ملامح الشخصية الإسلامية، وقيم الحضارة الإسلامية.
ط– محاربة اليأس.
ك– الخلل الثقافي والفكري الوافد.
• ما أهم خصائص القصة الإسلامية فنيًّا؟
- إن ورود القصة في القرآن الكريم بصور ومضامين كثيرة، يعتبر المدرسة
الحقيقية للقاص المسلم، وقد تراوحت القصة القرآنية بين القصر والطول، وجاء فيها الحوار
وتصوير الحركة الشخصية، كما اتسمت بالوضوح والحسم، فقصة بني إسرائيل تحوي العديد من
الشخصيات المتنوعة، والمواقف والصراعات الأزلية بين الحق والباطل والخير والشر، والإيمان
والكفر، والحب والكراهية... إلخ، وقصة يوسف تعتبر نموذجا معجزًا لا شك في معالجتها
لطبيعة النفس الإنسانية، ونوازع الهوى، والشهوة، ومعايير الإيمان والعدل، وانتصار الخير،
وغير ذلك من الأمور والمعاني التي تفرض نفسها في كل العصور، ولقد جاء في القرآن الكريم:
- ﴿نَحْنُ
نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف:٣).
- ﴿فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يتفكرون﴾ (الأعراف:١٧٦).
- ﴿لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾
(يوسف:١١١)
كما احتفت الآداب العالمية بالقصة، ووضعت لها القواعد، لكن تنوعت
مدارسها وتشابكت، وأصبح لها أشكال كثيرة يصعب حصرها.
ونرى أن القصة من قديم نشأت بين يدي الدين.. وحتى في فجر الإسلام
حرص الخلفاء والأمراء على تكليف من يقوم بها في المساجد، ولدينا تراث هائل منها في
كل العصور.
ولكي نشير بإيجاز إلى عناصر القصة الإسلامية نقول:
أ– الحفاظ على الشكل التقليدي للقصة الطويلة أو «الرواية»، نعني
به التركيب الفني من بداية وعقدة ونهاية، فستظل القصة دائمًا وأبدًا تعتمد على هذا
التصور سواء في القديم أو في الحديث وفي القرآن، وفي كتب التراث، ولدى الكلاسيكيين،
أو الرومانسيين، أو الرمزيين، أو الواقعيين، وكل من يزعم غير ذلك فهو متجن، حتى التطوير
الذي حدث في عصرنا لم يغفل هذه الجوانب، قد يحدث تقديم وتأخير، وقد نبدأ في «العقدة»
لكن لابد أن نعود إلى نقطة البداية.. هنا أو هناك.. وكلها حيل مقبولة لتغيير التسلسل
المنطقي وإثارة القارئ، وشد انتباهه، وهو أمر لا غبار عليه.
أما قصة «اللامعقول» والانجذاب لتيار اللاوعي، والجري وراء اللقطات
النفسية اللامنطقية، وإقامة بناء من الشطحات؛ فهي نزعة مؤقتة أغرق البعض فيها، تقليدًا
لمجتمعات تختلف عنا تمام الاختلاف فكرًا وعقيدة وبيئة وحضارة، ومآلها إلى الزوال فيما
أعتقد، ولم تستطع هذه البدع الجديدة أن تحتل مكانة مرموقة، بل بقيت الكلاسيكيات هي
قمم القصص العالمي حتى اليوم.
ب- المضمون أو المحتوى أو الفكرة:
والمضمون بمثابة القطب الذي تنجذب إليه الأحداث، أو تنطلق منه الموجات
الإشعاعية المؤثرة، وهنا يكمن الجهد الأكبر للقاص المسلم؛ لأن القناعة التي تتولد لدى
القارئ أو المتلقي، سوف تخلق فيه موقفًا.. أو تدفعه لفعل أو قول، وحتى عاطفة معينة،
ومهما كان الشكل جميلًا فلن يغني عن قوة الفكرة وروعتها، ونظرة شاملة على المدارس الأدبية
تلاحظ فيها أن الكاتب ملتزم.. أو متحيز لفكرة أو موقف.. نرى ذلك عن الكتاب الاشتراكيين
والوجوديين والأوروبيين.. فالكاتب- حتى منذ أن كتب أرسطو عن المسرح والشعر- ذو رسالة
اجتماعية أو عقيدية أو سياسية.. ولا عبرة بما يقال عن أن الأدب تعبير عن الحياة أو
المجتمع؛ لأنه لا يعبر سلبيًا أو فوتوغرافيًا عن الواقع، بل يوحي بأشياء إيحاءً ذكيًا،
حتى ولو لم يتكلم بصورة مباشرة.. الكاتب الإسلامي يتخذ رسالة المربي أو الداعية، لكن
حذار أن ينخرط في التعبير المباشر كلية، أو يصرح بكل شيء، أو يعمد إلى السرد الطويل
الممل.. فالتعبير بالحدث... والإشارة.. والرمز.. والكلمة المشعة الموحية.. هي الأدوات
الناجحة المؤثرة في مجال القصة، على النقيض مما يحدث في المقالات والأبحاث والدراسات
الإسلامية.. لأن لكل فن وظيفته وأسلوبه..
ج – الشخصية:
الشخصية هي التجسيد للفكرة بما تقوم به من حركة أو تنطق به من حوار،
أو تبديه من انفعالات، أو ترتديه من زي، أو تمارسه من عمل، وبما لها من علاقات مختلفة
مع الأفراد والمجتمع، وبما تبديه تجاه المواقف الكثيرة في واقع الحياة.. فالشخصية الإسلامية
لها أفعال وردود أفعال، كذلك الشخصيات الأخرى الشريرة أو الخيرة، أو التي يختلط فيها
الخير بالشر.
وقد يتوهم البعض أن القاص المسلم سوف يركز على شخصية المسلم، وهذا
لا يمكن تقبله نظريًا وتطبيقيًا، فالحياة مليئة بالنماذج البشرية، ولكي يدور الصراع
الإيجابي الخلاق لابد أن يوجد المسلم في مجتمع يغص بشتى الصور والألوان، إذ كيف يظهر
رد الفعل لدى المسلم أو لدى النماذج المنحرفة إلا إذا تشابكت الخيوط واختلفت المنازع،
وتعددت وجهات النظر؟ وكيف نصل إلى النموذج الإسلامي إذا لم تظهر نقائض ونقائص النماذج
الأخرى، وتصرفاتها الساقطة؟
وحتى الشخصية الإسلامية، قد تتراوح بين القوة والضعف، وقد ينتابها
لأسباب بعض القلق والاضطراب والحيرة، وقد حدث شيء من هذا القبيل حتى في عصر النبوة.
إن شحن القصة الإسلامية بالنماذج الإسلامية المثالية أمر فيه الكثير
من المغالطة إن لم تكن السذاجة.. وإنما المنطقي أن تصور مختلف النماذج؛ ثم تأتي بعد
ذلك المهارة.. نعم المهارة في إقناع المتلقي أو القارئ بضرورة وأهمية تبني المنهج الإسلامي،
ولن يتأتى ذلك بخطبة عالية النبرة نضعها في القصة، أو بنصائح مرتبة يلقيها البطل، وإنما
يكون ذلك الإقناع عبر القنوات الفنية الذكية، التي تتسلل إلى الوجدان والعقل معًا،
وتحرك العواطف والأفكار في نفس الوقت، وتبلور في النهاية موقفًا للمتلقي يستطيع أن
يستشفه هو بنفسه، أو تتشبع به روحه.
د- الصدق الفني:
يقول شاعرنا الكبير حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وإن أشعر بيت أنت قائله
بيت يقال إذا أنشدته صدقا
لقد بلور شاعرنا معنى الصدق الفني؛ فالقارئ ليس ساذجًا، فهو يشعر
بفطرته بما في القول من زيف، وما في الفكرة من ضعف، وما في الأحداث من تصنع وتلفيق،
حتى الدراسات التي أجريت على قصص الأطفال، قد أبانت عن أن الطفل يستطيع بسليقته أن
يقبل بعض القصص، ويرفض البعض الآخر بحسه الفطري، فما بالك بالكبار الناضجين الذين حصلوا
قدرًا من الثقافة المعاصرة؟
الصدق يشمل «منطقية الأحداث»، «ومعقولية الفكرة» و«واقعية الحوار»،
كما يشمل إمكانية «وجود الشخصية».. حتى الذين يكتبون عن السحر والسحرة، وعن الجن والملائكة،
وعالم الميتافيزيقا، ويعالجون الأساطير والخرافات، ويكتبون قصص الحيوان الرمزي، والقصص
العلمي «الخيالي»، هؤلاء جميعًا يحاولون في عصرنا إعطاء مسحة «الصدق الفني» على ما
يقدمونه من أعمال، متوسلين إلى ذلك بشتى الحيل والأساليب..
ه- اللغة:
الكلمة هي أداة التعبير، والجملة أو العبارة نسق خاص للكلمات يثمر
معنى خاصًا، وقد تختلف الأساليب من كاتب لآخر، ومن فن لفن، ولهذا نلاحظ التفاوت الكبير
بين أساليب العصر الواحد، كما نلاحظ أن أسلوب الشعر يختلف عن أسلوب النثر، وكلاهما
يختلف عن الكتابات الفلسفية والتشريعية والعلمية، واللغة العربية لديها ثروة هائلة
من الألفاظ لا تدانيها أية لغة أخرى فيها، ولكل لفظة معناها الدقيق، ولا يستطيع كاتب
أن يجيد في صناعته إلا إذا امتلك الأداة القادرة على التعبير.
ولقد تسللت العامية إلى كتابات الكثيرين لأسباب عدة لا مجال للتعرض
لها، لكن يبقى أن يلتزم الكاتب المسلم بلغته العربية في كل ما يكتب.. واختيار اللفظة
المحكمة المعبرة والموحية في نسيج تعبيري متسق أمر في غاية الأهمية.
ومن خلال تجاربي الشخصية لاحظت أن القصة التاريخية تحتاج لأسلوب
خاص، كما أن القصة التي تتناول شعبًا من الشعوب الإسلامية في عصرنا، تحتاج إلى إلمام
كبير بأوضاع ذلك الشعب وتقاليده وعاداته وممارساته اليومية، بل ووضعه السياسي والجغرافي،
ومدنه وقراه، جباله وأنهاره، والأسماء الشائعة للنساء والرجال.. والقصة السياسية تحتاج
إلى أسلوب مغاير للقصة الاجتماعية أو العاطفية لدى الكاتب الواحد.
ويبقى القول: إن الأسلوب العربي المرن هو أداة الكاتب المسلم.. وليس
العامية مهما كانت إغراءاتها.
و- الصراع:
الصراع هو لب العمل الروائي والدرامي بصفة خاصة، وعنف هذا الصراع
أو صوته هو الباعث على الاندماج والمتابعة والاستغراق، والصراع طبيعة الحياة، ولهذا
فإنه من العسير تقبل النماذج المسطحة التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تلك الأحداث التي
تسير في نسق واحد ممتد دونما اعوجاج أو تلكؤ.. إنها تبعث على الملل والفتور، والصراع
يشبه إلى حد كبير التفاعل المركب الذي يتولد عنه مركبات جديدة، والكاتب المسلم مطالب
بأن يستخدم الصراع لـ«إنضاج» مفاهيمه ونماذجه، وإبراز المثل والشخصيات التي أنضجت بنيران
التجارب.. أعني نيران الأحداث، ولنتذكر دائمًا أننا نعيش في عالم البشر، وليس في عالم
الملائكة.
ز- الحوار: جملة قصيرة ينطق بها البطل أو الشخصية، قد تلقى أضواء
ساطعة على حدث من الأحداث، أو تكشف عن طبيعة داخلية «نفسية» وسلوكية لفرد من الأفراد،
أو تقيم موقفًا من المواقف، أو فلسفة من الفلسفات، فالحوار بهذا المفهوم ليس مجرد كلام
عادي يلقى، وإنما تعبير دقيق له وظيفة محددة، لا يغني عنها السرد أو الوصف.
وبعد، قد يقول قائل: إن الخصائص التي ذكرت في معظمها من ناحية الشكل
الفني، قد لا تختلف كثيرًا عن مواصفات القصة في الآداب العالمية، وليس هذا الاعتراض
خاطئًا على إطلاقه، ولكني أشرت في بداية حديثي إلى القصة القرآنية، وشمولها لجوانب
رائدة في الأسلوب والتنوع والدقة والصدق، وليس الذنب ذنبنا إذا جاء رواد القصة ومنظروها،
ووضعوا خصائص تشبه إلى حد ما الخصائص الأساسية للقصة في القرآن الكريم.. إنها بضاعتنا
ردت إلينا، وكل ما في الأمر أن التجارب والأمزجة المختلفة- في شتى العصور- قد ابتكرت
بعض «المواصفات» التي يظنون أنها قادرة على صنع مزيد من التشويق والإثارة.. أو قل عنها
«المشهيات الجديدة» التي أمكن تصنيعها من ثمار قديمة.
ح- المتعة والتسلية:
القصة بطبيعتها تضم في ثناياها ألوانًا من المتعة، وتجلب نوعًا من
التسلية، إلى جوار ما فيها من نفع، ولم يقل أحد أبدًا أن القصة الإسلامية تأنف من عنصري
المتعة والتسلية، وإنما الذي تأنف منه هو «مذهب الفن للفن»، وهو مبدأ مرفوض إسلاميًا،
إذ إنه يهدر القيم الأساسية للكلمة، فالمسلم كما نقول دائمًا صاحب رسالة، وإنه مسؤول
عما يقول أو يكتب أو يفعل... ومذهب الفن للفن خرافة، فالمروجون له لم يستطيعوا التدليل
على دعواهم وإثباتها حتى بما يكتبون من آداب.. لأن الأدب سيظل دائمًا وأبدًا باعثًا
على المتعة وحب الخير والجمال والحق، وهل خلق الإنسان عبثًا، وترك سدى؟ ومنذ عصر الأساطير
وربابة الشعر الملحميين، حتى عصر الذرة وسفن الفضاء، بقيت القصة وعاء للمتعة والفائدة
للصغار والكبار على السواء.
• كيف ترون الطريق العملية لنشر القصة الإسلامية، في صفوف الشبيبة المسلمة
أولًا، وفرضها على المستوى العالمي ثانيًا؟!
أ – بالنسبة للشبيبة:
1- لن
نستطيع أن ننشر القصة الإسلامية في صفوف الشبيبة المسلمة بقرار يصدر، ولكن بتقديم البديل
الأفضل لما في الأسواق من قصص منحرف ضال، ومن ثم لابد أن نراعي قواعد فنية القصة ونحن
نكتب، وأن تحاول تطوير أشكالها الفنية مع الزمن، وعندما تُرِي الشبابَ أن في القصص
الإسلامي متعة وصدقًا وجاذبية وتشويقًا وإقناعًا، فسوف يقبل عليه لمجرد تعريفه به أو
الإشارة إليه، بل سوف يتسابق إليه، وهذا ما حدث فعلًا بالنسبة لبعض النماذج القصصية
الناجحة.
2-
الأمر الثاني: هو إجراء مسابقات، ورصد جوائز
قيمة حول بعض القصص الإسلامية ذات المستوى الرفيع، ودعوة الشباب للاشتراك في قراءة
هذه القصص.
3-
عمل استبيانات ودراسات عن بعض القصص الإسلامية،
وآراء الشباب فيها.
4-
الاهتمام بنقد القصص الإسلامي، والقيام
بالدعايات اللازمة.
5-
قيام المجلات الإسلامية بنشر قصص إسلامية
دورية توزع منفصلة مع المجلة بأسعار معقولة أو مخفضة.. فمثلًا تصدر مجلة «الأمة» القطرية
ما يسمى بـ«كتاب الأمة».. وهو في العادة دراسة ذات طابع إسلامي، ويا حبذا لو فعلنا
نفس الشيء بالنسبة للقصة.
6-
نشر موجز عن الروايات الإسلامية التي تصدر
من آن لآخر في الصحف والمجلات ولو بالأجر، كلون من ألوان الدعاية.
7-
الاستفادة من الروايات الإسلامية في السينما
والإذاعة والتلفزيون.
8-
اختيار موضوعات معاصرة للرواية، بدلًا من
الانغلاق في دائرة القصص التاريخي الإسلامي وحده، وهذا ما حاولناه في السنوات الأخيرة.
9-
تشجيع الشباب على الكتابة في باب القصة
ووضع الحوافز لهم.
10- التعريف
بنظرية «الأدب الإسلامي» على غرار ما حاولناه في كتبنا عن:
- الإسلامية والمذاهب الأدبية.
- المسرح الإسلامي.
- أدب الأطفال في ضوء الإسلام.
- آفاق الأدب الإسلامي.
حتى يستطيع الشباب أن يجمع بين النظرية والتطبيق.
ب – بالنسبة للمستوى العالمي:
إن أهم خطوة يجب البدء بها في رأي هي:
- اختيار نماذج ممتازة من
الرواية أو القصة الإسلامية الطويلة، وترجمتها إلى اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية
والفرنسية والألمانية والأوردية.
- مع عمل الدعاية اللازمة
لها على نطاق واسع في بعض البلدان الأجنبية.
- وقد يقتضي الأمر إنشاء
دار نشر لهذا الغرض يشرف عليها ذوو خبرة وغيرة.
إن السوق العالمية مفتوحة لكل جيد.. ونحن نترجم من اللغات الأجنبية
إلى العربية، لكننا لا نترجم من العربية إلى اللغات الأجنبية، ولا شك أن مشكلة التمويل
مشكلة عويصة، لكن الأمر يحتاج إلى تطوع أثرياء مسلمين مؤمنين بالفكرة، لقد رأينا كيف
تبرع أحد أثرياء الكويت وزوجه بعشرة ملايين دينار كويتي لإنشاء مركز الطب الإسلامي،
وأعتقد أن «الأدب الإسلامي» أهم، وذلك لما له من عائد مذهل على الفكر العالمي ودعم
سياسة الدول الإسلامية، والدخول إلى هذه المجتمعات الاجتماعية بأسلوب جديد للدعوة.
• المجتمع: في الختام نشكر الدكتور نجيب الكيلاني على هذا اللقاء الطيب، ونأمل- إن
شاء الله تعالى- أن نلتقي ثانية في المستقبل لتسليط مزيد من الضوء على أدبنا الإسلامي
المعاصر، لما له من أثر كبير على شبيبتنا المسلمة، التي تتعرض اليوم الغزو فكري منظم،
يستهدف وجود هذه الأمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل