; الشاعر حامد الجوجري: الأدب الإسلامي هو التعبير الفني عن الضمير الكوني | مجلة المجتمع

العنوان الشاعر حامد الجوجري: الأدب الإسلامي هو التعبير الفني عن الضمير الكوني

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1619

نشر في الصفحة 50

الجمعة 24-سبتمبر-2004

البنيوية ما هي إلا إعادة جدولة لما قاله ابن سلام الجمحي وعبد القاهر الجرجاني، ولكن هناك شرودًا في تطبيقها نقديا.

الشاعر الكبير حامد الجوجري«٧٦ عامًا» أحد الأصوات الأصيلة في ميدان الأدب الإسلامي، التي تمتاز بأمانة الكلمة وغزارة الإنتاج، وتفرد التجربة إلى جانب خبرته التربوية الرفيعة، كأبرز المتخصصين المعاصرين في وضع وتقويم المناهج الدراسية لمراحل التعليم المختلفة، يقترب عطاؤه من عشرة دواوين، والعديد من الدراسات الإسلامية والبرامج التلفازية التي تقدم اللغة العربية للطلاب على مدى ٢٥ عامًا التقيناه، وكان هذا الحوار:

لا تنفصل تجربة شاعر أو أديب عن ظروف نشأته وتكوينه الأول، فكيف كان المحضن الأدبي للشاعر حامد الجوجري؟

ولدت بقرية سواحل كفر البطيخ مركز كفر سعد بمحافظة دمياط حاليًا، وحفظت القرآن الكريم في العاشرة، وتقدمت للأزهر الشريف، حيث كنت أصغر طالب بالأزهر على مستوى الجمهورية، وقد أرجأني الأزهر عامًا حتى أكمل الحادية عشرة، وقبلني الأزهر استثناء، وذلك تقديرًا لحفظي الجيد للقرآن، حيث كان الأزهر حينئذ لا يقبل من هم دون الثانية عشرة، ومن معهد دمياط الديني، إلى معهد طنطا الديني الثانوي، حيث كنت زميلًا للعلامة د. يوسف القرضاوي، وتلميذًا مباشرًا للعالم الجليل محمد متولي الشعراوي، والتحقت بعد ذلك بدار العلوم بعد اجتياز مسابقة كان النجاح فيها يعد فوزًا كبيرًا، ذلك لأن المتقدم كان يتم امتحانه في علوم القرآن والحديث واللغة العربية شفويًا وتحريريًا.

وتخرجت في دار العلوم عام ١٩٥٢م ثم تخرجت في معهد التربية العالي عام ١٩٥٤م، ثم حصلت على شهادة معهد الدراسات العليا في التربية واللغة العربية بالإسكندرية عام ١٩٥٦م وهي تعادل الماجستير الآن، ثم بدأت رحلة الحياة تعليمًا وتعلمًا، وكانت هذه الفترة بالنسبة لي كمن يطارد الأفق طلبًا للعلم وإيغالًا في اللغة وسباحة في بحار العلوم الإسلامية، من مكتبة المنزل حينًا والمكتبات العامة حينًا آخر، وما زلت إلى يومنا هذا، لا أشبع إلا إذا أتيت كل يوم على كتاب جديد، فالكتاب أنيسي وجليسي.

هذه رحلتي

ورحلتكم مع الشعر، متى بدأت، ومتى خرجتم من حقل التجارب إلى دائرة الضوء؟

أذكر أن أول قصيدة نشرت لي كانت في مجلة يصدرها أحد الأدباء اللبنانيين المقيمين في الإسكندرية، واسمها مجلة «السفير» وكانت القصيدة بعنوان «رسالة لأحبابي في جليم»، ذلك أن الدولة حينئذ كانت قد قبلت تطوعنا وتدريبنا، لإرسالنا إلى سيناء وفلسطين للجهاد، فأرسلت لأحبابي هذه الرسالة التي كنت أكتبها وأنا أتشوق للجهاد، واستشرف سماء الشهادة.

وفيها أقول:

أيها الأحباب والأصحاب في شط «جليم»

إن يطب عيشكم الرافه في ظل النعيم

فدعوني لجحيم المجد، يا نعم الجحيم

فإذا عدت سألقاكم، كريمًا لكريم

وإذا مت فقولوا، مات في أمر عظيم

ثم اختار الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل إحدى قصائدي ضمن برنامجه الشعر (في المعركة)، وهذا مما اعتبرته تكريمًا عظيمًا، واعترافًا بي من أكبر شاعر موجود على الساحة وقتها.

القارئ لأشعاركم جميعًا، يلاحظ أن معظمها اندرج تحت شعر المناسبات، وهو شعر تجميل أكثر منه شعر تحميل: ما رأيكم؟

إن كثيرًا من قصائد دواويني بالفعل يندرج تحت «شعر المناسبات» ذلك لأنني أعتقد أن حياة الشاعر - بل حياة أي فرد- أو حياة أي أمة ما هي إلا مجموعة من المناسبات، فكفاح الشعوب وانتصاراتها وانكساراتها، وحريتها واستعبادها، وصعودها وهبوطها، وحركة الأفراد وتقلب المصائر والمسائر على وجهها، مناسبات تشكل في النهاية وجه الحياة والناس، وترسم خط سير الأيام، وبالنسبة لي، فإن شعر المناسبات عندي يؤرخ لأكثر من نصف قرن من حياة أمتنا، وهي تمتاز برومانسية واضحة ومشاعري وأحاسيسي قد أسفرت من خلالها بوضوح وجلاء، وسيجد القارئ معها أنه غير مضطر للسير في الضباب أو التيه في الشعاب؛ لأني أومن أن ذات الشاعر ودخائلها ملك لقرائه، فلا خصوصية في ذاتية الشعراء.

ولم تخش أن تنحدر إلى المباشرة، أو تتبادل مقاعد المؤرخين، ما يؤثر على بنية القصيدة؟

بحكم ثقافتي في دار العلوم، وبحكم من غذائي في صباي من شعر الفحول القدامى والمحدثين من المحافظين، استقر في يقيني أن بحور الشعر بما اتسعت له من مجزوء البحر ومنهوكه ومشطوره، يمكن أن تتسع... الخلجات النفسية وأعمق الجوانب الفكرية، دون تكلف وافتعال، وأنا أكتب شعرًا ليقرأه الناس لا ليفكه العرافون، وخريطة الإبداع عندي عرضها عرض الدنيا والآخرة، وعمقها عمق النفس الإنسانية، وخلودها خلود الروح، ولا يعنيني المصطلح من قريب أو بعيد، سوى في دلالته ومعناه.

إن هي إلا أسماء.

ولكن المذاهب النقدية المعاصرة، كالبنيوية مثلًا، وهي تربط الشعر بالغرض دون العرض، ربما يجور أصحابها على مثل هذا الإبداع الأصيل الرفيع، حين تتم محاكمته بمعزل عن أجوائه الإبداعية؟

أولًا: النقد نقد، لابد أن يقف عند جماليات النص، بروح الناقد وعدالة القاضي، كما يقف عند مثالبه وملاحظاته.

ثانيًا: ليس في هذا النقد جديد سوى المسمى والمصطلح، فما يسمونه البنيوية ما هو إلا إعادة جدولة لما قاله ابن سلام الجمحي وعبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم، وهي ما ذهب إليه العقاد حينما حاكم أبطاله ونماذجه وشخوصه من زعماء وقادة وشعراء إلى ما أسماه المفاتيح، وهو دراسة حيواتهم وأعمالهم من مدخل نفسي بنيوي؛ لأن الأصل في أي عمل هو بنيته.

ونستطيع أن نطلق عليه «النقد الموضوعي» أو نقد الموضوع، فما الجديد الذي جاء به البنيويون المعاصرون.

ولكن – للأسف - هناك شرود لا شروق في تطبيق هذه النظرية، لإشعار القارئ بأن ما يقرؤه شيء بعيد الغور عميق الفكر. والحداثة، أين أنتم منها تجريبًا وتطبيقًا وإبداعًا؟

ما الفرق بين الحداثة والتجديد لفظًا؟ ألم تكن الموشحات الأندلسية حداثة! ألم تكن المقطوعات عند الرومانسيين حداثة! ألم يكن الميل إلى التصوير الكلي والتشخيص الطبيعي حداثة، ولكن كل هذا التجديد كان حداثة بالنسبة للعصر الذي حدث فيه.

فكل خطوة إلى جديد في عصره تعتبر حداثة.

أما حداثة اليوم المفروضة علينا بالحديد والنار، فهي ظلم لثقافتنا ولديننا، ومسخ لهويتنا، فيما يسمونه لغة الانتهاك، وهم كذبة حين يقلدون «جبران خليل جبران» زعيمًا لحداثتهم القائمة اليوم، أتدري لماذا؟ لأن جبران هو أول من خلص اللغة العربية من هيمنة المقدس فيها، المستمد من علاقتها بالقرآن الكريم فهو أول مؤسس للحداثة، لا لأنه كتب شعرًا حداثيًا، ولكن لأنه كتب بلغة عربية لا تستمد من أصولها التراثية، بل كانت استمدادًا واستلهامًا للفكر الوثني اليوناني واللاهوتي المسيحي في أبعادهما الكونية كما يرى أستاذنا الجليل د. محمد مصطفى هدارة، ومن هنا فإنهم لا يهدفون إلى حداثة التجديد والتطوير والتوليد، إنما يهدفون إلى حداثة الشر الذي يمتد خطره إلى الحياة والأحياء في كل المفاهيم والقيم. كل هذا في إطار لغة الهدم التي تعادي المعتاد والمألوف وكل ما هو مشترك في حياة الناس، إنها موجة من الإظلام والضياع والضلال، لا تؤثر إلا في بعض أبناء «الطبقة العائمة» على حد تعبير د. عدنان النحوي وكل أبنائها مشبوهون، ولا أستثني منهم أحدًا.

حتى وإن كان بعض أبنائها من كبار المبدعين؟

أمثال من؟ أدونيس، والله أنا لا أفهم من شعره أي شيء، وأحب أن أقول كلمة عامة، الشعراء الذين لا يلتزمون بقواعد الفن، وأقول بقواعده لا بقيوده، ولا يربطون بين اللفظ ومدلوله اللغوي فكيف تفهمهم! أنا أو من أن اللفظ، حتى الرمزي منه لابد أن تكون له دلالة مرتبطة بالمعجم اللغوي، فالكناية والاستعارة ما هي إلا رموز، ولكن دلالة الألفاظ فيها سواء كانت دلالة اصطلاحية أو معجمية أو فنية لها مغزاها ومعناها وقيمتها.

وصدقني يا أخي، هذا شذوذ يتغياه هؤلاء المخربون.

وهم طلائع الاستعمار الغربي المفتون، وكل شذوذ أو انفلات من مألوف، سيظل محصورًا ووقتيًا، وكل تجديد على غير أساس سيظل باطلًا، وسيظل هذا الجنون صيحة محصورة المجال محدودة المدى والزمن.

لكن الملاحظ أن مدارس نقدية، ومناهج جامعية، ومؤلفات ومراجع، بل وأسس ترقية لأساتذة جامعيين، أصبحت لا تجوز إلا مثل هذا الذي تنفيه الآن؟

هذه أزمة أمة لا أزمة نخبة، لأن الأمة اليوم تمر بمرحلة «نخل» و«تصفية» ولابد أن يميز الله الخبيث من الطيب.

ومن قبل كانت أزمة نخبة تردت في الدخيل وفرضته على الساحة، فلما تفشت الأمة، تحولت أزمة هذه «الجوقة» و«العصابة» إلى أزمة أمة مخدرة ومفترة، علت فيها هذه الفقاقيع على السطح، ورست اللآلي والجواهر في القيعان، ولكن الأمة اليوم تمر بمرحلة الابتلاء والزلزال الشديد، ولابد أن تعتدل الموازين وأن تذهب ثقافة الضد إلى حيث ألقت.

إذن، كيف تنظرون إلى الأدب الإسلامي وسط هذا التلاحم والتزاحم؟

كل أدب يعلي القيم ويتماهى مع الفضائل، ويكون تعبيره عن ضمير كوني صحيح هو أدب إسلامي، نحياه ونحييه.

وآخر إبداعاتكم؟

أستعد الآن لإصدار أعمالي الكاملة في مجلدات، أما عن القصائد فقد كتبت إلى ذات الثوب الأبيض عروس الشهادة في فلسطين:

سألتني ذات الثوب الأبيض وهي تواري سوءتها

وتضـــــــــم بقايا المزق الحمر تلملم فيها عفتها

وتشـــــــــيح بوجه الطهر بعيدًا تمضغ حسرتها

وتطهر بالدمـــــــع المخذول بقايا تحرق وجنتها

سألتني أين المعـــــتصم المرهوب يرد كرامتها

سألتني ثم مضـــــــــــــت تنشده، توسع خطوتها

سـتراه هناك بظل الشمس يسوق الريح لكربــــتها

وستهتف وامعتــصماه، فيشد الخيل لنــــــــجدتها

ويرد التنين الزاحف يرشـــــــف سائغ كرمـــتها

وهناك رأته وراء الوهــــم، عجوزًا تسكب عزتها

عجــــــفاء صموتًا أخرسها ذل الضعفاء وأسكتها

رحـــمى المعتصم العاجز ضاعف منها محـــنتها

وكتبت أنشد في حدائق الشوك، مع الفلسطيني الصبور:

أقبلت أزحف فوق وجه الليل تصفعني الرياح

أطفو على ثبج الضياع فلا ضياء ولا صباح

الذل ينهشني ويطعم من دمــــي الحر المباح

منذ التقيت مع الحياة ولحنها بفمي نواح

 لا كف ترعى برعمي غصنًا، ولا مهدي استراح

أسعى، وظل الزيف حولي في الذهاب وفي الرواح

زيف العدالة! أن تقبل راحة السهم الجراح

زيف البطولة! أن تكون مفاخر البطل الصياح

زيف طوى لحني، وأحلامي، وآمالي الفساح

ألم تكتب بالعامية قط؟!

كتبت مرة واحدة، ولم أعد إلى هذه التجربة مرة أخرى في حياتي، بل ابتعدت تمامًا عن هذا الجو الفاسد الذي يضيع على المبدع موهبته، ويميع قيمه، بل وأحيانًا يخل بشرفه الأدبي الذي يجب أن يظل شريفًا مصانًا، لأنه الراعي الأول لأمانة الكلمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

142

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

136

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد