; الأدب الإسلامي ودور الإنسان في العالم «الاستخلاف» .. نشر الإسلام في العالم «2» | مجلة المجتمع

العنوان الأدب الإسلامي ودور الإنسان في العالم «الاستخلاف» .. نشر الإسلام في العالم «2»

الكاتب د. محمد عادل الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

مشاهدات 66

نشر في العدد 686

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

نشر الإسلام في العالم

إن تقلد الإنسان المسلم مهمة الاستخلاف عن الله في الأرض يجعله متميزًا بدوره ومهمته، فلا يمضي العمر على صورة يومية رتيبة «لا مبالية» ولا تستغرقه الأنانية التي تشغل الإنسان بتثمير مكانته وماله وحسب.. إنه يحيا لغاية تشغل عليه أقطار نفسه، من لوازمها نشر الإسلام في أقطار المعمورة ليستظل العالم كله بمبادئ الإسلام وقيمه.

فموضوع الإسلام هو «الإنسان» نوع الإنسان، ومجاله هو الأرض كل الأرض لإقامة مملكة الله في الأرض[1]، والمسلم يتحرك في تجاه هذه الغاية على سنن الإسلام، لا تنحصر حقيقته في حدود الجنسية والوطنية الضيقة، فالعالم كله وطنه[2]...

يقول عبد الحفيظ صقر:

تلاشت حدود الأرض عندي وإنما * بلادي وقومي حيث يدعى إلهيا[3] وقوام الأمر أن الإسلام ليس نحلة قوم، ولا نظام وطن، ولكنه منهج إله، ونظام عالم، وإن مبررات الانطلاق الإسلامي أن الإسلام منهج الله للحياة البشرية، وليس منهج إنسان أو شيعة أو جنس من الأجناس[4]... فرسالة الإسلام إلى البشر جميعًا: ﴿ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا (سبأ:28).

والأدب الإسلامي يصور حركة الإنسان المسلم عبر التاريخ الإسلامي، وهو ينطلق كالريح أو كالنور في تجاه غايته... يرسم لنا أطيافًا من هذه الصورة الشاعر شفيق جبري بقوله[5]:

مشى الوحي فيهم مشية البر في الضنى
فطاروا إلى الدنيا بدين محمد
كان الرياح الذاريات مطيهم
ففي كل بر منهم زحف زاحف
كأن دوي النحل مثل دويهم
 

 

فأي فتى من سحره غير طافح
وقد فتحوا الدنيا كلمحة لامح
يلفون وجه الأرض لف الوشائح
وفي كل بحر منهم سبح سابح
إذا ارتفعت أصواتهم بالفواتح

 

ويصور لنا شريف قاسم رسالة الإنسان المسلم الحضارية ترف بها راياته في العالم فتظل بقاعه بالعلم والهدى[6]:

ورفت على الأمصار رايات فتحنا
وأندلس الخضراء تدنو قطوفها
محقنا دياجير الشعوب فديننا
به قد ملكنا الأرض شرقًا ومغربًا
أروني مدى الأيام عهدًا معطرًا

 

 

ففي الصين مرماها وفي الهند تخفق
فعاش عليها الغرب، والغرب معلق
نهار على ليل الممالك مشرق
وجذوته رغم الدجى تتألق
بغير شذى الإسلام يهمي ويعبق

 

وينظر محمود مفلح إلى واقعنا التاريخي المشرق بالفتوح والهداية.. ويضنيه في واقعه سواد الضلال فلا يلفى إلا شمس الإسلام كفيلة بقشع حجب الظلام وإرساء نور الحق في الوجود، فينادي فتية الإسلام أن يأخذوا دورهم في نشر أنوار الإسلام في العالم ليظلوا العالم بخيره وهديه[7]:

إخوتي، إخوة الجهاد الكبير
إخوتي، يا ملاحم النصر يا نبـ
أنتم القوة التي تكنس الليــ
إن شمس الإسلام لا بد أن تبــ
إن شمس الإسلام تزحف في الأفــ

 

والظلام البليد يركله الأحــ

 

 

يا نجومًا تشع في الديجور
ــض القوافي، ويا دوي النسور
ــل وأنتم مصير هذا المصير
زغ فالليل في النزاع الأخير
ــق وتطوي الدجى كطي الحصير

 

رار فأنظر جحافل التكبير

 

إن طبيعة المهمة التي استخلفها الله الإنسان في الأرض لتقتضي في إنفاذها الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله لنشر الإسلام في أقطار المعمورة، ومسح الغشاوة عن النفوس.. وليتاح للإنسان أني كان أن يختار ما يشاء من عقيدة.. فإذا وقف في طريق الدعوة الطغاة والمتسلطون يريدون حجب الحقيقة عن شعوبهم، فعندئذ يكون الجهاد...

فالإسلام لله هو الأصل العالمي، على البشرية أن تفيء إليه أو تسالمه، وتخلي بينه وبين كل فرد يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته، فإن قاوم الإسلام أحد حاربه حتى الاستسلام.. فمن حق الإسلام أن يزيح الحواجز والأوضاع والأنظمة التي تقل من حرية الإنسان في الاختيار...[8]

﴿ وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ (البقرة:193).

لقد امتدح الله- تبارك وتعالى- الدعاة في سبيله الذين ينطلقون لنشر دعوته فقال: ﴿ وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (فصلت:33).

لذلك نجد الإنسان المسلم متحرقًا لأداء رسالته في الدعوة إلى ربه ونصرة دينه.. وفي ذلك يقدم لنا الشعراء والأدباء في الأدب الإسلامي نماذج إيجابية حية.. منها ما نجده عند حسان ابن ثابت من نموذج رائد في الشعر الدعوى يعرض فيه لمبادئ الإسلام ونظمه، وسبقه وقومه إلى نصرتها والسير في ركاب الدعوة لها والجهاد في سبيل نشرها، فمما يقول:

الله أكرمنا بنصر نبيه                                                                      وبنا أقام دعائم الإسلام
وبنا أعز نبيه وكتابه                                                                        وأعزنا بالضرب والإقدام
ينتابنا جبريل في أبياتنا                                                                    بفرائض الإسلام، والأحكام
يتلو علينا النور فيها محكمًا                                                       قسمًا[9] لعمرك ليس كالأقسام
فنكون أول مستحل حلاله                                                           ومحرم لله كل حرام
نحن الخيار من البرية كلها                                                    ونظامها[10] وزمام[11] كل زمام[12]

 

ولعله يتضح لنا من خلال أفكار حسان ومراميه في هذه الأبيات، المنبثقة عن الحياة الإسلامية في المجتمع الإسلامي الأول الآفاق الدعوية في نصرة الإسلام ورسوله وكتابه من خلال تمثل الدين فرائض وأحكامًا، وفي الافتخار بتكوينهم أول مجتمع إسلامي يتمثل قيم الإسلام، ويعز دينه وتعاليمه ويرود بها أمم البشرية إلى خير منهج ونظام.

ومن الأفاق الأدبية التي تجلو لنا شخصية الداعية إلى الإسلام ما يصوره لنا الدكتور عماد الدين خليل من موازنة بين صورة الوجودي الذي يغرق أساه وتمزقه في الخمرة واللهو لينسى ويبين صورة الداعية المسلم الذي لا يجد أنسه في صفاء الحياة على الأرض، وإنما في حركته لتأدية واجب الخلافة والأمانة بما في ذلك من مشاق العمل ورهقه..

يحاور «إبراهیم» رفيقه «محمودًا» في «المأسورون» ويتضح من خلال الحوار أفقان:

إبراهيم: «متحدثًا عن صديقه الشهيد وأفاقه»، كان يقول لي إنه لا يجد أي متعة في هذا الصفاء الذي تحقق به بعد جهاد نفسي قاس، وصراع روحي مرير، بل على العكس، كثيرًا ما كان يقول لي «إنني أتعذب يا إبراهيم، لأن الذي يعيش تجربتي لا يستطيع أن يهنأ ويسعد وإخوانه يتخبطون في الظلمات، كان عليه أن ينزل إليهم... أن يعيش بينهم في الطرقات المخيفة، أن يعرض نفسه للأذى والخوف كي يأخذ بأيديهم إلى شاطئ الحياة الحقيقية، حيث يعرف الإنسان لماذا أمر الله ملائكته أن يسجدوا لأبيه!!

محمود: وماذا نفعل نحن يا إبراهيم؟ ألم نجمع على احتقار هذه الحياة اليومية التي أجمع الآخرون على تقديس ما فيها من طعام وشراب ونوم وبحث عن المال؟ ونأتي إلى هنا هاربين من أشباح السأم والحس، باحثين عن كوة ننطلق منها إلى عالم نرنو إليه، وأنا وجدنا في الخمرة ضالتنا المنشودة؟

«يضحك».

إبراهيم: ما كان ليطير هكذا في الخيال كما تطيرون... حتى إذا كلت أجنحتكم سقطتم فجأة، وتمزقتم في التراب كان قد ثبت قدميه في الأرض، وكان راسخًا كالجبال ما كان يحلو له أن يطير وإخوانه يتقلبون في الظلمات... كان يقول دائمًا: من هنا من هذه الأرض ينطلق الإنسان إلى السماء.[13]

وقد كان من منهج الداعية وهو يطوف الآفاق، يدعو إلى ربه وإسلامه، حسن الصلة بالله وعدم الخشية إلا منه، وهذا نموذج وصية من الشيخ عبد الله- في نيجيريا- لتلميذه الداعية «عثمان أمينو»:

«إذا نزلت يا عثمان في أحراش «اليوروبا» وظلمات «الأيبو» فابعث بكلمات الله في كل مكان، وادع البشر هناك إلى عبادة الواحد، قل لهم: كونوا إخوة، وحطموا الأصنام الجديدة، أطلق كلماتك في الصحراء، في الغابات، في المناجم، في المصانع، ولا تخش إلا الله...».[14]

ومضى عثمان يناجي نفسه بعد أن تحررت نيجيريا من الأطماع الاستعمارية، وعادت بلدًا واحدًا، ولم يبق عليه إلا أن يستأنف دعوته إلى الله في كل مكان فيها..

«نحن الدعاة إلى الله، طريقنا الحب الطاهر بكل ألوانه الباهرة، غذاؤنا الأمل، وطريقنا يمتد إلى بعيد، لا يقطعه الموت، أو تطمسه العواصف، فالركب السائر إلى الله في صدق لا يضل الطريق».[15]

يتبع في العدد القادم.

_____________

[1] انظر في ظلال القرآن: 9\1434

[2] انظر روائع إقبال: 104 - 105

[3] شعراء الدعوة الإسلامية: 5\125

[4] انظر في ظلال القرآن: 9\1434

[5] الأدب المعاصر في سورية: سامي الكيالي، دار المعارف بمصر 1968 ص311

[6] الدعوة «السعودية»: ع/744، جمادي الأولى 100هــ، ص38

[7] ديوان الرابة: مخطوط

[8] انظر معالم الطريق: سيد قطب، دار الشروق ص 80 - 85

[9] نصيب أو حظ.

[10] قوام، عماد.

[11] ملاك الأمر وصاحبه.

[12] ديوان حسان بن ثابت: 233

[13] المأسورون: 70 – 72

[14] عمالقة الشمال: 24

[15] نفسه: 184

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

142

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

136

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد