; الأخيرة.. الله سبحانه.. واللدائن الرخوة | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة.. الله سبحانه.. واللدائن الرخوة

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009

مشاهدات 76

نشر في العدد 1881

نشر في الصفحة 66

السبت 19-ديسمبر-2009

هناك خطأ كبير يمارسه الشكوكيون وأنصاف المؤمنين.. خطأ يدعو للرثاء والسخرية، وهو جعل الدماغ البشري، تلك اللدينة الهشة ذات الإمكانات المحدودة، حاكماً على الوجود الإلهي والكوني، قديراً على اختراق الظاهر إلى الباطن والوجود إلى الغيب.. وهي مهمة لم يرد للعقل البشري أن يتعامل معها ابتداء ويكشف سرها المنوط بالوحي القادم من السماء.. وحده.

إننا ندخل معادلة غير منطقية على الإطلاق، عندما نحاول أن نحمل الدماغ البشري ما لا يطيق، ونرغمه على الدخول في مجاهيل لا طاقة له البتة في اكتشاف سرها المجهول. ولحكمة يريدها الله سبحانه تنزلت الأديان لكي تمنح الإنسان الجواب على جانب من الأسئلة التي تؤرقه في هذا المجال.. وتبقى جوانب أخرى في علم الله وغيبه الذي لن تستطيع عقول البشر جميعا أن تجتازه إلى العمق، بل أن تبلغ حافاته ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ( الجن: 26-27)

إننا نتوهم بعقولنا المهيأة للتعامل مع العالم الصغير الكرة الأرضية التي لا تزيد على أن تكون هباءة في مسرح الكون الكبير.. نتوهم أننا نملك القدرة والأدوات على حل ما يبدو معضلات كونية، والاطلاع على بعدها الغيبي، تماما كما لو أن مجموعة من النمل اجتمعت لكي تعرف كيف استطاع المهندس البشري إقامة ناطحات السحاب بهذا الارتفاع الهائل دون أن تميل أو تسقط على الأرض.. أو تدرك سر نزول المطر بالغزارة التي تلحق الأذى بمجمعاتها السكنية ( ولله المثل الأعلى).

إننا ونحن نمارس هذه اللعبة الصبيانية المضللة نحاول أن نجمع تفاحة إلى برتقالتين ونقول: إن حاصل الجمع ثلاثة، فيما هو مستحيل في المنطوق الحسابي. ولطالما طرح الشكوكيون وأنصاف المؤمنين على أنفسهم هذا السؤال: إذا كان الله سبحانه أزليا فهل يعقل، ألا تكون له بداية؟ وإذا كان الكون بأجسامه وفضائه من خلق الله، فأين هي حافاته الأخيرة؟ أسئلة تدعو للشفقة لأن الإجابة عنها بالقدرات العقلية المحدودة التي منحها الله الإنسان، مستحيلة بكل معيار من المعايير.

لقد وضعنا الله سبحانه في الموقع المناسب تماماً لمهمتنا البشرية في العالم، وقال لنا في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  : إن علينا أن نتعامل مع فيزياء العالم.. مع الكتلة، لكي نعرف أبعادها ونكتشف أسرارها ونوظفها لتنمية الحياة وترقيتها فيما يجعلها ملائمة للمهمة الكبرى لخلق الإنسان، ألا وهي عبادة الله سبحانه.. وحذرنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من أن نتجاوز مهمتنا هذه، فنعبر الفيزياء إلى ما وراءها، إلى ما سماه الفلاسفة «الميتافيزيقا» فيما لا نملك معه أدوات العمل، فقال: تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله .. فكأنه - بهذا - أعطانا خارطة العمل المرسومة بعناية لأداء مهمتنا الاستخلافية - الحضارية في هذا العالم. ويوم أن أصغينا للنداء، والتزمنا برنامج العمل عرفنا كيف نتحضر، وكيف نكون سادة الدنيا .. ملكنا الأرض وكانت عيوننا معلقة بالسماء.. سلمنا بمعطيات الوحي ومضينا لكي نتعامل مع الوجود فنعيد صياغته بما يريده الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم  .

وبمرور الوقت، وبتأثير الفلسفة اليونانية وإغوائها، زاغت شرائح من الآباء والأجداد عن الطريق المرسوم.. وراحت تركض وراء ما يمكن اعتباره سرابا الميتافيزيقا ... على اعتبار أن فك طلاسمها أمر مستحيل.. فضيعت بذلك زمنا وجهداً كبيرين كان يمكن لو أحسن التعامل مع الدنيا بالمنطوق القرآني لا اليوناني، أن نمضي قدما في سلم الإنجاز الحضاري، وألا نسمح للغربيين الذين لا يعرفون الله سبحانه أن يسبقونا ويمسكوا برقابنا.

ولا تزال خرائط العمل القرآنية والنبوية مفروشة بين أيدينا، ولا نحتاج لكي يكون لنا مكان في العالم، سوى أن نشمر عن ساعد الجد، وأن نتعامل معها بأقصى درجات الصدق والفاعلية والذكاء.

الرابط المختصر :