العنوان ضرورات الفقه الحضاري
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 25-مايو-2013
مشاهدات 63
نشر في العدد 2054
نشر في الصفحة 66
السبت 25-مايو-2013
الفقه الحضاري يُعنى باستقصاء وتحليل قوانين الحركة التاريخية، أو سنن الله العاملة في التاريخ، تلك التي ترفع الأمم والجماعات والدول وتنشئ الحضارات، أو تخفضها وتصيبها بالتفكك، وتقودها إلى الأفول والانهيار.
ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى فقه كهذا، لإضاءة مسائل وإشكاليات عقدية وتاريخية ومعاصرة، وتقديم أجوبة أكثر دقة بخصوصها.
والقرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن تراثنا الفكري، ومعطيات فلاسفة ومفكري التاريخ ودارسي الحضارات المحدثين يتقدمون جميعًا بالإجابات المطلوبة، إذا عرفنا كيف نحسن التقاطها وإدراكها.
هناك -على سبيل المثال- ضرورة إعادة النظر في الدراسات التقليدية المعنية بالسيرة النبوية والتي جعلتها، أو اختزلتها بعبارة أدق، في عرض عسكري لغزوات رسول الله ﷺ والتحول إلى التعامل معها كمشروع حضاري تؤكده معطيات السيرة نفسها.
هناك -أيضًا- ضرورة إعادة النظر في مناهج دراسة وتدريس مادة «حضارة الإسلام في المعاهد والجامعات، وتجاوز المنهج التفكيكي المعتمد منذ أكثر من قرن من الزمن، إلى منهج شمولي يعرف كيف يتابع «شخصانية» هذه الحضارة، وحلقات نشوئها ونموها وازدهارها، وعوامل أفولها وانهيارها في نهاية الأمر.
هناك التحديات الأكثر حداثة كنظرية «نهاية التاريخ» لـ«فرنسيس فوكوياما»، ونظرية «صراع الحضارات» لـ «صموئيل هنتنكتن» ومعطيات النظام العالمي الجديد أحادي القطبية.
وهناك تحديات المشاركة الإسلامية في مستقبل العالم، وإعادة صياغة المصير البشري، ودور الحضارة الإسلامية -في حالة انبعاثها- في هذه المشاركة، ومساحتها الممكنة.
وهناك ما يطلق عليه اليوم «المشروع الحضاري الإسلامي البديل» الذي يتحتم على الأمة الإسلامية أن تنسج حيثياته من الأساسيات العقدية والتشريعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسوابق الأجداد والآباء، وأن تؤكد حضورها قبالة انهيار جل المذاهب والنظم الشمولية والوضعية التي استعبدت الإنسان في العالم، منذ انحراف الأديان الكبرى وعزلها عن أداء مهمتها.
وثمة قبل هذا كله ضرورة القيام بمسح شامل لمنظومة الآيات والمقاطع القرآنية المعنية بقوانين الحركة التاريخية أو سنن الله العاملة في التاريخ، وتفسيرها، من أجل إغناء وإضاءة الدراسات الحضارية الخاصة بالموضوع.
هذه المسائل جميعًا تتطلب فقهًا حضاريًا، أي وعيًا بقوانين الحركة التاريخية، وبالتالي فإن على مثقفينا عامة وطلبة الجامعات في عالم الإسلام كله بشكل خاص، والمعنيين بالتخصصات التاريخية والحضارية على وجه التحديد، أن يولوا اهتمامًا أكبر لهذه المطالب والتحديات، وألا يكتفوا بمعارف تاريخية وحضارية مفككة يتلقونها أو يتعاملون معها على عجل، ويتخرجون مكتفين بالشهادات وحدها دون فهم عميق لما يتحتم أن يكونوا على وعي به في سياق تخصصهم المهم هذا.
إن الفقه الحضاري والحالة هذه يغدو ضرورة من الضرورات القصوى لحملة الهم الإسلامي في العالم المعاصر، من أجل أن يتحركوا وهم على وعي تام ورؤية نافذة لخرائط العمل في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل وتداخلت التحديات وتقوى فيه القوي على الضعيف، وسدت المسالك أمام المبادئ والنظم الوضعية، وازداد ضلال الأديان المحرفة.. حتى غدا العالم بأمس الحاجة إلى مشروع كبير ينقذه من الورطة التي يتخبط فيها ويقوده إلى الصراط.
ومرة أخرى، وكما يقول «روجيه جارودي» في «وعود الإسلام»: «إن مشكلة العالم المعاصر كونية ولا بد للجواب أن يكون كونيًا، والإسلام هو هذا الجواب..