; المظلومون في تاريخنا«6».. ابن النفيس الطبيب الرائد والمبدع الواعد «1» | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا«6».. ابن النفيس الطبيب الرائد والمبدع الواعد «1»

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 10-مارس-2007

مشاهدات 85

نشر في العدد 1742

نشر في الصفحة 66

السبت 10-مارس-2007

ابن النفيس، علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي، أو الحرم القرشي « ٦٠٧٦٨٧هـ ۱۲۰۹۱۲۸۸م» أصله من مدينة قرش فيما وراء النهر، أو قرش قرية قرب دمشق.

مولده في دمشق، حيث تلقى العلوم في القرآن الكريم والحديث الشريف واللغة والأدب والتاريخ والطب الذي عرف به وبرز فيه أكثر من غيره أصبح من أعلامه وكبار أئمته، وكان علاء الدين إمامًا في علم الطب لا يضاهى في ذلك ولا يداني استحضارًا واستنباطًا وله فيه التصانيف الفائقة والتواليف الرائقة، كما يقول صديقه وزميل دراسته في دمشق والقاهرة للطب، موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة «٦٦٨ هـ١٢٧٠م» في كتابه، «عيون الأنباء في طبقات الأطباء».

 بدأ دراسته الطب في دمشق، إثر أزمة صحية ألمت به سنة ١٢٩هـ١٢٣١م، وكان عمره حينئذ ٢٢ سنة، وذلك من أجل أن ينفع الناس وهذا ما تنشئة البيئة الإسلامية العلمية الكريمة الإنسانية.

كان كريم النفس حسن الخلق صريح الرأي، متدينًا على المذهب الشافعي، بل ويعتبر فقيها شافعيًا.

رحل الإمام العلامة الموسوعي ابن النفيس إلى القاهرة غدا هناك رئيس أطباء مصر، عمل في البيمارستان المنصوري «مستشفى قلاوون حاليًا»، أكبر مستشفياتها وقتها كان مشرفًا عليه «مديره»، بجانب رئاسته الأطباء حتى وفاته.

ابن النفيس طبيب أولًا، ثم فيلسوف وفقيه ألم وحاز العديد من العلوم، عرف ببعضها ففي الطب له العديد من الكتب تأليفًا، من مثل الموسوعة الطبية النادرة أو العديمة المثال الشامل في الصناعة الطبية وهي أضخم موسوعة طبية في التاريخ الإنساني يكتبها شخص واحد كان قد وضع مسوداته لتأتي في ثلاثمائة مجلد، أنجز منها ثمانين مجلدًا ووهبها جميعًا وكل مكتبته وداره وأمواله، وقفًا إلى المستشفى المنصوري.

 وكان في القاهرة قد ابتنى دارًا وفرش إيوائها بالرخام، ولعلها كانت مجلس علمه ولقاءاته ودروسه غير بيت أسرته أو ملحق بها وبالتأكيد فإنه أوقف ذلك تدينًا وليس لأنه لم يكن متزوجًا، كما توهم البعضفهو أبو محمد «تبركًا» أحد أولاده.

 وقد شاهد المجلدات الثمانين هناك كاملة ابن فضل الله العمري « ٧٤٩هـ ١٣٤٩م»، صاحب موسوعة المسالك والممالك التي يقوم المجمع الثقافي في أبو ظبي بطبعها ويعتبر الشامل ثالث موسوعة في  الطب الإسلامي، بعد الحاوي لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي « ٣٢٠هـ ۹۳۳م»، والقانون للرئيس أبي على الحسين بن عبد الله بن سينا « ٤٢٨هـ۱۰۳۷م» والموسوعات العلمية سمة من سمات حضارتنا الإسلامية. 

طريقته في التأليف: كان يكتب من حفظه وتجاربه ومشاهداته، إذا أراد التأليف تجهز له الأقلام مبرية، ويبدأ الكتابة من خاطره مثل السيل إذا تحدر، فإذا كل القلم رمى به وتناول غيره، لئلا يضيع الوقت في بريه.

 وقال عن مؤلفاته، لو لم أعلم أن تصانيفي تبقى بعدي عشرة آلاف سنة ما وضعتها لعله يشير بذلك إلى أن مؤلفاته فيها من السبق والمادة العلمية التي يبقى الناس يحتاجونها ويرجعون إليها، ناهلين منها مثل هذه المدة.

وهكذا نرى أنه بعد قرون من الإخفاء والإبعاد والظلم، يهيئ الله تعالى من يعيد الحق لأهله، إلى درجة أن ما كتب عنه وعن مكتشفاته باللغات الأوربية أكثر مما كتب بالعربية.

فالحق لا يضيع، بل يقيض الله سبحانه وتعالى له من أهله أو غير أهله، من يرعاه ويظهره أو يدعو له، ولا يضيع حق وراءه متابع، ولو بعد حين وتلك سنة الله في خلقه وعدله وحكمته.

كان ابن النفيس يتمتع بعقلية قوية مستقلة فاحصة، فلربما كان من أول من قال برفض كلام الطبيبين اليونانيين الشهيرين، أبقراط الذي يعتبر أبا الطب، مثلما كان يغض من كلام Hippocrates« « «460-377»، A.C» وجالينوس الذي يعد أكبر الأطباء في العصور القديمة Galen، 127-200،  واصفًا إياه بالعي والإسهاب الذي ليس تحته طائل، ولا ينظر إلى كلامه بكثير من الاعتبار، بل يراه ضعيفًا ومملًا وخاويًا، في وقت كان من الصعب أن ينقده أحد. 

ولثقة ابن النفيس بنفسه وعلمه وعمله، أنه لم يلق بالًا كبيرًا إلى قدامى الأطباء وعلمائهم، وما يكن لنظرياتهم كبير احترام، وكان قاسيًا في نقده لهم ولعل هذا بسبب عبقريته المتمكنة وعمق فهمه وشمول علمه، لتأكده من صحة ما لديه وبهذا تمت له إبداعاته وكشوفاته وسبقه وهو شأن الحضارة الإسلامية وحقيقة إبداعاتها وسمو منجزاتها، حيث ابتنت مجتمعاتها على الإسلام عقيدة وشريعة، الذي وهبها هذا التقدم المتميز الإنساني، في وقت كان الجهل والتوحش والظلمات تموج بالشعوب والأقوام والدروب من حولهم، وهي التي قدمت للعالم هداياها الكريمة ابتداء، النور والعلم والحضارة الفاضلة، من قبل به أو بثماره، وإن أنكر بعضهم مصدرها، أو ذمها بل ومن عاداها، وهو يسعد بثمارها.

الرابط المختصر :