; الأخيرة ... العدد 2004 | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة ... العدد 2004

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012

مشاهدات 95

نشر في العدد 2004

نشر في الصفحة 66

السبت 26-مايو-2012

القفزة المذهلة

ما الرؤية الإسلامية لمسألة التطور الفكري الذي تقول به، وتدعو إليه، جل المذاهب والمبادئ والنظريات الوضعية، فهي تدعي أنها جاءت لكي تقود المجتمعات البشرية بخطوات واسعة إلى الأمام، وتتقدم بها صوب آفاق أبعد، وأكثر تقدما ورقيا.

فما الذي قدمه الإسلام في هذا المجال؟

 إنه ليس تطورًا هذا الذي صنعه الإسلام، وسنكون مخطئين إن ظننا بأن هذا الدين قدم للبشرية تطورا فكريا. ذلك أنه كسر المنطق التقليدي بصدد الظاهرة، وحقق قفزات مذهلة إلى الأمام، على المستويات الفكرية كافة. التصورات الاعتقادية المعرفية المنهجية العلمية، والحضارية في نهاية المطاف.

 لا ريب في هذا، لأنه ليس برنامجا من وضع العبيد، ولا هو من وضع المذاهب التي يصنعها ويخطط لها العقل البشري. أو الإنسان. ولكنه «العقيدة»، البرنامج، المنهج الرؤية الشاملة التي جاءت من عند الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء والذي خلق وهو أدرى بخلقه﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾(سورة الملك: أيه رقم14)

برنامج شامل، متكامل، يجيء من «فوق» لكي يقود البشرية، ليس بخطوات رتيبة بحساب وحدات الزمن والمكان، ولكن بقفزات مذهلة صوب الآفاق.

إن الذي صنعه الإسلام، وصاغته هذه العقيدة على المستويات الفكرية كافة، أمر معجز. وإن هذه الخطوات التي كسرت بها الأرقام القياسية للتطور، سواء فيما صنعته عبر الدعوة الإسلامية في عصر الرسالة، أو ستصنعه بعدها، ليس أمرا صعبا على التفسير، ذلك أننا بإزاء معادلة ذات طرفين، الطرف الأول فيها هو الإنسان المتلقي والطرف الثاني هو الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، والذي وسع كل شيء علما، والذي بعث إلى هذا الإنسان عبر أجياله المتعاقبة بالدين الذي يعرف كيف ينتشله من النقر الضيقة التي يختنق فيها، ويصعد به وبإمكانياته الفكرية صوب الآفاق البعيدة لكي يحقق الأعاجيب.

قد يسأل سائل: كيف يتم الوفاق بين دين هذا مستواه وهذه طموحاته الفكرية، وبين مجتمعات بشرية ربما تكون غير قادرة على استيعاب التجربة، وهضم القفزة، وتمثلها وتنفيذها في واقع الزمان والمكان؟

 

والجواب هو أن الله سبحانه منح الإنسان المؤمن قدرات إضافية» تمكنه من تحقيق القفزة، وتنفيذ المسارعة، والانطلاق إلى الأهداف باختزال مدهش. فثمة التأكيدات المتواصلة في كتاب الله تعالى على تقوى الله عز وجل في كل فعل وممارسة، وعلى تجاوز التقوى إلى الإحسان، أن تضع الله نصب عينيك وأنت تشتغل، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والقرآن الكريم يصف المؤمنين الجادين بأنهم: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾(سورة المؤمنون: أيه رقم61)، وبذلك يدفعهم دفعا إلى اختزال حيثيات الزمن والمكان من أجل الوصول إلى الأهداف العليا التي جاء هذا الدين لكي يدعوهم إليها، ويقودهم إليها في الوقت نفسه. 

هذا هو الذي يحقق التلاؤم بين المجتمع المسلم وبين الآفاق البعيدة التي دعا إليها الإسلام، وفي القرآن الكريم مفتاحان زمنيان، كأنما يريد أن يقول بأن الزمن سيكون دائما في صالح المجتمعات البشرية، ذلك أن تراكم الخبرات عبر الصيرورة الزمنية يمنح المجتمعات قدرة أكبر على هضم التجربة الفكرية الإسلامية، وعلما بتنفيذها في واقع الحياة ومن أجل ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾(سورة يونس: أيه رقم39)، ويقول في الآية الأخرى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾(سورة يونس: أيه رقم39)

 وهكذا فإن تلك القفزات الكبيرة التي جاء بها هذا الدين ليست أبدًا من قبيل «تعجيز» المجتمعات البشرية، وإنما هي قابلة للتحقق ولقد تحققت بالفعل في أرض الواقع، بما منحه الإسلام للإنسان من قدرات وإمكانات تعينه على تحقيق اللحاق، وتنفيذ المحاولة، وتحويل القفزات التطورية تلك من مجرد مبادئ ووجهات نظر إلى ممارسات تنفيذ وهضم وتحقق في واقع الحياة.

وأخيرًا، فإننا لو حاولنا أن نجري عرضًا مقارنًا بالنتائج التي تمخضت عن هذه النقلات أو القفزات التي قدمها الإسلام، بتلك التي تمخضت عما فعلته كل المذاهب الوضعية والأديان المحرفة، ابتداء من عصور اليونان، فمعطيات عصر التنوير، والنهضة الأوروبية، فالمذاهب المثالية والاشتراكيات الطوباوية والمادية التاريخية الماركسية والقوميات الشوفينية والوجودية. إلى آخره؛ فإننا واجدون فرقا شاسعًا بين الفكر الإسلامي وبين هذه الأفكار من حيث الكمية أو النوعية على السواء.

الرابط المختصر :