العنوان الفارق بين الدعوة والتنصير (۷).. الانتشار السلمي للإسلام
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008
مشاهدات 69
نشر في العدد 1825
نشر في الصفحة 66
السبت 01-نوفمبر-2008
نواصل نشر شهادات بعض علماء الغرب حول الدعوة الإسلامية وانتشارها سلميًا بين صفوف غير المسلمين في البلاد التي فتحها المسلمون، ومدى تسامحها في معاملة أصحاب الديانات الأخرى.. ونستكمل شهادة المبشر البروتستانتي «أركلورسدي مونت كروسيس» الذي زار الشرق في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.
... فيما يتعلق بالسواد الأعظم من المسيحيين العرب.. فالظاهر أنهم قد انتهوا إلى الامتزاج بالمجتمع الإسلامي الذي كان يحيط بهم عن طريق ما يسمونه بـ«الاندماج السلمي» الذي تم بطريقة لم يحسها أحد منهم، ولو أن المسلمين حاولوا إدخالهم في الإسلام بالقوة عندما انضووا بادئ الأمر تحت لواء الحكم الإسلامي، لكان من الممكن أن يعيش المسيحيون بين ظهرانيهم حتى عصر الخلفاء العباسيين. إن مجرد بقاء الكنيسة المسيحية القومية في إفريقية الشمالية مثل هذا الوقت الطويل ليدحض أي زعم بأن تحولهم إلى الإسلام قد قام على القوة والإكراه...».(١)
- كذلك شهد الأمير والمستشرق الإيطالي ليون كايتاني Caetiani (١٨٦٩ - ١٩٢٦م)، وهو صاحب الدراسات الشهيرة والكبيرة في تاريخ الشرق والإسلام.. وصاحب التحقيقات لعدد من أمهات كتب التاريخ الإسلامي - شهد للانتشار السلمي للإسلام، فقال: «لم يضطهد العرب أحدًا في السنوات الأولى من أجل الدين، كما أنهم لم يعملوا على ضم أحد إلى دينهم، ومن ثم تمتع المسيحيون الساميون، في ظل الإسلام بعد الفتوحات الأولى، بحرية لم يتمتعوا بها من قبل طيلة أجيال عديدة....»
«.... وما أثر عن عمر بن الخطاب (٤٠ ق. هـ -٢٣هـ / ٥٨٤ - ٦٤٤م)، من أنه أمر أن يعطى قوم مجذومون من النصارى من الصدقات، وأن يجري عليهم القوت «البلاذري ص ۱۲۹».. وهو لا ينسى الذميين حتى في آخر وصاياه، إذ عهد فيها إلى من يخلفه بما ينبغي القيام به في هذا المنصب السامي، فقال: «أوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وألا يكلفوا إلا طاقتهم»، «.... وهناك شواهد كثيرة تبين أن المسيحيين قلما كانوا في عهد الفتوح الإسلامية الأولى يشكون مما يضعف من قوة دينهم....» (٢). نعم، شهد هؤلاء العلماء الأفذاذ - الذين يمثلون قممًا في الثقافة الأوروبية - على الانتشار السلمي للإسلام.. كما شهدوا على مكانة العقل والعقلانية الإسلامية في هذا الانتشار السلمي..
- فقال العلامة «كايتاني»: «إن انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس الشرقية إنما كان نتيجة شعور باستياء من السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الهلينية إلى اللاهوت المسيحي، أما الشرق الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة، فقد كانت الثقافة الهلينية وبالًا عليه من الوجهة الدينية، لأنها أحالت تعاليم المسيح البسيطة السامية إلى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها.
فلما أهلَّت آخر الأمر أنباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد لتلك المسيحية الشرعية التي اختلطت بالغش والزيف، وغرقت بفعل الانقسامات الداخلية وتزعزعت قواعدها الأساسية، واستولى على رجالها اليأس والقنوط من مثل هذه الريب، لم تعد المسيحية بعد ذلك قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا مادية جليلة إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة التي لا تقبل الجدل، وحينئذ ترك الشرق المسيح وارتمى في أحضان نبي بلاد العرب».
كذلك شهد الفيلسوف الأمريكي «جون تايلور» CunonTuylor (١٧٥٣ - ١٨٢٤م) على دور هذه العقلانية - التي تفرد بها الإسلام في الانتشار السلمي لهذا الدين، فقال:
«إنه من اليسير أن ندرك لماذا انتشر هذا الدين الجديد بهذه السرعة في أفريقيا وآسيا، لقد كان أئمة اللاهوت في إفريقية والشام قد استبدلوا عقائد ميتافيزيقية عويصة بديانة المسيح، ذلك أنهم حاولوا أن يحاربوا ما ساد هذا العصر من فساد بتوضيح فضل العزوبة في السماء، وسمو البكورية إلى مرتبة الملائكة، فكان اعتزال العالم هو الطريق إلى القداسة، والقذارة صفة لطهارة الرهبنة، وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة، كما كانت الطبقات العليا مخنثة يشيع فيها الفساد، والطبقات الوسطى مرهقة بالضرائب، ولم يكن للعبيد أمل في حاضرهم ولا مستقبلهم فأزال الإسلام بعون من الله هذه المجموعة من الفساد والخرافات، لقد كان ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة، وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية باعتبارها رأس التقوى، ولقد بين أصول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته، كما بين أن الله رحيم عادل يدعو الناس إلى الامتثال لأمره والإيمان به، وتفويض الأمر إليه، وأعلن أن المرء مسؤول، وأن هناك حياة أخرى ويومًا للحساب، وأعد للأشرار عقابًا أليمًا، وفرض الصلاة والزكاة والصوم وفعل الخير، ونبذ الفضائل الكاذبة والدجل الديني والترهات والنزعات الأخلاقية الضالة وسفسطة المنازعين في الدين، وحل الشجاعة محل الرهبنة، ومنح العبيد رجاء، والإنسانية إخاء، ووهب الناس إدراكاً للحقائق الأساسية التي تقوم عليها الطبيعة البشرية ...»(۳).