العنوان الأستاذ البنا والفهم العميق (1 من 2)
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1966
نشر في الصفحة 66
السبت 20-أغسطس-2011
في أجواء التشويش المتعمدة اليوم في بلاد العرب على حركات شعوبها التحررية، تثار فزاعات كبيرة بتخويف الناس من الحركة الإسلامية، حيث يصفونها بالشمولية وضيق الأفق، وأنها ستلغي ما سواها وستصادر حريات الناس؛ فيجدر أن نبرز ما كان عليه فهم مؤسسها الأول الأستاذ حسن البنا يرحمه الله، وما قاله بهذا الشأن دون تأويل أو تفسير.
تعجب من نضوج هذا الرجل في وقت مبكر، ومن بعد نظره واتساع أمله وشمول تفكيره ودقة تقديره وحسن استيعابه، وتجد في حياته مئات المواقف التي تستحق التوقف، كأنما يعايشك اليوم في «الربيع العربي»، وكأنما طوى من الزمان ما يقرب من سبعين عاما، ورأى يومها ما بعد هذه السبعين في دور العاملين المجاهدين من الإخوان المسلمين، فقال مخاطباً عدداً من شباب الجامعات في لقاء عام: أيها الإخوان قبل أن آخذ معكم في حديث الدعوة أحب أن أوجه إليكم هذا السؤال:
هل أنتم على استعداد لتجاهدوا ؛ ليستريح الناس؟
هل أنتم على استعداد لأن تزرعوا ؛ ليحصد الناس؟ وأخيراً هل أنتم على استعداد لتموتوا ؛ وتحيا أمتكم؟ الغاية واضحة تماماً لدى البنا يرحمه الله، وأراد أن يستوثق من فهم الجيل القادم لها، لعلهم يظنون أن الجماعة تشكيل حزبي يدور حول ذاته ليتقوى بنفسه وليصبح له شأن خاص، أو أنه تشكيل نقابي يسعى لخدمة منتسبيه دون سواهم، أو أنه يتعامل بشوفينية أو نرجسية أو أنانية أو تقديس لذاته. لقد أراد حسم المسألة والإجابة على تساؤلات كثيرة ستثار بعد سبعين عاما بإجابة واضحة بينة، لا تلجلج فيها نحن نعمل ونضحي ونبذل من أجل أمتنا كلها على اختلاف مذاهبها الفكرية والسياسية والعقدية واستعداداتها وبذلها، وهم الذين سماهم «الناس»، وسماهم « الأمة ».
هذا هو الفهم السليم والأمين الواضح للإسلام نفسه غاياته وأهدافه إسعاد الناس والعدل مع كل الناس وتوفير الحياة الكريمة الحرة لكل الناس دون اعتبار للون أو عرق أو مذهب أو جنس، والنصوص في الكتاب العزيز كثيرة ومبينة المعنى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء: 107)، ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعا ﴾ (المائدة: ٣٢).
ودخل رجل الجنة بكلب، ودخلت امرأة النار بهرة وهذا هو الإسلام، ولا أمل من تكرار وضوح الهدف في نظر الرجل الفذ الشهيد يرحمه الله، حيث يقول: «أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحا وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية - على توعر طريقهما، وما فيه من مصاعب ومتاعب - راحة ولذة، وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها، وتتغلغل في مظاهر المجتمع، فتتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم، وما يزيد في هذا الصفاء، ويضاعف تلك المسرة، لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان، وعطف عليهم ورغبة شريفة في خيرهم، فتحاول أن تبرئ هذه القلوب المريضة، وتشرح تلك الصدور الحرجة وتسر النفوس المنقبضة لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنقذ فيها مخلوقا من هوة الشقاء الأبدي أو المادي، وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة!
وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه ولا تتجاوز فائدته عامله، قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره من أسرته وأمته وبني جنسه، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره». ترى هل نفهم الدرس بعد سبعين عاماً؟ وهل يفهمنا الناس؟ أم تبقى عنزة ولو طارت ؟!