; الأخوة في الله .. روح الإيمان الحي | مجلة المجتمع

العنوان الأخوة في الله .. روح الإيمان الحي

الكاتب علاء محمد الصفطاوي

تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002

مشاهدات 103

نشر في العدد 1509

نشر في الصفحة 54

السبت 13-يوليو-2002

  • الإمام حسن البنا دعا إلى ارتباط القلوب والأرواح برباط العقيدة باعتباره أوثق الروابط وأغلاها

  • الشهيد سيد قطب ركز على أهمية وجود الفرد داخل الجماعة لأنه بهم وليس بغيرهم

  • سبب لمغفرة الذنوب .. سبيل لدخول الجنة ووسيلة لوحدة القلب والروح

نادى الإسلام بالأخوة الإيمانية بين المسلمين أخوة العقيدة التي تجعل المسلم ينال بها منزلة القرب والرضوان من الله عز وجل، ويكون لباسه من نور ووجهه من نور ويغبطه الأنبياء والشهداء على منزلته عند الله سبحانه وتعالى، ويكون ممن ينادي عليهم المولى عز وجل: «أين المتحابون بجلالي.. اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي»، هذه هي منزلة «الأخوة الصادقة التي هي روح الإيمان الحي، ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه، حتى إنه ليحيا بهم، ويحيا لهم فكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة، أو روح حلت في أجسام متعددة»[1].

الأخوة منحة قدسية، وإشراقة ربانية، ونعمة إلهية يقذفها الله في قلوب المخلصين من عباده والأصفياء من أوليائه والأتقياء من خلقه[2] قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:٦٣).

وللإمام حسن البنا كلام نفيس حول معنى الأخوة يقول فيه- يرحمه الله-: «وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاها مرتبة الإيثار»[3] قال تعالي: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:٩).

والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم، فلن يكون بغيرهم وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾ (التوبة:۷۱)، هكذا يجب أن نكون، وعندما يميز الله المؤمنين يميزهم بشيء لا يوجد في غيرهم هو الأخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات:١٠).

قاعدتان متلازمتان

فالأخوة الإيمانية الصادقة لا تكون إلا في مجتمع المؤمنين والمجتمع المؤمن في حقيقته يقوم على هاتين القاعدتين المتلازمتين الإيمان والأخوة فالإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة والأخوة في الله تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية قوية حية صامدة قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية وفي التاريخ الإنساني ولابد منها للجماعة المسلمة كي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي أناطها الله تعالى بها، وأخرجها للوجود من أجلها[4].

وإذا كان الشهيد سيد قطب -يرحمه الله- يركز على أهمية وجود الفرد داخل الجماعة لأنه بهم وليس بغيرهم، وأن الأخوة الإيمانية لا تتحقق إلا في وجود جماعة، فإن العلامة أبا الأعلى المودودي يدعم هذه الرؤية، وينظر لها من زاوية أخرى فيقول: «إذا تخلق كل فرد في ذاته بأعلى ما يكون من الصفات الجميلة، والأخلاق المحمودة بدون أن يكونوا مرتبطين بينهم -يعني بالأخوة- متخلقين بالصفات الجماعية التناصح والتواصي بينهم بالحق والصبر فإنهم لا يستطيعون أبدًا أن يقوموا في وجه الباطل ويقارعوه»[5] (٥).

فضل التآخي

للأخوة فضل عظيم يعود على المتآخين في الله تعالى، فهي سبيل لدخول الجنة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا».

وقال : «ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة والشهيد في الجنة والصديق في الجنة والمولود في الجنة والرجل يزور أخاه في ناحية المصر في الله في الجنة»[6].

قال أبو إدريس الخولاني لمعاذ: «إني أحبك في الله»، فقال له أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله  يقول: «ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هـم يحزنون، فقيل من هم يا رسول الله؟، فقال: هـم المتحابون في الله تعالى». 

وينال المتحابون في الله درجة في الجنة لا ينالها غيرهم .. قال رسول الله  «من أخي أخًا له في الله تعالى رفعه الله في الجنة درجة لا ينالها بشيء من عمله»[7].

وعندما تدنو الشمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة، ويلجم العرق الناس يكون المتآخون في الله في ظل عرش الرحمن عز وجل مصداقًا لحديث رسول الله  الذي رواه أبو هريرة: «سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه[8]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الله يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل  إلا  ظلي[9].

وقد ربط  بين الشعور بحلاوة الإيمان والحب في الله عندما قال: «من سره أن يجد حلاوة الإيمان، فليحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل»[10].

 وقال أيضًا: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود للكفر كما يكره أن يقذف في النار»[11].

كما أن للأخوة نورًا في الوجه، فقد روى أبو الدرداء عن رسول الله   أنه قال: «إن لله عبادًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»[12].

من ثمرات الأخوة

ومن أعظم ثمرات الأخوة، أنها سبب لمغفرة الذنوب، قال رسول الله : «إن المسلم إذا لقى أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف ويغفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحر»[13].

وهذه الأخوة الإيمانية هي السبيل لنيل محبة الله تعالى فعن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله  يقول في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة «وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في[14].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  قال: «زار رجل أخًا له في قرية فأرصد الله له ملكًا على مدرجته، قال أين تريد؟ قال: أخًا لي في هذه القرية فقال له الملك: هل له عليك نعمة تربها؟ أي تقوم بها، قال لا، إني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك، أن الله أحبك كما أحببته فيه»[15]، هذه الأحاديث تحث على التزاور في الله تبارك وتعالى لما له من أثر كبير في تدعيم أواصر الأخوة، ومن هذا المنطلق الإيماني حرص السلف على تعميق أواصر الأخوة بينهم بل قال بعضهم الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال.

وقال أبو أيوب السختياني: «إذا بلغني موت أخ لي فكأنما سقط عضو مني، وكان الواحد منهم يعتبر أخاه ذخيرة له في الدنيا والآخرة، قال ابن الأعرابي:

لعمرك ما مال الفتي بذخيرة *** ولكن إخوان الثقات الذخائر

وكانوا يقولون: «أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم» وقال الحسن البصري: «إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أولادنا وأهلنا يذكروننا بالدنيا، أما إخواننا فيذكروننا بالآخرة» ومن خلال هذا الفهم الراقي كان لا بد من العودة إلى محاولة تأكيد هذا الفهم كجزء من إحياء فقه الدعوة، فإن الأخوة شرعة دعوتنا، وشعارها، واسمها، وميثاقها الذي واثقتنا به، وكتابها الذي كتبته على نفسها، ومازالت دعوتنا المباركة تأتي ببصائر جديدة من تجاربها المتكررة تسرع بها إلى ابتغاء كل وسيلة إلى هذه الفضيلة، وتجميع أنصارها إلى الله على التحابب والتكافل، والتسامح، ومكملات هذه الرواسي الشامخات وكمالها أن ترى من بعد وحدة الرؤية والفكر والخيال والرجاء والمصير وحدة القلب والروح بل وحدة اللفظ أيضًا فلا تكون هناك إلا صيحات واحدة بحروف متقاربة تعبر عن مفهوم واحد كما أراد إقبال حين قال:

نحن من نعمائه ملف إخاء *** قلبنا والروح واللفظ سواء

وقد فقه الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعون من بعدهم هذا المعنى، فأعطوا لنا النماذج الحية للأخوة الصادقة، والتطبيق العملي الذي نحن أحوج ما نكون إليه في أيامنا هذه.

تأمل موقف مصعب بن عمير وهو يتسامى بإيمانه، ويفضل أخوة الدين على أخوة الدم، فهو يرى أخاه شقيقه لأبيه وأمه يسير أسيرًا في يد الأنصاري فيغريه به ويحرضه على شدة الاستمساك به ويقول له: «اشدد يديك عليه فإن أمه ثرية ذات متاع كثير وستفديه منك بأعلى فداء»، وقد صدق الخبر وفدي أبو عزيز أخو مصعب بأربعة آلاف درهم[16].

نماذج فذة

تأمل معي هذا النموذج الفذ من الإيثار، فقد ذكر حذيفة العدوي فيما رواه القرطبي: «انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به فقلت أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يقول آه .. آه فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك فأشار أن نعم، فسمع صوتًا يقول: آه .. آه فأشار إلى هشام أن انطلق إليه فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات![17].

إن الإيثار هنا ليس بالماء، وإنما إيثار بالحياة فكل واحد منهم أثر حياة أخيه على حياته، ولأن كل واحد منهم يرى حياة أخيه هي حياته، والخير في الأمة سيظل ولن ينقطع- بإذن الله تعالى فقد ذكر الإمام البنا- يرحمه الله- أن اثنين تآخيا في الله. سافرا معًا في سفينة، وقف أحدهم على حافة السفينة فزلت قدمه فوقع في البحر فما إن شعر أخوه بالحادث إلا وقد استولت عليه الدهشة فوقع وراء فانتشلهما رجال السفينة، فلما أفاق الأول رأى أخاه مبتلًا من أثر الغرق فقال له: مالك؟ فقال: 

لقد فنيت بك عني *** فظننت أنك أني[18]

 والأخوة إن لم يكن لها أثر في الواقع، فلا معنى لها، إن الآية الكريمة تقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات:۱۰) فهل تجد لهذه الآية تطبيقًا عمليًّا في حياتنا؟ وفي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا هل يتكفل الأغنياء بالفقراء هل نعيش آلام المظلومين هل سعينا لنصرتهم؟ هل بكت قلوبنا قبل عيوننا لحالهم هل اقتسمنا معهم لقمة العيش؟ أم أن الأثرة غلبت علينا؟

هذا أبو الحسن الأنطاكي يحكى أنه «اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلًا بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبعهم جميعهم فكسروا الأرغفة وأطفأوا السرج، وجلسوا يأكلون، فلما رفعوا أيديهم أضاءوا السرج، فوجدوا الطعام كما هو لم يؤكل منه شيء».

في مجتمعاتنا أناس يأكلون ملء بطونهم. ويرمون أكثر من نصف طعامهم في سلة القمامة وغيرهم من المسلمين يبحثون عن كسرة الخبز فلا يجدونها!.

يقول الشيخ الغزالي يرحمه الله: «من حق أخيك عليك أن تكره مضرته، وأن تبادر إلى دفعها، فإن مسه ما يتأذى منه شاركته الألم، وأحسست معه بالحزن أما أن تكون ميت العاطفة قليل الاكتراث لأن المصيبة وقعت بعيدًا عنك فالأمر لا يعنيك فهذا تصرف لئيم، وهو مبتوت العاطفة بمشاعر الأخوة الغامرة التي تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل المسلم يتأوه للألم ينزل بأخيه المسلم»[19] (۲۰).

فقه الصحابة والتابعين لمعنى الأخوة

لقد بلغ من فقه الصحابة لهذا المعنى أن يؤثر ابن عباس خدمة يقدمها لأخيه المسلم على الاعتكاف في مسجد رسول الله ، فعنه أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله  ، فأتاه رجل فسلم عليه وجلس فقال له ابن عباس: مالي أراك مكتئبًا حزينًا؟ «لاحظ كيف يشعر الأخ بأخيه عندما يراه» قال: نعم یا ابن عم رسول الله  له لفلان علي حق، وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه، قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟ قال: إن أحببت قال: فانتعل ابن عباس وخرج من المسجد فقال له الرجل أنسيت ما كنت فيه؟ قال: لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب- ودمعت عيناه- يقول: «من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيه كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ما بين الخافقين»[20].

وإذا كان ابن عباس قد خرج من الاعتكاف الحاجة أخيه، فقد كان المسروق موقف أعجب منه، فقد كان عليه دين ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دين أيضًا، فذهب مسروق وقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة وقضى دين مسروق وهو لا يعلم!. 

أتدرون لماذا فعل ابن عباس ومسروق وخيثمة ما فعلوا؟ لأنهم علموا يقينًا وعقيدة أنه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ولأنهم تربوا على مائدة القرآن، وسنة خير الأنام، وهما- أي القرآن والسنة- بين أيدينا نستطيع أن نقتدي بهؤلاء في أفعالهم الإيمانية الصادقة بشرط أن نحسن التعامل معهما، ثم إن هؤلاء الأفذاذ عندما كانوا يقدمون على مثل هذه الأفعال العظيمة كانوا لا يريدون مدحًا ولا ثناء، ولا أن يسود اسمهم في صحيفة، وإنما يريدون وجه الله سبحانه وتعالى، وإليك الدليل، فقد قضى ابن شبرمة حاجة لبعض إخوانه فجاء بهدية فقال: ما هذا؟ قال لما أسديت لي قال ابن شبرمة «خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة ثم كبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى».

واقعنا اليوم

هنا أتساءل كم يا ترى ممن يدعون الأخوة قد أجهدوا أنفسهم في قضاء حوائج إخوانهم قبل أن نتوضأ ونصلي عليهم أربع تكبيرات ونعدهم في الموتى؟

يقول الشاعر:

وما أكثر الإخوان حين تعدهم *** ولكنهم في النائبات قليل

إن أخاك الصدق من كان معك *** ومن يضر نفسه لينفعك

وقال آخر:

ومن إذا ريب الزمان صدعك *** شتت فيك نفسه ليجمعك

قال الحسن البصري رضي الله عنه يصف الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- «كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه».

ووصفهم آخر فقال: «كان الواحد منهم يتردد على باب أخيه ويسأل هل لكم زيت؟ هل لكم ملح وكان يقوم بها من لا يعرف أخاه».

هناك نقطة أخيرة أرى أنها بمثابة الزيت الذي يسهل حركة التروس، وهي إحسان الظن، وأن نتعامل فيما بيننا على أننا بشر نصيب ونخطئ ولسنا ملائكة معصومين، وهذا الخلق نجده واقعًا في حياة الصحابة يقول أبو الدرداء: «لا تدع أخاك إذا تغير عما كان عليه فإنه يعوج مرة ويستقيم».

ويصدق سعيد بن المسيب- رضي الله عنه- على كلام أبي الدرداء فيقول: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله، وحقًّا إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث»[21].

ويا العظمة جزاء العافين عن زلات إخوانهم فإنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين العافون عن الناس هلموا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة، يقول ابن المبارك:

«المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات»

نعم، «إن الكبار وحدهم هم الذين يستطيعون رؤية فضائل الآخرين، ويحرصون على استثمارها الصالح كل ما هو خير وبناء، أما الصغار فهم مهووسون بالنواقص والعورات والإقصاء»[22].

قيل لخالد بن صفوان أي إخوانك أحب إليك؟ قال: «الذي يغفر زللي ويقبل عللي ويسد خللي»، فإذا لم تستطع أن يكون العفو خلقك وإحسان الظن صفتك، فخذ بيد أخيك وقل له هيا نتغافر، وإن لم تستطع فقل له هيا نتعاتب فظاهر العتاب خير من باطن الحقد.

«وقد هان المسلمون أفرادًا وجماعات وأممًا يوم وهنت أواصر الأخوة بينهم ونظر أحدهم إلى الآخر نظرة استغراب وتنكر، وأصبح الأخ ينتقص أمام أخيه فيهز كتفه ويمضي لشأنه، كأن الأمر لا يعنيه»[23].

ومن العجيب أنك تجد الإسلام يحث على إشاعة روح التغافر، ثم تجد الواقع المؤلم يتمثل في فقدان هذه الروح بل تجد من ينتصر لنفسه ولو على حساب الحق، ولا يشعر بغضاضة في نفسه إذا أشاع عن أخيه ما لا يضره ولا ينفعه وأقول لهؤلاء تأملوا المثل الذي ضربه نبي الله عيسى عليه السلام للحواريين عندما قال لهم كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائمًا وقد كشف الريح ثويه عنه؟ قالوا: نستره ونغطيه، قال بل تكشفون عورته، قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ فقال أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها!. 

وما شكواي أو شكواك *** إلا الفوضى في المجامع وانقسام

تجد كلًا له أمل وسعي *** وما لاثنين حولك من وئام

لكل جماعة فينا إمام *** ولكن الجميع بلا إمام

فهل تسعى إلى بناء أخوتنا من جديد لترسخ دعائمها حتى تكون راسخة كالجبال شامخة في وجه المحن والشدائد التي يتعرض لها شباب الصحوة الآن؟!

وإن ما تتعرض له الأمة حاليًّا من حملة شرسة يراد من خلالها تشتيت شملها، وتمزيق وحدتها حتى يسهل افتراسها يحتاج منا إلى أن نتعالى فوق الخلافات حتى تكون صفًّا واحدًا في معركتنا مع أعدائنا لنستحق نصر الله الذي وعدنا إياه. 

وأختم بهذا النداء الذي أطلقه الإمام البنا يرحمه الله عندما قال: أيها الإخوان احكموا أخوتكم ورسخوا وحدتكم، وتآخوا بروح الله بينكم، وأصلحوا بالإخلاص والتوبة نفوسكم، وتميزوا بين الناس بأخلاقكم وسلوككم. أعطوا القدوة بأفعالكم وحسن معاملتكم وأدوا حقوق الأخوة لإخوانكم ومن يلوذ بكم وسيروا على منهج الإسلام في تثبيت محبتكم وتآلفكم، وخذوا بهدي القرآن في تراحمكم وتوادكم فإن فعلتم ذلك فاعلموا أنكم منصورون ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات:١٧٣).

[1] - الشيخ محمد الغزالي خلق المسلم دار القلم، ص ۱۷۸.

[2] - الدكتور عبدالله ناصح علوان الأخوة الإسلامية دار البشير ص٥.

[3] - مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البناء رسالة التعاليم، ص ۱۸ دار القلم، بيروت بدون تاریخ طبع.

[4] - الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن، دار الشروق، ج۲، ص ۲۳.

[5] - د. جاسم الياسين الأخوة، نقلًا عن تذكرة دعاة الإسلام للإمام المودودي

(6) صحيح مسلم عن أبي هريرة.. وأبو داود بسنده

[7] - صحيح الجامع الصغير الحديث رقم ٢٨٦٧ ورواه الدار قطني في الإفراد والطبراني في الكبير عن كعب بن عجرة وقال السيوطي فيه ضعيف.

[8] - أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان من حديث أنس و إسناده ضعیف.

[9] - صحيح مسلم، الجزء الثاني، باب إخفاء الصدق، دار إحياء التراب العربي بيروت الطبعة الرابعة ١٤١٢هـ.

[10] - الإمام أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن أبي هريرة، وقال السيوطي صحيح.

[11] - أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وقال السيوطي صحيح.

[12] - أحمد في مسنده ومتفق عليه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس وقال السيوطي صحيح.

[13] - أخرجه الحاكم وصححه وأخرجه أبو داود وأبو نعيم في الحلية.

[14] - رواه الطبراني بإسناد حسن.

[15] - روى الترمذي طرفًا من حديث معاذ وحده.

[16] - صحيح مسلم الجزء الرابع، دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة الرابعة ١٤١٢هـ.

[17] - محمد الصادق عرجون حياة رجالات الإسلام، دار القلم ص ۱۰۰.

[18] - د. عبد الله ناصح علوان مرجع سابق ص 20.              

[19] - الإمام الشهيد حسن البناء حديث الثلاثاء، ص ۳۳۷.

[20] - الشيخ محمد الغزالي، مرجع سابق، ص ۱۷۸.

[21] - رواه الطبراني في الكبير والبيهقي وضعفه، والخطيب وقال غريب عن ابن عباس، وكنز العمال.

[22] - د. جاسم الياسين مرجع سابق، ص ۱۱.

[23] فهمي هويدي مصر تريد حلًا، دار الشروق، ص ٢٢٦

[24] الشيخ محمد الغزالي، مرجع سابق، ص ۱۸۱

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 546

109

الثلاثاء 06-أكتوبر-1981

الملتقى التربوي:  الإيمان والإخوة

نشر في العدد 1159

84

الثلاثاء 25-يوليو-1995

استراحة المجتمع (1159)