; الأحزان لم تشرع ليعبَد بِهَــا الرحمن | مجلة المجتمع

العنوان الأحزان لم تشرع ليعبَد بِهَــا الرحمن

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1975

مشاهدات 16

نشر في العدد 270

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 14-أكتوبر-1975

كنت أشرت في كلمة ملقاة إلى أن الحزن ليس عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه فناقشني كثير من السامعين في هذا الموضوع مما حدا بي أن أسجله على صفحات المجلة كي يتضح الأمر ويتبين.

والذي يؤكد الكتابة في هذا الموضوع أن بعض الذين ينتسبون إلى العلم قديمًا وحديثًا يرون التعبد إلى الله بالحزن، بل إن فرقة تنسب إلى الإسلام بنت دينها على هذا الأمر وجهدت فيه.

الحزن ليس عبادة

يدلنا على ذلك أنه لم يؤمر به في القرآن الكريم ولا في آية من آياته، بل ولم يأت الأمر به والترغيب فيه في الأحاديث النبوية الكريمة، والعبادة لا تكون إلا بفعل الواجب أو المستحب وهذا لم يأت فيه أمر إيجاب ولا أمر استحباب.

بل ورد النهي عنه

جاء ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى ناهيًا رسوله عن الحزن: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ (النحل: 127). ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (المائدة: 41) ونهى المؤمنين عن الحزن ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ (آل عمران: 139).

الحزن أمر جبلي

وحزن الإنسان على ما يصيبه أمر جبلي ومن ذلك الحزن الذي كان يصيب الرسول صلى الله عليه وسلم لكفر الكفار ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ (الأنعام: 33) ومع كونه كذلك فقد نهى الله رسوله عنه.

وقد أصاب هذا الحزن نبي الله يعقوب لفقد ولده يوسف ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86) ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (يوسف: 84).

ومنه ما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم لفقد إبراهيم «وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

الحزن مصيبة يستحق صاحبها الأجر والثواب:

أما كونه مصيبة فبدليل أن الله يؤمن أولياءه منه ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 62-63).

والشيطان حريص على الإساءة للمؤمنين ومن ذلك أحزانهم ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المجادلة: 10) فلو كان عبادة لما فعل أمرًا يقربهم من الله تعالى. وقد جاء في الحديث «لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه».

ومما يدل على أن الحزن مصيبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله منه كما في الحديث الذي يرويه البخاري وغيره «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..» فكيف يكون عبادة والرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله منه.

وأورد البخاري في صحيحه حديثًا يدل على أن ما يصيب المرء من الهموم والأحزان كفارة له، وفي مسند أحمد ما يفيد أن الله يبتلي عبده بالحزن ليكفر به عنه.

والمصائب لا تطلب فإذا أصابت العبد فعليه أن يصبر «لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا».

البكاء لذكر الله وقراءة القرآن:

ليس هذا البكاء بكاء حزن وإنما هو بكاء خوف من الله وخشية له والخوف والخشية عبادة مطلوبة يثاب فاعلها ولها تأثير في النفوس يؤدي إلى البكاء.

فليس كل بكاء سببه الحزن فقد يبكي المرء فرحًا وقد يبكي خوفًا وقد يبكي ألمًا وحزنًا وقد يبكي رحمة...

شبهة:

وقد احتج بعض الإخوة بحديث نصه: «إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا».  وهذا حديث ضعيف (انظر ضعيف الجامع 1/ 202 رقم 2023).

شيخ الإسلام يقرر ذلك:

في الجزء العاشر من مجموع الفتاوى ص 16، 17 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينًا رأيه في الحزن: «وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع، وإن تعلق بأمر الدين» ثم ساق رحمه الله خمسة مواضع مما نهى الله فيه عن الحزن وقد سقنا إليك شيئًا منها فيما سبق.

ثم يبين رحمه الله السبب في عدم الأمر به فيقول: «وذلك لأنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه، فلا يأمر الله به».

ثم بين أن الحزن يباح بشرط فقال: «نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم، كما يحزن على المصائب، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم» وأشار بيده إلى لسانه».

وقال صلى الله عليه وسلم: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب» ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (يوسف: 84).

ثم يبين أنه قد يقترن بالحزن ما يجلب الثواب للمحزون لا من جهة الحزن «وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محمودًا من تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين عمومًا فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك».

ثم اشترط شرطًا في ذلك: «ولكن الحزن إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن».

ثم قال: «وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذمومًا عليه من تلك الجهة وإن كان محمودًا من جهة أخرى».

ثم أخذ يبين الأعمال الباطنة من العبادات كمحبة الله والتوكل عليه والإخلاص.

وأخيرًا:

فالأمر أوضح من أن يطال فيه الحديث ويفصل فيه المقال لولا أن الاستفسار والنقاش كثر في هذا الأمر، هذا ولنستبدل الحزن المنهي عنه بالرحمة والخشية والخوف فهي ترقق القلب وتقرب العبد من ربه وتقيم في النفس أسمى المشاعر الإسلامية الإيجابية والله الموفق للصواب وهو المستعان. 

الرابط المختصر :